الفصل 27
(٢٠) البحث عن تريزا
بينما كان أندريا يدير بحذقه هذه الحادثة، وقد زجَّ بفرناند بالسجن بتهمة الاختلاس، وحبس باكارا في المستشفى بعلة الجنون، وحجر على سريز في منزل مدام فيبار، ففرَّقهم عن بعضهم، وأبعد كلَّ مَن يحتمل أن يوقف أرمان دي كركاز على آثار تريزا وابنتها، وكان أرمان يسعى بملء الغيرة والنشاط لإيجاد تلك المرأة وولدها، ليدفع إليهما ملايين البارون كرماروت المؤتمَن عليها.
وكان يستعين على ذلك ببستيان وببوليس سري، ولم يكن إلى الحين الذي رأيناه فيه يقفو أثر الرجلين في بلفيل قد وقف على شيء من أثر تريزا، فوصل إلى تلك القرية في حينه، ومنع ذلك الاعتداء عن ليون رولاند، ولا يزال يذكر القارئ أنه كان قَبِلَ دعوة ليون، فلما عزموا على الرحيل قدَّمَ ذراعه إلى حنة، وسار الجميع إلى منزل سريز.
ومن غرائب القلب في سرعة تأثره وتقلبه أنه لا تكاد تسري إليه النظرة أحيانًا حتى تفعل فيه لأول وهلة فعل سواها بعد طول الممارسة والتكرار، كأنما هي بين الحب والكره وقع السعادة والشقاء، فإن كليهما يملأ القلب عند وقوعه، وكثيرًا ما تختلف نظرتان فتكونان بدء الحب الأكيد أو البغض الشديد عند أول مقابلة منهما في الغراء، وهما زهرة ورد يتهاداها القلبان من طريق العيون في الحب وفي الكره، سهمان مسمومان تتراشق بهما القلوب عن قسي الجفون، وهو سر من أسرار الطبيعة لا يعرفه إلا مَن يعرف سر الوداد والبغضاء، ولعله تشابه القلبين أو تباينهما جملة حتى يمتزجا أو يتنافرا في لحظة عين كما يمتزج النور بالنور، ويتنافر الضياء بالظلام، ولقد كان من هذا القبيل نظرة أرمان إلى حنة؛ فإنه لم يكد يقع نظره عليها حتى شعر أن جمالها يملأ فؤاده، كما يملأ النور العين عند انفتاحها، وأنها ارتسمت على جوارحه كما يرتسم أثر الختم عند الطباعة، وأنه قد أصبح لها وهو يعلم أنها أصبحت له بدافع الأمل الذي يرجوه فيها، واعتقاده أن من القلب إلى القلب دليلًا، وما أدري هل استحسان النظرة هو الذي ينشئ هذا الأمل والاعتقاد، أم هما يُنشِئان تلك النظرة، ويكونان رائد القلب إلى العيون:
والذي حارت البرية فيهداء قلب بنظرة العينين
وإن الذي زاد أرمان ميلًا إلى حنة وحنوًّا عليها، ما استشفه في ظاهر هيئتها من ذلة الانكسار وآثار الشقاء والحزن، وهي آثار قد تفعل في القلب الشريف أحيانًا ما لا تفعله طلائع الحسن والازدهاء. فلما وصل القوم إلى منزل سريز، دخلت إلى منزلها ودخل معها ليون وأمه، أما حنة فإنها اعتذرت وسألت أرمان أن يوصلها إلى منزلها، فسار وإياها وقال: إلى أين تريدين أن أوصلك؟
– إلى شارع مسلي.
وفيما هما يمشيان قال: أتعرفين سريز حق المعرفة؟
– نعم أعرفها أيام كان أبوها حيًّا، وكنا جيران.
– عجبًا! فإني أرى من تباين حالتيكما …
فقاطعته الفتاة وقالت: صدقت يا سيدي، ولكن المصائب والشقاء تناسب بين القلبين في الألفة أكثر مما يناسب بينهما المقام.
ثم تنهَّدَتْ تنهُّدًا طويلًا رقَّ له قلب أرمان وقال لها: أتراك يتيمة؟
– نعم، فإن أمي قد ماتت من بضعة أشهر، وأبي راح قتيلًا في ساحة الحرب.
وعند ذلك وصلا إلى منزل الفتاة فودَّعها، وقبَّل يدها باحترام، وعاد إلى منزله مفكِّرًا مهمومًا وهو يقول: أتراني لا أزال فتيًّا، أم لا يزال في قلبي وتر لم تنقر عليه أصابع الغرام؟
ولما كان الصباح دعا إليه بستيان فقال له: البس ثوبك العسكري، واذهب في الحال إلى شارع مسلي نمرة ١١، واجتهد أن ترى فيه منزلًا معدًّا للأجرة، وإذا لم تجد فادفع للبوَّاب قدر ما يشاء ليخلي لك أحد المنازل المأهولة، فإن ذلك لا يصعب عليه، وبعد أن تجد ذلك المنزل تنقل إليه الأثاث ثم تذهب إليه فتقطن فيه باسم باستيان، أما هذا المنزل نمرة ١١ فإن ابنة تُدعَى حنة ساكنة فيه، ويهمني أمرها جدًّا، وأول ما تشرع به عندما يتيسر لك أن تكون بجوارها هو أن تفحص عنها، فقد علمت أنها ابنة رجل كريم النسب، وقد أحنى عليها الدهر بوفاة أبيها وفقد ثروتها، ثم تجتهد أن ترتبط معها بالعلائق الوثيقة، فإن ما بلغته من العمر يدفع عنك كل ريبة. فاذهب الآن وعُدْ إليَّ سريعًا في كل حال لأعلم ماذا فعلت.
