الإرث الخفي - الفصل 26 - بقلم بونسون دو ترايل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الإرث الخفي
المؤلف / الكاتب: بونسون دو ترايل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 26

الفصل 26

(١٩) المستنطق ندع الآن سريز، لنعود إلى فرناند الذي تركناه خارج غرفة باكارا، فنقول: إنه كان يسير بينهم وهو يخال أنه يحلم، إلى أن وصلوا به إلى الحديقة، ورأى الخدم تنظر إليه بغرابة واندهاش، فأيقن أنه في يقظة، ثم افتكر بما يتهمونه به، وأن لا يد له بهذه الخيانة، فثار الدم في عروقه وحاول أن يتخلص من الشرطة، ولكنهم كانوا ثلاثة أشداء فأحاطوا به وتغلَّبُوا عليه، وكان يقاومهم كلما لاحت له فرصة، واشتدت عليه الذكرى فقال له رئيسهم: إنك فرد ونحن ثلاثة، فدفاعك لا يفيدك شيئًا ولكنه يثبت جريمتك، وما يؤثر عليك أن تُحاكَم وأنت بريء كما تقول؟ فإذا صحَّ ذاك وهو ما أتمناه لكَ، فإن المحكمة لا تلبث أن تطلق سراحك، ولا ينالك شيء من الإهانة. فقنع فرناند مكرهًا، وسار معهم بغير دفاع حتى وصلوا إلى السجن فأدخلوه إليه، فلبث فيه ساعة وهو منهوك القوى فاقد الرشد، وكان يؤثر الموت على أن يُتَّهَم بسرقة، وهو مشهور عند الجميع بالنزاهة والعفاف، فكان يذكر باكارا، ثم الجنود، فالتهمة، فالسجن، فكتاب هرمين، وواحدة من هذه المصائب تكفي لأن تهيج أعظم الناس رشدًا؛ فيزبد كما تزبد الجمال، ثم ينكس برأسه إلى الأرض متأملًا بما أحاط به من الكوارث، ويرى أن كل ما مر به من الحوادث يثبت تلك الجريمة الهائلة، فيتهدد السماء بقبضته، ثم يجد أن كل ذلك لا يفيده، ولا يجد بابًا لتبرئة ساحته فتصغر نفسه، ويسترسل إلى الدموع، ويبكي بكاء الأطفال، وكان يعود بعد ذلك إلى الافتكار بهرمين، وكيف بعثت إليه بتلك الرسالة، وهو لم يجنِ ذنبًا يستحق هذه الإهانة، فينسى موقفه وما هو متهم به إلى أن يفيق من غفلة تصوراته، ويرى نفسه منفردًا في ذاك الحبس الضيق حبس المجرمين، فيفقد صوابه ويعود إلى ما كان عليه. وكان يقول: إن مفاتيح الصندوق معي، وقد تركت الوزارة حاسر الرأس، وأنا أعدو في الشوارع كالمجانين، وبدلًا من أن أعود وأُرجِع المفاتيح إلى رئيسي بقيت معي إلى أن فتَّشُوني، وقد وجدوني عند مومسة كثيرة المطامع، فهل بقي ريب بأني اختلست هذه النقود لأنفقها في سبيل مرضاتها؟ ولكني لم أسرق شيئًا والمفاتيح كانت معي، فكيف سُرِق هذا المال؟ بل كيف وُجِدْتُ عند تلك المرأة؟ وإذا صح أن المال قد سُرِق فمَن السارق؟ ومَن أتهم وأنا المسئول؟ ومَن يدافع عني وليس لي غير بيرابو الذي أصبح خصمي؟ إلهي أنت خلقتني بشرًا وهذا فوق طاقة البشر. وفيما هو على ذلك دخل عليه شرطي، وذهب به إلى الاستنطاق، فاستنطق على ما يأتي: قال المستنطق: أنت هو الذي يُدعَى فرناند روشي؟ – نعم. – إنك متهم بجرم هائل، وكل ما لدينا من الأدلة يثبت جرمك، فإن رئيسك قد اضطر في الساعة العاشرة من صباح أمس إلى الخروج، فنقلك إلى غرفته، وَأْتَمَنَكَ على مفاتيح الصندوق، الذي تحقَّق بعد إثبات أمين الصندوق العام أنه كان يحتوي على ثلاثة آلاف فرنك ذهبًا، وثلاثين ألفًا قراطيس مالية. – لم يكن لي علم بهذا لأني لم أفتح الصندوق. – ولكن مفاتيحه كانت معك؟ – نعم. – وقد وجدوها في جيبك عند تفتيشك؟ فأشار فرناند إشارة إيجاب. – وإن رجلًا قد قدم إليك قبل خروجك، ولم نعلم عنه شيئًا إلى الآن، فمَن هو هذا الرجل؟ – لا أعرفه، فإني لم أره سوى مرة واحدة. – احذر من أن تضلني بإنكارك، وقُلْ، أَلَمْ يكن هذا الرجل شريكك في الجرم؟ فأجاب فرناند بصوت خرجت فيه الحقيقة من أعماق قلبه: أقسم لك أنه لا يمكن أن يكون لي شريك لأني بريء. – ولكن مَن هو هذا الرجل، وماذا يبتغي منك؟ – قد أحضر لي رسالة. – ممَّن؟ فاختلج فرناند وأرخى نظره إلى الأرض، ثم قال: ذلك ما لا أقدر أن أبوح به؛ لأن الرسالة قد وردت إليَّ من امرأة شريفة لا يليق بي أن أصرِّح بذكرها في هذا الموقف. – إني كنتُ أتوقَّع منك مثل هذا الجواب الذي تحاول فيه الدفاع عما أنت متهم به، ولكن المسيو بيرابو قد أوقفني على الحقيقة، فإنك كنتَ مزمعًا على أن تقترن بابنته، أليس كذلك؟ فتوسَّلَ إليه فرناند أن لا يذكر هذا الشأن، فقال المستنطق: وقد علمت أن لك خليلة! فقال فرناند بكراهة ونفور: لا صحة لما يقال. فلم يحفل المستنطق بجوابه واستمر في الحديث، فقال: وإن هذه الخليلة تُدعَى باكارا، وهي كثيرة الدلال شديدة التلهف إلى المال، فلا يبعد أنك لأجل مرضاتها ولشغفك بها قد … فقاطعه فرناند بحدة وقال: إني لم أعرف هذه الفتاة قبل أمس. فقال المستنطق بلهجة الناصح: اعلم أن الإقرار في مثل هذه الشئون أولى من الإنكار الذي لا فائدة منه سوى تعظيم ذنبك. فأجاب فرناند بلهجة جعلت المستنطق يثق ببراءته بالرغم عمَّا لديه من البراهين: أقسم لك يا سيدي إني بريء. – هذا ما أتمناه لك، ولكن كيف تنطبق سرقة هذا المال وخروجك من الوزارة على ما كنتَ عليه من الاضطراب، واحتجابك، والقبض عليك في منزل تلك المومسة؛ على براءتك؟ فرفع فرناند عينيه إلى السماء، وقال: إن الله عظيم عادل، فهو يكشف سر هذه الخيانة، وإني أقسم بجلاله إني بريء. – سيذهب بك الآن جنديان إلى منزلك ومنزل خليلتك ويفتشان؛ فإذا لم يجدَا بهما المحفظة نرى في شأن تبرئة ساحتك. فصاح فرناند والفرح ملء فؤاده: هلموا إلى حيث تريدون، فإني بريء. فدعا المستنطق جنديين وقال لفرناند بلطف ودعة: سِرْ معهما، وعسى أن تبرِّئ ساحتك، وتنجو من هذا العار. فذهبوا جميعًا حتى وصلوا إلى منزل باكارا، ثم ركبوا مركبة وذهبوا إلى شارع مونسي. وكانت باكارا قد خرجت من المنزل مع فاني كما تقدَّمَ، ولم يكن في المنزل غير الخدم، فبدءوا بتفتيش الغرف حتى بلغوا إلى الغرفة التي كان نائمًا فيها فرناند، وبعد أن فتشوا في خزائنها ولم يعثروا على شيء، نظر أحدهم فرأى رداء رجل معلَّق، فقال: هو ذا رداء رجل، وعسى أن يكون رداء المتهم، فَلْنفتِّش فيه. وكان هذا الرداء لفرناند، وذلك أنه عندما سقط مغميًّا عليه في الطريق كان مرتديًا به، ولم يفطن إليه عندما أخذته الجنود، فبقي عند باكارا، ولما رأى الجنديين يشيران إليه قال: هذا الرداء لي. وجلس على كرسي وعليه لوائح عدم المبالاة، أما الجندي فإنه أخذه وقال: إنه ثقيل، وأظن أن المحفظة في جيبه. ثم مدَّ يده إليها، فأخرج منها تلك المحفظة الخضراء بنفسها فارغة من المال، فقال لفرناند: لا أظنك تقوى بعد ذلك على الإنكار. أما فرناند فلم يُجِبْه بحرف، ولكنه صاح صيحة يأس وسقط مغميًّا عليه، فانتصر أندريا بما كاده للبريء، وأصبحت تبرئته ضربًا من المحال.