الإرث الخفي - الفصل 25 - بقلم بونسون دو ترايل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الإرث الخفي
المؤلف / الكاتب: بونسون دو ترايل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 25

الفصل 25

(١٨) المركبة الصفراء لقد تركنا كولار ذاهبًا بسريز إلى حيث أمره السير فيليام، فكان يقول لها: لا تجزعي أيتها السيدة واطمئني، فإني سأصحبك وأدافع عنك. أما سريز فإنها لم توجس منه خيفة؛ لعلمها أنه صديق خطيبها، ولإنقاذه إياها من أيدي بيرابو، فكانت تسير إلى جنبه مطمئنة حتى وصلا إلى الشارع، وكان هناك مركبة صفراء كانت تنتظر كولار، فتقدَّم منها وطلب إلى سريز أن تصعد إليها، فعادت المخاوف إلى سريز، وخشيت من أن تعرض بنفسها لخطر جديد، فقالت له: لماذا لا نذهب على الأقدام؟ – إن منزلك بعيد. – إنني قادرة على المسير. – أما أنا فإني أتعب، ولا أستطيع أن أحتمل مثل هذه المشاق. – دعني إذن أسير وحدي. – إنني أخاف أن يقفو أثرك ولا تجدين مَن يحميك. ولم يجد خيرًا من هذه الحجة لإرهابها، فأطاعته وصعدت إلى المركبة، فصعد في إثرها وأمر السائق بالمسير. وكان اضطراب سريز شديدًا، ولم تنتبه إلى سرعة سير المركبة حتى بلغت بها إلى جسر السين، ورأت أنها قد عرجت إلى جهة الشمال في طريق الإينفاليد، فقالت برعب وقلق: إن السائق قد ضلَّ، ولا أدري إلى أين يذهب بنا. – أنا أعلم. – ولكنه قد سار في غير الطريق التي يجب أن يسير بها. – كل السبل تؤدي إلى الجهة المقصودة. فقالت سريز، وقد تضعضعت من هذا الجواب: دعني أنزل، فإني لا أريد أن أذهب في هذا الطريق. ثم حاولت أن تفتح باب المركبة فوجدته محكم الإيصاد، فنظرت إلى الشارع فألفته خاليًا مقفرًا، فجعلت تستغيث بصوت مختلج لم يجبه غير الصدى. أما كولار فإنه أشعل غليونه، وقال لها: لا تزعجي نفسك بصراخ لا يجديك، فليس هنا مَن يسمعك، وإذا أصغيت إليَّ تعلمين أني لا أريد بك شرًّا. – قُلْ ما تشاء، إني مصغية إليك. – إني صديق ليون. فعادت الطمأنينة إلى فؤادها عند ذكر اسم خطيبها، وقالت: إذن فلماذا لا تذهب بي إلى منزلي؟ – لأن ذلك ليس بوسعي؛ لأن ليون بخطر شديد، وإذا عدت إلى منزلك تعرضينه للموت. فارتاعت سريز وقالت بملء الرعب: ليون يموت؟ – نعم، إذا رجعت إلى منزلك. – ولكن ما هذا الخطر الذي يتهدده، كيف أن بعدي عنه ينقذه؟ – هذا سر لا أستطيع أن أبوح به؛ لأنه سر سواي، ولكني أقول لك أنت إذا لم تطيعيني طاعة لا حدَّ لها فإن خطيبك يموت قبل الغد. وجعلت سريز تختلج اختلاج ريشة بمهب الريح، وأخذ صوتها يتهدج. – إني أطيعك ولا أخالف لك أمرًا، ولكن بالله أَلَا ما أنقذت خطيبي. – الآن سررتني وسكنت مني روعي، فإني أشفق على ليون نفس إشفاقك عليه، فالبثي الآن بقربي وكفِّي البكاء، فلم يَعُدْ من خطر عليه، ولا تسأليني شيئًا بعد ذلك؟ – رحماك، واسمح لي أن أسألك سؤالًا واحدًا. – تكلمي. – وصلتني منذ ساعتين رسالة من أختي. – أعلم ذلك واسمها باكارا. – وقد كتبت لي بها أن حياتها في خطر، وأني وحدي القادرة على إنقاذها، فإذا لم أسرع إلى مساعدتها في شارع الحية، فهي تموت. فتصنَّع كولار الغضب، وقال: إن أختك قد بلغت منتهى الخيانة، فإنها قد نصبت لك شركًا مذمومًا لتلقيك في أيدي بيرابو، وليست على شيء من الأخطار. فاسترسلت سريز في البكاء، وهي تقول: أيمكن أن تخون الأخت أختها؟ – نعم، وحبذا لو استطعْتُ أن أبوح لك بهذا السر، ولكني في ذلك أعرض حياتي وحياة ليون للموت، وربما كان لك حظنا من الموت. – بالله إذا كان في موتي إنقاذ ليون فاقتلني. فأخذ كولار يدها بين يديه، وضغط عليها بتودد وحنان وهو يقول: لا تخشي أمرًا، فإنني عندما يتاح لي أن أبوح بهذا السر تقفين على الحقيقة، وتعلمين أني خير صديق. ثم انقطع الحديث بينهما، وزادت المركبة في سرعة المسير، حتى إذا بلغت إلى سنت جرمين خارج البلدة عاد الرعب إلى سريز، فقالت: أتسير بي إلى محل بعيد؟ – كلا، سنصل إلى وجهتنا بعد ساعة. – إلى أين نحن ذاهبون؟ – لا أقدر أن أقول، ويجب عليَّ الآن أن أعصب عينيك! فصرخت سريز صراخ الرعب، فقال: تذكَّرِي سابق وعدك لي من إنك تطيعينني، وأن حياة ليون متوقفة على امتثالك. ثم أخذ منديلًا من جيبه فعصب عينيها دون أن تبدي أقل اعتراض، وقال لها: لا تبحثي أبدًا عن المحل الذي تذهبين إليه، فإن ذاك مما يضر بنا. فسكتت سريز وهي بمنتهي الانذهال تخال نفسها في حلم، فلم تنبس بكلمة، ولم تُبْدِ إشارة، حتى وقفت المركبة، فقال لها: قد وصلنا فهات يدك لأساعدك على النزول. ثم فتح باب المركبة ونزل وإياها. وكانت المركبة قد وقفت في سهل متسع أمام حائط طويل، ففتح كولار بمفتاح كان في جيبه، وقاد سريز وهي معصوبة العينين، فمشت معه عرضة للاضطراب والخوف، وقد سمعت وقع أقدام وهي تسير مع كولار، ثم سمعته يقول: «هو ذا العصفور.» وسمعت صوتًا خشنًا أجابه: «لقد أعددت القفص.» ثم شعرت أن كولار قد ترك يدها، فمدتها حالًا إلى العصابة وأزاحتها عن عينيها، ثم تطلعت بنظر قلق، وكان شفق الصباح قد بدأ يتوقد، فرأت نفسها في حديقة واسعة الأرجاء محاطة بسور طويل، وفي وسط هذه الحديقة منزل صغير، فحوَّلَتْ نظرها إلى الجهات الأربع فلم تجد أقل أثر للمساكن، ثم نظرت بعد ذلك إلى الذي سمعته يخاطب كولار، فرأت امرأة عجوزًا تناهز الستين قد جعَّدَتْ وجهها الأيامُ، وهي بمنتهي القبح؛ فرجعت سريز إلى الوراء منذعرة وقد أخذ منها الرعب. فدنت منها تلك العجوز، وكان اسمها مدام فيبار، فأخذت بيدها وتوددت إليها تودُّدًا عظيمًا لم يكن إلا ليزيد من خوفها ورعبها، فصرخت مستغيثة بكولار الذي بعد عنها، وتظاهر أنه لم يسمع نداءها، فكانت تناديه وهو يمشي مسرعًا، وقد قبضت عليها العجوز بيد من حديد، فلم يمكنها الإفلات واللحاق به، حتى وصل إلى الباب الذي دخل منه فخرج وأقفله وراءه. فأخذت العجوز تسكن جأشها، وتطيب قلبها، وهي تسير بها حتى وصلت إلى المنزل، فأدخلتها إلى غرفة بها مستوقد، وقالت: اجلسي هنا وتدفَّئِي، فإن البرد شديد، وثوبك مبتل من المطر، وسأحضر لك شيئًا من الشراب يعينك على الدفء. فأَبَتْ سريز وقالت بجزع ويأس: كلا، لا أريد أن أبقى هنا، أريد أن أعود إلى باريس. – إن المسافة شاسعة، وإنك ستؤذين قدميك الجميلتين. – كلا، فإن لي مقدرة وقوة على الرجوع، وإذا تعبت في الطريق أستريح. فتنهدت مدام فيبار، وقد تكلَّفَتْ هيئة الرفق والإشفاق. قالت سريز: نعم، إن لي قوة على المسير، وليس ما يتعبني في سبيل ذهابي إلى ليون. – مَن هو ليون؟ أهو عشيقك؟ – أَلَا تعرفين ليون؟ – كلا! فداخَلَ سريز الريب، وقالت: إذا كنتِ لا تعرفين ليون، فإنك لا تعرفين شيئًا من سر هذه الحادثة! – وماذا تريدين أن أعرف؟ – كيف؟ ألَمْ يخبرك كولار أنه أتى بي إلى هنا؛ لأن حياة ليون خطيبي بخطر؟ فضحكت مدام فيبار وقالت: كولار قال لك ذلك؟ – نعم. – وهل صدقته؟ فارتاعت سريز وقالت: أليس ذلك بصحيح؟ فعادت مدام فيبار إلى ضحكها وقالت: حقًّا، إن كولار من أعظم المضحكين، كما أن هذا الحديث من أطرب المضحكات. فجثت سريز على قدميها وتوسَّلَتْ إلى تلك العجوز وهي تبكي وتقول: بالله إلا ما قلتِ لي أين أنا وما يريدون مني؟ – ذلك هين سهل، فإن أحد الأغنياء العظام رآك فأحبك وأنت تعلمين البقية. – ليس ذلك بصحيح. ثم ذكرت بيرابو فقالت: بل هي الحقيقة بعينها، فإن رجلًا وحشي الأخلاق حاول … ولكن رجلًا شابًّا قد أنقذني منه وسلَّمَني إلى كولار ليوصلني إلى منزلي. فضحكت ضحكًا شديدًا ثم قالت: هذا هو الفتى الذي أخبرتك عنه، وأنت الآن في منزله. فصاحت سريز صيحة يأس.