وبعد أن ذهب بستيان قام أرمان إلى مكتبته فأخذ منها دفترًا ضخمًا، وكتب فيه بالخط المصري هذين الاسمين «ليون رولاند في شارع البوربون، وسريز في شارع التامبل»، ثم كتب تحتهما هذه المذكرة: «يجب البحث عن الغاية التي دفعت نيقولا وفاتح الأقفال إلى الاعتداء على ليون وخطيبته.» وبعد أن فرغ من الكتابة أخذ يقلِّب صفحات الدفتر، ثم غلبت عليه الهواجس فغرق في تأملات عميقة.
وما زال على أتم الذهول حتى قرع الباب ودخل بستيان فقال: إن تلك الابنة التي أرسلتني لأبحث عنها تسكن في الطبقة الرابعة من المنزل، وقد توفقت لإيجاد منزل مقابل له فاستأجرته بستمائة فرنك، وبعد ذلك ذهبت إلى البوَّاب واستطلعت منه كُنْه أمر الصبية، فقال لي: إنها تُدعَى حنة بالدر وإنها حسنة التربية، أما أجرة منزلها فهي ثلاثمائة فرنك، وهي عائشة مع خادمة لها طاعنة في السن شديدة الطوع لها، وهي حسنة السيرة جدًّا لا تزور ولا تزار، وقد أخبرني البواب أنه شاهد منذ يومين نورًا في غرفتها بعد منتصف الليل، ففحص عن ذلك فعلم أنها تشتغل أشغالًا يدوية، ولم يكن يراها تشتغل قبل هذا العهد.
وقد كانت من قبلُ تسكن منزلًا كبيرًا في شارع شابون إلى أن ماتت أمها، ولم يَبْقَ لديها من المال ما يتيح لها أن تعيش في بذخها السابق، فتركت ذلك المنزل الأنيق، واستبدلته بهذا المنزل الحقير بغية الاقتصاد، ويظهر أنها اضطرت لفقرها أن تعيش من أشغال يدها، وهي حسنة الصيت وافرة الأدب، وجميع معارفها من الأعيان.
وبينما كان بستيان يقص أخبار حنة كان قلب أرمان يختلج بعاطفة سرية، وقد طفح سرورًا بما سمع.
ثم قال بستيان: وقد علمت أيضًا من البوَّاب أنه كان عندها في منزلها القديم بيانو، وعندما استبدلت منزلها لم تنقله إليه، مما يدل على أنها اضطرت لفقرها إلى بيعه.
فقال أرمان: إذن اذهب واشتري بيانو قديم الطراز، وأنا أعلم أنك لا تعرف أن تعزف على هذه الآلة، ولكني أرغب إليك أن تشتريها وتنقلها لمنزلك، ثم تدَّعِي أن منزلك ضيق، وأن هذه الآلة لا يمكنك أن تبيعها؛ لأنها كانت لابنتك وهي آخِر تذكار بقي لك منها، فترجو السيدة أن تسمح لك بأن تودعها عندها.
فامتثل بستيان ومضى لينفذ أمر سيده. أما أرمان فإنه وضع رأسه بين يديه، وانتقل إلى عالم التصور والخيال، فصوَّرَتْ له أوهامه تذكار تلك الفتاة مرتا، التي طالما أحبها وطالما حاول إنقاذها من أندريا الخائن، فلم يقدر على ذلك.
وكان هذا الخيال الذي هو خيال حبِّه الماضي المشئوم، قد تجلَّى لديه بكمال صورته كأنه يغالب غرامه الجديد، ولكنه لم يمكنه أن يقوى عليه؛ لأن ذلك الحب القديم لم يَبْقَ منه إلا أثر صغير، وقد محت باقيه تقلباتُ الأيام في ذلك القلب الذي ملأته ظلمة الأحزان، حتى لم يَعُدْ يغيِّر فيه الأمل إلا نورًا ضعيفًا يحلي من وراءه صورة المحبوبة الجديدة، وتنبت من تحت أكداره زهرة الحب الجديد كما تنبت الوردة تحت الشوك، وكما يخضر غصن الآس بين المقابر، وإنما كان ذلك لأن القلب لا يزال يحب ما دام حيًّا، وكل حب قديم يحدث فيه لا يكون إلا رمادًا تلوح من تحته نيران الحب الكامن؛ ولذلك لم يكد خيال مرتا يمتثل لعينيه إلا نظر من ورائه تلك البسمة الحلوة على شفتي حنة، كأنها اليقظة تمحو الأحلام، والنور يبدِّد غياهب الظلام، والذي كان يساعده على زوال تلك الصورة الماضية هو ما كان يتصور معها من تذكار أندريا عدوه، الذي طالما طبع على فؤاده من ذكرى المصائب ما لا يكاد يمحوه كرور الأيام، ثم قال في نفسه: كيف يكون حظي لو أحببت هذه الفتاة، ثم ظهر بيننا خيال أندريا الجهنمي وعرف بحبنا، وكاد لنا كيدًا كما فعل في أمي وأمه وحبيبتي وحبيبته؟