الفصل الاول
اسمي " رازن "
ماذا؟!
راء
ألف
زاء
نون
رااااازن
غريب أليس كذلك ؟! لا بأس ستعتاده قريباً ..
رازن
في أوائل شهر أغسطس و لهيب الجو خالطه رطوبة مزعجة ، وقفت بتراخٍ أخفض رأسي و قد أخفيته تحت ملفي ، أشعر بضيق و ملل ، فقد تأخر أخي نصف ساعة ، ما كنت لألجأ إليه إلا حين قررت عزيزة التوقف عن الحركة و العناد معي ، في هذا اليوم الذي كان لدي لقاء مهم مع إحدى شركات القطاع الخاص ، حين كان قراري مخالفاً لأغلب قناعات العائلة ألا و هو العمل خارج حدود العمل الحكومي .
ضربة لاسعة أصابتني في ظهري ، ليصاحبها صوت مجلجل لسيدة تضخمت نبرتها لمرض ما قائلاً / أيها السائق البليد .
سائق و زيد عليها بليد، كانت كافة لتتوسع المآقي صدمة و عجبا ، التفت لها وقبل أن أهتف بحرف ، أبصرت رجل الأمن جاذباً كفي اليمنى و قد وضع فيها علاقة مفاتيح مقرباً وجهه هامساً لي / إياك و الرد قم بايصال السدة رجاء عبر السيارة اللؤلؤة خلفك ، كل العناوين مسجلة عبر برنامج الملاحة .
ثم تركني وأنا أتابعه بنظراتي المبهوتة و أنقل بصري بين السيدة و المفاتيح ، لأنتبه لصوت عكازها و هي تضرب الأرض ضربات تعني أن صبرها قد لا تكون نهايته لصالحي ، لأبتلع ريقي و أتراجع للخلف بخطوة كالمغيب قائلاً / تفضلي سيدة رجاء .
و قبل أن تخطو باتجاه المركبة ، سبقتها بخطواتي فاتحاً الباب لها ، و عقلي تتلاعب به الأفكار يمنة و يسرة ، هل الأمر حقيقي ؟! أم اختبار ؟! أم ماذا بالضبط؟!
الحمدلله ، الحمدلله
ألهج بها بداخلي ، فالمركبة لم تكن سوى سيارة دفع رباعي من نوع يماثل سيارة أخي ، لذا كان سهلاً علي قيادتها و العبث بأزرار جهاز الملاحة الذي كان يحوي عدة عناوين ما بين مناطق سكنيه و طبية و بحرية ، و نظراً لمظهر السيدة كان توقعي موفقاً حين قلت و أنا أركز في طريقي / سيدة رجاء هل تفضلين العودة مباشرة لمنزل الشويخ ؟!
نعم .. كانت الكلمة الوحيدة التي صدرت منها معي ، فمكالماتها لا تنتهي و جميعها مكتومة الصوت ، حتى ظننت أنها تتحدث عن أسرار الدولة .
كنت أنصت لنظام التوجيه الصوتي و أتابعه عبر سيري في الشوارع حتى اقتربت من المكان المقصود ، أول ما لفت انتباهي ذاك السور الأبيض العالي و قد زينت أطرافه العلويه نخيل شاهق ، ارتص على مدى السور و لم يتوقف إلا حين لاحت بوابة عملاقة تحمل باباً للأفراد و آخر للسيارات و بالإمكان أن تفتح على مصراعيها ، دخلنا بسلاسة ، فوجود السيدة رجاء برفقتي كان بطاقة العبور .
مساحة شاسعه استقبلتني بممر بامتداد متوسط لنصل لنافورة كبيرة الحجم و حولها ممر دائري يتفرع لأربع طرق ، أتممنا السير حين قطعنا نصف الدائرة من حولها ، لتتابع نظراتي امتدادات خضراء جذابة ، عكست لي أن البستاني المتابع لها بارع ذا أنامل ماهرة ، برز القصر بلونه الأبيض ، بارتفاع ثلاثة طوابق ، أعمده رومانيه ممتده من الأعلى حتى الأسفل ، توزعت على الواجهة ، خلاف ذلك ، تلك النوافذ التي ارتسمت بنمط أنيق ، حقيقه كان قصراً عرف أصحابه كيف ينتقون الشركة المصممة و أعتقد أنهم يمتلكون ذوقاً رفيعاً .
