الإرث الخفي - الفصل 24 - بقلم بونسون دو ترايل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الإرث الخفي
المؤلف / الكاتب: بونسون دو ترايل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 24

الفصل 24

(١٧) الشرطة بينما كانت هذه الحوادث تجري في الوزارة كان فرناند التعيس يعدو في شارع سانت لويز حتى وصل إلى منزل بيرابو، فصعد إليه وطرق الباب ففتحت له الخادمة، ولما عرفته اعترضت سبيله ولم تدعه يدخل، فقالت له: إن المسيو بيرابو قد ذهب. – إني أريد أن أرى السيدات. – إنهن خرجن أيضًا. – إذن أنتظرهن. وأبعد الخادمة محاولًا الدخول، فاعترضت أيضًا في سبيله وقالت: إن انتظارك لا يجديك نفعًا، فإنهن غادرن باريس، ولا يرجعن إليها قبل ثلاثة أيام. فارتعش فرناند وقال: هذا محال. – ولكن هي الحقيقة أَظْهَرْتُها لك حسبما بُلِّغْتُها. ورجع فرناند وهو يتعثر في مشيته كالشارب الثمل، ومشى في الأسواق مشية المجانين، وهو لا يعلم أين يسير، وقد أخذ منه اليأس بعدما تيقَّنَ من سفر هرمين، وتغلَّب على عواطفه حتى أضاع رشده، ثم اشتدت عليه تلك الأزمة، فسقط على قارعة الطريق مغميًّا عليه، وتسارع إليه الناس للاعتناء به، وفيما هم يهتمون بإنهاضه إذ مرت بهم مركبة فوقفت للحال ونزلت منها فتاة عليها مظاهر الغنى، واخترقت الجماهير حتى وصلت إلى فرناند وأحنت عليه إحناء الأم على ولدها، ثم وضعت يدها على قلبه، ومُذْ أحست بحركة فيه صاحت صيحة فرح وهي تقول: حبيبي فرناند. فابتعد عنها جميع الناس، وكلهم واثق أن انصرافه لم يكن إلا عن يأس في الحب، أما تلك الفتاة وكانت باكارا فإنها أمرت السائق أن ينقل فرناند إلى المركبة، ثم صعدت في إثره خببًا إلى منزلها. ولم يفق فرناند إلا بعد أن وصل إلى منزل باكارا، فظن نفسه رأى حلمًا، ونظر حوله باندهاش فوجد نفسه في سرير بملابس النوم في تلك الغرفة الحريرية التي كانت باكارا تستقبل بها أندريا، ولم يكن قد بقي من النهار إلا بقية نور ضعيف تنير تلك الغرفة البديعة الرياش، فغالط نفسه وعاوده الظن أنه يحلم، فأطبق عينيه كأنه يريد أن يستتم ذلك الحلم، ولكنه لما عاد وفتحهما وجد شخصَ امرأةٍ منحنية عليه كما تنحني الأم على طفلها، ثم أخذت يده وقالت له بصوت حنون رنَّ في أعماق قلبه: أنت محموم. فأجابها وهو في حالة الذهول: أين أنا؟ فأجابته باكارا وصوتها يتهدج: أنت في منزل صديقة. ثم دنت من الموقد وأضاءت شمعتين كانتا عليه، فتأملها فرناند مليًّا، وصاح مندهشًا وهو يظن أنه في حضرة ملاك لا في حضرة إنسان. – إن الطبيب يأمرك بالراحة، فلا ينبغي أن تتكلم ولا تتحرك؛ لأن مرضك شديد حتى إنك سقطت في الشارع مغميًّا عليك، ولو لم أكن حاضرةً … فقاطعها وقال: أكنتِ حاضرةً؟ فقالت وقد ورد الخجل وجنتيها: كنتُ مارة من هناك اتفاقًا، فعرفتك وحملتك في مركبتي. – عجبًا! أتعرفينني! – نعم، أَوَلَا تعرفني أنت؟ فقال وهو يمر يده على جبينه: أجل، أذكر أني رأيتك. فقالت وقد أطرقت بنظرها إلى الأرض: أنا أخت سريز. – أجل، ولقد تذكرت الآن، ويُخَيَّل لي أني رأيتك عندها في النافذة. – هو ذاك، ولكن سنتحدث في هذا الشأن مليًّا غدًا أو بعده، أما الآن إنك في حاجة إلى الراحة، ولا ينبغي أن تتكلم فاهدأ وكُنْ عاقلًا. ثم انحنت عليه كما تنحني الأخت على أخيها وقبَّلَتْه في جبينه قبلةً رجَفَ لها فؤاده واضطربت أعضاؤه، وكاد يعاوده الظن أنه في حلم لا في حقيقة، ثم شعر بأنفاسها تهب في وجهه وقلبها يخفق في صدرها فوق صدره، وخُيِّلَ له أنه قد سمع كلمة خرجت من شفتيها الورديتين همسًا، كما يهمهم نسيم الماء، تلك الكلمة التي ما وقعت في قلب رجل إلا اهتزت لها كل عروقه، والتي لا شبيه لها إلا رنة العود في قلب الحزين، أو صوت المطرب في أذن النشوان، ولا يقولها أحد بمثل تلك اللهجة والحنان إلا أفواه النساء، وهذه الكلمة هي «أحبك»، وهي كلمة تختلج لها كل نفس، فكيف إذا كانت نفس ابن عشرين. ••• ولما طلع الصباح ومرت نسائمه الباردة على جبهة العليل، ففتح عينيه ووجد باكارا واقفةً تجاهه وقد ضمت رأسه بين يديها، وألقت عليه نظرات غرامها وانعطافها، وهي تكرِّر له هذه العبارة على اتفاق إمعان واختلاف روي «أحبك وأهواك». وفيما هي كذلك وقد أخذها الحب وأطلقت عقدةَ لسانها أيدي الصبابة والهوى، طرق أذنها صوت جلبة ووقع أقدام كثيرة تدنو من بابها، فوثبت إلى السرير مسرعة، وارتدت أول ثوب وقع تحت يديها، ودنت من الباب فسمعت صوتًا من ورائه يقول: افتحوا باسم الحكومة. فعلمت أنهم رجال الشرطة على بابها، وداخَلَها الرعب والخوف منهم، مع علمها بأنها لم تجنِ في حياتها ذنبًا يستوجب دخول حاكم في أمرها، إلا إذا كان ذنب الغرام الذي لا حكومة فيه، ولكنها تجلَّدَتْ وفتحت الباب، وإذا بكبير الشرطة قد دخل عليها ووراءه اثنان من رجاله، وحيَّاها بأدب ولطف، واعتذر عن دخوله في مثل تلك الساعة وقال: لا تخافي يا سيدتي، فإنما أنا أطلب رجلًا يُدعَى فرناند روشي، فهل هو عندك؟ فأجابه فرناند من سريره: هو أنا يا سيدي فماذا تريد؟ – أأنت فرناند روشي الموظَّف في وزارة الخارجية؟ – أجل. – إذن البس ثيابك واتبعني، فأنا آتٍ في طلبك بأمر من المدعي العام. فاصفرَّ وجه الفتى لهذه العبارة، وقال: يا رب ماذا تراني صنعت؟ فأجابه الشرطى بعنف: لا أعلم، فالبس ثيابك واتبعني. فنهض فرناند راجفًا مذهولًا وهو لا يدري أنه ارتكب ذنبًا، وارتدى ملابسه وهو يضطرب حتى إذا أتمها نظر الشرطي إلى تابعيه وقال لهما: اقبضا على هذا الرجل. وكان فرناند قد تمالك وتشدَّد، فقال: ما بالكم تقبضون عليَّ؟ وأي ذنب جنيت؟ فقال له الشرطي: إن رئيسك ائتمنك بالأمس على مفاتيح صندوقه، فاختلست منه محفظة تحتوي على ثلاثين ألف فرنك. فصاح فرناند صياح الإنكار والدهش وقال: أنا أسرق، أنا أرتكب جريمة الاختلاس! إن هذا زور واختلاق. ثم وهت قواه وسقط بين أيدي الشرطة وهو قريب من الإغماء، فأخذوه بالرغم عنه. أما باكارا فكانت واقفة منذهلة من شدة ما ترى، حتى إذا خرج الشرطة بأسيرهم وثبت من مكانها وثبته منكرة، وقد استنارت عيناها بفكر خطر في خاطرها، وتجلَّتْ لها حقيقة المكيدة على وجهها، وهمت أن تجري في إثر الجماعة وتنزع حبيبها من أيديهم، وتقول لهم: قفوا ليس هو الفاعل بل السير فيليام، ولكن خانتها قواها واحتبس لسانها، وسقطت على الأرض مغشيًّا عليها. وعند ذلك فُتِح باب غرفتها ودخل منه أندريا، فنظر إليها بسكون وهدوء، وهو يتبسم تبسم الأبالسة، وقال في نفسه: لقد حسبت لك هذا الحساب، وقد حذرت لنفسي ما أمكن. ثم قرع جرسًا أمامه، فدخلت فاني ومعها رجل قصير بلباس الأطباء، وهو أحد رجال العصابة الذين جلبهم كولار لخدمة هذا المحتال، فقال أندريا: ضعي سيدتك في سريرها، وانضحي وجهها بالماء حتى تفيق، وأنت تعرفين الدور الذي عليك. ثم التفت إلى الرجل وقال: أما أنت فستكون بصفة الطبيب على حسب ما اتفقنا. ثم تركهما وانصرف. ولما فتحت عينيها بدأت باسم فرناند تكرِّر لفظه، حتى إذا رجع رشدها نظرت إلى فاني، وقالت: أين أنا؟ وماذا جرى؟ ثم نظرت فرأت الطبيب المتصنع جالسًا على كرسي بجانبها، فصاحت مذعورة: مَن هذا الرجل؟ – هو الطبيب يا سيدتي. – عجبًا! إذن أنا مريضة؟ – نعم، ومريضة جدًّا. وعند ذلك نهض الطبيب وجسَّ نبضها، وقال: هذا هو اليوم الثامن من أيام الحمَّى. فصاحت مستنكرة: اليوم يوم الثامن؟! فقال الطبيب وهو ينظر إلى الخادمة: إن الحمى قد خفت، ولكني أخشى أن لا يكون الهذيان قد زال، أو أن يكون مصيره إلى الجنون. فصرخت باكارا وقد استوت جالسة: أمجنونة أنا؟ ويلاه ماذا جرى؟ وأين فرناند؟ فالتفت الطبيب إلى الخادمة وقال: انظري، فقد عاودها الجنون! فقالت باكارا: لكني لستُ مجنونة. ثم أمسكت الخادمة وأدنتها منها، وقالت لها: انظري إليَّ يا فاني وأصدقيني الخبر، أمريضة أنا؟ – نعم يا سيدتي، ومن ثمانية أيام. – ذلك مستحيل، فقد كنتُ الآن سليمة، وكان الشرطي هنا. – لم يأتِ إلى هنا على الإطلاق. – عجبًا! وفرناند كان بجانبي. – إن فرناند لم يأتِ إلى منزلك قطُّ، وأنا لا أعرفه إلا بالسماع عندما تذكرين اسمه وكنتِ مريضةً. فبهتت باكارا وقالت: أمجنونة أنا حقيقة، أم أنا في حلم؟ – بل كانت الحمى شديدة عليك ثمانية أيام. – ذلك مستحيل وألف مستحيل. ثم عادت تحدِّث نفسها وتقول: إنني لستُ بمجنونة ولا حالمة، بل أنا مخدوعة مغرورة، وأخذْتُ فرناند أمس عن الطريق مغشيًّا عليه، وجئتُ به في مركبتي، واستدعيت له طبيبًا ولكن غير هذا الطبيب. فقاطعها الطبيب المتصنع وقال للخادمة: إن هذا النوع من الجنون يُسمَّى اختلال الشعور، ولا يمكن شفاؤه إلا باستعمال الحمام البارد كل ساعتين. وكأن تلك العبارة كانت ضربة قاضية على باكارا، فغطَّتْ وجهها بيدها وأخذت تبكي، حتى إذا سكن روعها وخفَّف الدمع تأثرها عادت إلى صوابها، وعاودتها الحقيقة التي خفيت عنها، وقالت: كل هذا من أعمال فيليام. ثم جعلت تنقل نظرها بين الخادمة والطبيب عساها تستشف منهما ما يدلها على الحقيقة، فلم يظهر على وجههما شيء، فنهضت من سريرها مسرعة ووقفت تجاه مرآتها، وقالت: عجبًا! ليس في هيئتي ما يدل على ما يقولون، وليس هذا الوجه وجه مريضة، بل أراني على أتم عافية. ثم نظرت نظرةً ثانيةً إلى فاني، فلم يؤثر عليها ذلك النظر الحاد شيئًا، بل ثبتت على تمثيل دورها، وقالت لها: عودي يا سيدتي إلى فراشك، ذاك خير لك. فقالت باكارا: إنكِ توهمتِ أن هذا الإنكليزي وافر الثروة، وأنه سيكون لك من هباته ما يغنيك عن الخدمة، ولكنك جريت شوطًا بعيدًا، واقتحمت أمرًا مستحيلًا، فلستُ من الذين يعبثون بهم إلى هذا الحد. ثم ذهبت مسرعة إلى منضدة، وأخذت خنجرًا كان عليها، وقالت لذلك الطبيب المتصنع: إذا جرأت على الدنو مني فأنت ميت لا محالة. فاختلجت فاني واضطربت رجلاها من الخوف، أما الطبيب المتصنع فإنه لم يكترث بهذا الإنذار، ونظر نظرة خفية إلى فاني أعادت إليها ما فقدته من الجسارة، فقالت لبكارا: أتريد سيدتي أن أساعدها على لبس ثيابها؟ – نعم اتبعيني. ثم سارت أمامها وهي تقول في نفسها لا أراني مجنونة، بل أراني أعقل مما كنتُ، ولا يزال فرناند ممثلًا أمام عيني، وأنا أذكر أمر الشرطة، وكيف ساقوه إلى السجن بدعوى اختلاس، بقي أن فاني تخدعني، ولا ريب في أن كل ذلك من صُنْع فيليام. وفيما هي تلبس ثيابها نظرت إلى فاني فرأتها تمسح عينيها كأنها تبكي لما ألمَّ بسيدتها، فقالت في نفسها: إن هذه الخادمة تمثِّل دورَها على ما ينبغي من الإتقان، وقد بقي لديَّ برهان واحد أقدر أن أميط به الحجاب عن هذه الخديعة؛ إني أذكر أنه كان بعنق فرناند نوط ذهبي فيه خصلة من شعر حبيبته، وإنني قد قطعت سلسلة هذا النوط بأسناني لفرط ما ألم بي من الغيرة، وخبَّأته تحت فراش السرير، فإذا كان باقيًا في مكانه فقد كشفت سر هذه الخائنة، وإلا فإن ما ادعته من حلمي وجنوني حقيقة لا ريب فيها. وللحال تركتها وذهبت إلى غرفتها، فمدت يدها وهي تختلج إلى المكان الذي خبَّأت فيه النوط، فعثرت به وأخذته والفرح ملء فؤادها، حتى إذا سكنت عوامل سرورها عادت إليها حكمتها، وأيقنت من مكيدة أندريا فقالت: سأنتقم سريعًا، وسأذهب بتلك البلهاء إلى رئيس البوليس لتثبت عنده جنوني، وسيرى السير فيليام أنني أشد منه دهاءً. ثم رجعت إلى فاني فأتمت لبسها وقالت لها: إن الهواء بليلٌ في هذا النهار والجو صافٍ، وقد أيقنتُ من صدق مقالكِ؛ فإني أشعر بضعف وفتور فلا أجد بأسًا من النزهة واستنشاق