الإرث الخفي - الفصل 23 - بقلم بونسون دو ترايل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الإرث الخفي
المؤلف / الكاتب: بونسون دو ترايل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 23

الفصل 23

(١٦) أمين الصندوق في اليوم الثاني من تلك الحادثة جاء بيرابو في الساعة العاشرة حسب عادته، وكان قد اطمأنت نفسه لوعود أندريا، لا سيما بما يتعلق بسريز، فمما قال له: طِبْ نفسًا يا عماه، فإن اليوم الذي تزف إليَّ ابنتك تجد على باب منزلك مركبة فيها كيس ملآن من الذهب، وبقربه سريز، فتذهب بها إلى خير بقعة خارج باريس، وتقضي معها شهر العسل. وكان أندريا ضاغطًا على بيرابو بثلاثة أمور: أولها خوفه من تهمة الاغتصاب وهو شر الذنوب، ثم حبه لسريز وما يجد بها من الهيام المبرح، ثم طمعه بملايين ذلك الإرث الخفي. فلما دخل إلى غرفته في الوزارة على ما قلناه دخل إليه فرناند، ولم يكن قد وصلت إليه تلك الرسالة الهائلة، فكان باسِمَ الثغر طلق المحيا، شأن السعداء في الحب، فحيَّا رئيسه وقال: إني آتٍ لأخبرك عن حفلة الأمس. – عسى ألَّا تكون قد ضجرت، فهل حدَّثُوك عني بشيء؟ – نعم، وقد تملحت لك عذرًا لعدم حضورك. – حسنًا فعلت، والآن أيها الصديق إنك قد أصبحت من أشد خلصائي، فلا أجد بدًّا من أن أُطلِعك على جميع سري فأصغِ إليَّ. إن هذه الفتاة قد ملكت قيادي، واسترقت فؤادي، وأنا الآن مضطر إلى الذهاب إليها، فأرجوك أن تنتقل إلى غرفتي وتنوب عني في قضاء الأشغال، ثم أعود بعد ساعة، وسأترك لك مفاتيح الصندوق، فإذا جاء أحد ليقبض شيئًا فادفع له من هذا الصندوق. وكان يوجد في هذا الصندوق اعتياديًّا ألف جنيه بين ذهب وأوراق مالية، واسمه صندوق المساعدات السرية. وكانت تلك الغرفة التي فيها بيرابو قاعة واسعة، وعلى الباب الخارجي خادمان لنقل أوامره إلى سائر المأمورين، فقال بيرابو لفرناند: اذهب الآن واقفل غرفتك وعُدْ إليَّ. فامتثل فرناند. أما بيرابو فإنه فتح الصندوق بمنتهى الخفة، وأخرج منه محفظة خضراء وأخفاها في جيبه، ثم أقفل الصندوق وعاد إلى مجلسه، ولما دخل فرناند أعطاه المفاتيح، وخرج بعد أن أوصى المأمورين أن يعتمدوا على صهره فيما يعرض لهم من الأشغال أثناء غيابه، ثم ركب مركبته وأمر السائق أن يسير مسرعًا إلى سانت لازار. ولم يَطُلْ مكوث فرناند في غرفة حميه حتى دخل إليه أحد الخادمين فقال له: إن على الباب رجلًا يحمل إليك رسالة. فأمره بإدخاله فدخل. وكان هذا الرجل كولار، والرسالة هي الكتاب الذي كتبته هرمين. فوصل منها إلى أبيها ومنه إلى أندريا الذي عهد إلى كولار بإيصاله، ففضَّ فرناند الرسالة ولم يكد يأتي في تلاوتها على آخِرها حتى امتقع لون وجهه، وأحس أن الأرض أعقبت عليه، وكان كولار قد قال له: إن امرأتين إحداهما كهلة والثانية صبية قد كلَّفَتَاه بإيصال هذه الرسالة. فعلم أنهما تريزا وهرمين، ثم قرأ الرسالة مرة ثانية، فأضاعت رشده ونسي موقفه، فخرج من تلك الغرفة مهرولًا بغير قبعة وبغير رداء، وهو يرجو أن يراهما على الطريق، ولم يكن معه غير مفاتيح الصندوق. مضى على ذلك ساعة ولم يَعُدْ فرناند، وقد عاد بيرابو ولم يجده، فتكلَّفَ الانذهال ودعا بالخادم فقال له: أين فرناند؟ إنه ذهب بعدما ذهبت. – عجبًا! أيذهب قبل أن أعود؟ – أظن أنه في غرفته؛ لأن قبعته لا تزال هنا. وجعل بيرابو يبحث عنه في جميع الغرف، ثم عاد إلى أشغاله وهو يتظاهر بالتعجب والقلق، وفيما هو جالس إذ دخل عليه رجل وبيده صك يريد قبض قيمته، فقال له بيرابو: إن مفاتيح الصندوق ليست معي، فانتظر قليلًا. فلبث ذلك الرجل منتظرًا حتى أعياه الانتظار، فتلبس بيرابو بالغضب، ودعا الخادم وقال له: اصعد إلى الطبقة العليا وابحث عنه، ولا بد أن يكون فيها؛ لأن قبعته ورداءه لا يزالان هنا. فذهب الخادم ثم عاد وقال: إن فرناند خرج من الوزارة. – أيخرج من غير قبعة إن هذا مستحيل. – إن الحارس قد أكَّدَ لي خروجه، وقد قال إنه شاهده يركض في الطريق من جهة الباستيل. واصفرَّ وجه بيرابو، وأخذ يردِّد في ذاته: هذا محال، إن فرناند شريف. – لقد غاب عني أن أخبرك أنه قدم إليه رجل على إثر خروجك برسالة، ولمَّا قرأها ذهب. فتنهَّدَ بيرابو تنهُّد ارتياح، وقال: لا شك أنه ورد إليه نبأ مكدر اضطره إلى الذهاب، وإني أؤثر أن يكون ذلك على أن يكون ما تسرعت في تصوره. ثم قال للخادم: اذهب إلى أمين الصندوق العمومي، وقُلْ له أن يأتي إليَّ. فذهب الخادم وعاد مع أمين الصندوق، فقال له بيرابو: إني نسيت مفاتيحي فأعطني مفاتيحك. وأخذها منه ثم أسرع إلى الصندوق ففتحه، وللحال رجع إلى الوراء منذعرًا واصفرَّ وجهه ووقف ساكتًا قلقًا لا يبدي حراكًا. فقال له أمين الصندوق: ماذا أصابك؟ وسكت بيرابو هنيهة ثم قال: ألَمْ نضبط بالأمس حساب الصندوق سوية؟ – نعم، وأذكر فيه اثنين وثلاثين ألف فرنك، منها أوراق مالية قيمتها ثلاثون ألفًا كانت موضوعة في طي محفظة خضراء. فقال بيرابو بصوت مختنق: إن تلك المحفظة قد سُرِقت، وقد سلَّمْتُ مفاتيح الصندوق منذ ساعة إلى فرناند روشي، لثقتي به، ولاضطراري إلى الخروج. ثم غطى وجهه بيديه كمَن يريد أن يُظهِر خجله لعزمه على تزويج ابنته برجل لص. ولم يمضِ على ذلك مدة وجيزة حتى شاع أمر فرناند عند جميع عمَّال الوزارة، وكان الجميع يتلقَّون هذا النبأ بالارتياب؛ لإجماعهم على احترام فرناند ولثقتهم من أمانته، ولكن كل ما مرَّ به من الحوادث كاستيلائه على مفاتيح الصندوق، وخروجه من الوزارة راكضًا يدل على وقوع التهمة عليه، ولا سيما تركه قبعته ليوهم أن خروجه مؤقَّت فلا يلتفت أحد إليه، ولا يبحث عنه قبل أن يتمكن من الفرار، وكانوا يعلمون أنه لم يكن ذا يسار، فتوهَّمُوا أنه طمع بما اؤتمن عليه من المال، ثم مرت الساعات ولم يَعُدْ فثبت الجرم وقُضِي على هذا البريء.