توقفت و بنباهة كدت أغفل عنها ، نزلت لأفتح الباب لها ، لأبصر عاملة جاءت جرياً لتحمل حقيبة السيدة ، ارتفع حاجبي الأيمن استغراباً محدثاً نفسي (ليس لهذه الدرجه!) ، ليسترعي انتباهي أن السيده وقفت تتجادل مع المرأة الأخرى و قد اتضح لي ذلك عبر ملامحهم ، لأستنتج أنها تريد مساعدتها لتجاوز السلم إلا أنها رفضت الأمر و احتملت صعوبة الركوب رغم عصاتها التي تتوكأ عليها و ما ردعني عن مساعدتها سوى حرمة ذلك ، لتتحرك نظراتي يميناً و يساراً و كأنني أبحث عن شيء ، فقد أحسست بوجوب وجود سلم كهربائي و لن يكون الأمر صعباً ، ليأتي صوت رجولي من خلفي قائلاً / أيها السائق اركن السيارة ، المواقف أمامك .
لم ألتفت للخلف بل انسقت للأمر بهدوء ، لأبصر حينا أمامي صفاً من السيارات التي ملأت المواقف ابتداءاً من اليمين ، لأضطر حينها الالتفاف لليسار ، متابعاً السيارات لتكون النهاية بأربع مواقف خاوية فركنت في الأخير .
ترجلت من المركبة و أنا أتلمس جوالي في جيبي حين تذكرت أنني حولته للصامت إلا أنني تركته و كأنني لا أريد لأحد أن يقطع علي الأمر الذي سقطت فيه .
أمام المواقف مبنى أنيق ، سقفه من القرميد الأبيض و جدرانه طليت بنفس اللون ، نوافذ طويلة ذات عرض متوسط ، باب خشبي و لوحة بسيطه حفر عليها " استراحة السائقين " بعدة لغات ، التفت للخلف و من ثم درت حول السيارة لأنتبه لجدار من الأشجار المتداخله ، لأقترب منها و أتابع سيري بجوارها ، لا أعرف كم من الوقت مضى ، فقد لفت انتباهي الشكل الغريب الذي كونته الأشجار من بعد أن شذبها البستاني ، لأبصر البوابة و قد اقتحم تأملي صوت خرير الماء ، تقدمت للأمام خطوتان فإذا بي أمام حديقة غناء ، عدة نوافير منثوة ، رشاش الري و شتلات ورد بألوان زاهية ، ابتسمت لا إرادياً و خطواتي تتقدم للأمام و بصري يمسح
المكان المذهل ، أغمضت مقلتاي مستنشقا الروائح الزكية التي تبعثرت في الأجواء ، ليقطع غيابي الذهني صوت عميق نحتت الحياة أخاديدها عليه بقوله / السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
قطع سكوني بفتح مقلتاي لأبصر رجلاً بدى لي أنه البستاني لملابسه ، لأجيب باتزان و تروي / و عليكم السلام .
كانت نظراته تحقيقية ليزامنها بسؤاله / من أنت أيها الفتى ؟
كدت أن أضحك حين قال لي فتى إلا أنّني كتمتها و قبل أن أجيب ، جاءت الإجابة من خلفي / إنه سائق السيدة الجديد ، هيا تعال معي فالسيد قتيبة بانتظارك .
ما كان البستاني ليتركني أتحرك مع الرجل إلا حين قال موجهاً حديثه له و نظراته لي / أأنت متأكد من الأمر ؟
أحسست بنبرة استغرابه التي أتخمت السؤال ، ليجيب الرجل / بالطبع ، هيا معي فالسيد لا يحب التأخير .
تركت المكان متبعاً الرجل الذي سار أمامي ، أما من تركته خلفي ، فقد بدا لي أنه لم يصدق الأمر أبداً و مازالت نظراته تشيعني لإحساس تملكني .
كان الطريق متمماً لما جئت منه ، متماثلاً بجدرانه الخضراء الهندسية حتى توقفت الأشكال و عاد الجدار بدون اخضرار طبيعي ، بل قطع من الرخام الرمادي الباهت ، بارتفاع شاهق و كأنه يخفي خلفه شيئا .