الهواء النقي في مثل هذا اليوم. لم يبقَ لديَّ ريب بأني كنتُ أحلم، فإن حب فرناند قد تمكَّنَ مني بحيث أضاع رشدي، ولعل ذلك الحلم والجنون مسبَّبَان عن الحمى. فقالت لها الخادمة: لا شك في ذلك، فإنك كنتِ لا تفترين عن ذكر اسمه الليل والنهار في مدة هذه الحمى، وتتحدثين عند انتباهك بأحاديث تثبت جنونك، وقد زالت الآن والحمد لله تلك الأعراض، فعليك الوقاية، وعندي أنه خير لك لو لبثت في منزلك إلى أن تتماثلي ويبعد عنك كل خطر. – كلا، فإنني مصمِّمة على الذهاب فأسرعي واتبعيني؛ لأني لا أحب أن أسير وحدي. ثم مشت أمامها فتبعتها وهي تتظاهر بالقلق الشديد إلى أن خرجت من المنزل، فوجدت مركبتها بانتظارها فصعدت إليها، ثم تظاهرت أنها نسيت منديلها، فأرسلت فاني كي تعود به، واغتنمت فرصة غيابها وقالت للسائق: بأي يوم نحن من الأسبوع؟ – يوم الخميس. – ألَمْ تذهب بي بالأمس إلى شارع سانت لويس؟ – نعم. – أتشهد بذلك لدى رئيس البوليس؟ – نعم. – الآن، فاصبر إلى أن تعود فاني، فسِرْ بنا إليه، ولا تدعها تعلم بشيء من ذلك. وقد أيقنت باكارا أن أندريا يسير على خطة مبهمة ضدها وضد فرناند، ولكنها لم تعلم شيئًا من سر الخطة وغايتها، فعزمت على أن تُطلِع رئيس البوليس على الأمر بالتفصيل توصُّلًا إلى كشف سر هذه الخيانة، وقد كان لها معرفة به بواسطة عشيقها القديم. فلما عادت فاني سارت بهما المركبة حتى بلغت إلى منعطف يؤدي إلى شارع مونتمارتر، فعرجت عليه وسارت به، فانتبهت باكارا، ورأت أن السائق يسير في غير الطريق التي أمرته أن يسير بها، ففتحت نافذة المركبة واستوقفت السائق، وفيما هي تؤنبه إذ فُتِح باب المركبة بغتةً، وصعد إليها ذلك الطبيب المتصنع الذي رأته في منزلها، ثم أغلق الباب وجلس بقربها؛ فصاحت صيحة رعب، أما هو فلم يبالِ بصياحها، وقال لها ببرود هازئًا: إنك تخاطرين بحياتك بخروجك من منزلك، فإنك معتلة، ويجب عليَّ أن أمنعك عن كل ما يعود عليك بالأذى شأن كل طبيب صادق مع مرضاه. وبينما هو يحادثها كانت المركبة تسير في شارع مونتمارتر. فأيقنت باكارا أن سائق مركبتها قد باع نفسه مثل فاني لفيليام، وقالت للطبيب: أين تذهب بي؟ أنزل الطبيب المتصنع جميع ستارات المركبة وقال لها: ذاهب بك إلى مونتمارتر، فاحذري من أن تفتحي الستائر ولا تستغيثي، فإن الهواء والغضب يضران بك، وقد فكَّ أثناء حديثه أزرار صدرته وأخرج من تحتها خنجرًا، فجرَّدَه من غمده وقال: إن هذا أنجع دواء لتسكين الهياج، ولك بعد ذلك الخيار. فأحست باكارا أنها مغلوبة، وأن حياتها في خطر إذا استغاثت، فعادت إلى سكونها وقالت: لقد ثبت لديَّ الآن أني مجنونة، فسِرْ بي حيث شئتَ فلا أعصي أمرًا، ولكن قل لي أين تذهب بي. – لقد قلت لك إننا ذاهبون إلى شارع مونتمارتر. – ولكن إلى أين؟ فأجابها بمنتهى البرود، إلى مستشفى المجانين.