الإرث الخفي - الفصل 21 - بقلم بونسون دو ترايل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الإرث الخفي
المؤلف / الكاتب: بونسون دو ترايل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 21

الفصل 21

(١٤) بيرابو أما فاني فإنها ركبت مركبة سيدتها، وسارت بها إلى سريز، وكانت سريز قد قضت عدة ساعات من النهار في منزل صديقتها حنة، وأحبَّتْ أن تستعيض عما أضاعته من الوقت في النهار بالشغل في الليل، ولما دخلت فاني رأتها منكبة على شغلها تعمل بمزيد الرغبة والاجتهاد. وانذهلت عندما رأت فاني قادمةً إليها في مثل هذه الساعة، ولكنها لم تلبث أن قرأت رسالة أختها حتى استحال انذهالها إلى حزن عميق وقلق عظيم، وقالت: باللهِ قولي ما أصاب أختي؟ – لا أعلم، ولكنها كانت شديدة الاضطراب عندما سلَّمَتْني هذه الرسالة، حتى إني خشيت عليها من الجنون. ونهضت سريز ولبست ثيابها بمنتهى السرعة، وقالت لفاني: أسرعي إليها وأخبريها عن ذهابي. ثم خرجت من المنزل، وذهبت إلى أقرب محل تجتمع فيه المركبات، واستأجرت واحدة منها، وقد أنِفَتْ من الركوب في مركبة أختها، وقالت للسائق: أسرع بي إلى شارع الحية نمرة ١٩. وكان قلبها يخفق وهي موجسة أشد الخوف على أختها، إلى أن بلغت بها المركبة إلى ذلك المنزل، فطرقت الباب بيد ترتجف ففتح لها، ولما دخلت رأت الظلام سائدًا ولم تجد أحدًا، فقالت بصوت مرتفع: أَلَا يوجد بوَّاب في هذا المنزل؟ وأطلَّتْ امرأة عجوز من أعلى السلم، وبيدها مصباح فقالت: مَن هذا؟ – إني أتيت لأرى مدام كوكليت، فهل هي هنا؟ – نعم أنا هي، اصعدي. وصعدت سريز وقد اشتدت مخاوفها؛ لخشونة صوت تلك العجوز، ولما رأته من قذارة ذلك المكان، حتى وصلت إليها فقالت: سيدتي، إني أتيت من قِبَل أختي باكارا. واستحال عنف العجوز إلى الرقة والحنان، وقالت لها: اتبعيني. ثم فتحت بابًا كان مقفلًا، ودخلت منه في رواق طويل مظلم، حتى انتهت منه إلى غرفة ضيقة ليس بها من الأثاث غير مقعد قديم وكرسي طويل ومنضدة عليها قنديل من النحاس، وكل ما فيه كان يحمل على الريبة، ودخلت إليها، وقالت لسريز بصوت تكلَّفَتْ فيه جهد اللطف: ادخلي أيتها الحبيبة. وامتثلت سريز، وجعلت تراوح نظرها بين تلك الغرفة، ووجه تلك العجوز، وهي تستغرب كيف أن أختها التي تعيش بمنتهى البذخ والسعة يكون لها علاقة واتصال بمثل هذ المرأة وفي مثل هذا المنزل. وقالت لها العجوز: إنك آتية من قِبَل باكارا؟ – نعم، إنها أختي. – حسنًا، اجلسي. – سيدتي إن أختي قد كتبتْ لي أنه يجب أن أجيء إليك، وأني أنا وحدي القادرة على إنقاذها مما هي فيه. – هذا لا ريب فيه، اجلسي قليلًا ريثما يأتي الذي سيحدِّثك بشأنها، فقد آنَ له أن يحضر. ثم وضعت المصباح الذي بيدها على المستوقد، وخرجت قبل أن تدع وقتًا لسريز أن تسألها وأوصدت الباب. وجلست سريز وهي عرضة للانذهال، وكانت تنظر إلى تلك الغرفة، وتتصور تلك العجوز، وتتذكر رسالة باكارا، وتتأمل بذلك السكون السائد في هذه الغرفة التي لم يكن يُسمَع بها غير دقات الساعة وخفقان قلبها، وكادت تجن من الخوف، ولم يطل انتظارها إلى الساعة العاشرة حتى سمعت حركة من ورائها، والتفتت فرأت بابًا من الورق لم تكن نظرته قبلُ قد فُتِح ودخل منه رجل وأوصد الباب من ورائه، ثم دنا ومد إحدى يديه إليها للسلام بمنتهى البشاشة، ورفع بالثانية قبعته التي ظهر من تحتها تجعُّد جبينه، ولم تزدها هذه البشاشة غير قلق، ورجعت خطوة إلى الوراء، وهي تقول: أأنت هو الرجل الذي أنتظره؟ – نعم. ثم أخذ بيدها وقال لها: تفضلي بالجلوس لنتحدث. وسحبت يدها من يده، ولبثت واقفة وقالت: إن أختي باكارا … – نعم، وهي بارعة في الجمال تكاد تضاهيك في محاسنها. – وقد كتبت لي … – إني عالم بكل شيء. – إنها في حالة خطرة … – خطر شديد. – وإنه يجب عليَّ أن … – نعم، إنها تثق بك جدًّا، وتتكل عليك، فهلمَّ واجلسي بالقرب مني لنتحدث في هذا الشأن. هل تخافين مني؟ – لا. وكانت لا تفهم شيئًا من حديث بيرابو، وكانت شديدة البعد لسلامة نيتها عن أن تسيء الظن بمثل هذا الشيخ، وأن تعلم حقيقة نياته، وامتثلت لإشارته، وجلست على مقعد بالقرب منه، فقالت له بصوت شجي يلين الجماد: أتوسل إليك أن تنقذ أختي. – هذا لا ريب فيه، وهو غاية ما أسعى إليه، ولكن لنتحدث أولًا بشأنك. ثم أخذ يدها وحاول تقبيلها. ورجعت إلى الوراء، وجعلت تنظر إليه بريبة وانذهال. واقترب منها جيدًا، وقال لها: تفرَّسِي بي جيدًا، ألَمْ تعرفيني؟ فتذكَّرَتْه سريز للحال، وقالت: نعم، أذكر يوم تبعتني إلى منزلي. ثم نهضت مسرعة وحاولت أن تهرب، ولكنها افتكرت بأختها وقالت في نفسها: إن هذا الرجل لم يتبعني في ذلك الحين إلا لمحادثتي في شأن أختي. فخفَّ ما عندها ولبثت ساكنة لا تبدي حراكًا. فقال لها بيرابو: يخال لي أني تراءيت لك بمظاهر القسوة، ولا أظن السبب في ذلك إلا تجاوزي سن العشرين، ولكني أوكد لك أنك ستكونين راضيةً عني، وسأتصرف معك بشرف ونزاهة، أصغي إليَّ، إني كثير الوجاهة والمال، وستلقين عندي جميع ما تتوقين إليه من السعادة والنعيم، وإني … ولم تدعه سريز يتم حديثه، وقد علمت كل شيء حتى خيانة أختها الهائلة، فركضت إلى الباب تريد الفرار، ولكنه كان موصدًا. أما بيرابو فإنه تبعها وحاول أن يضمها إليه، فأفلتت منه وصرخت تستغيث وتقول: إليَّ أدركوني … ولم يجبها غير قهقهة بيرابو الذي بعد أن فرغ من ضحكه أعاد الكرة عليها، وأخذها بين يديه وضمها إلى صدره، فهَبَّتْ لديها قوة من السماء مما أثار فيها من الغضب، وإن الحدة تضاعف القوى، ودفعته دفعة عظيمة فانطرح على الأرض، وأسرعت إلى المنضدة، وتسلحت بالمصباح النحاسي الذي كان عليها. أما بيرابو فإنه بعد أن نهض من سقطته ورآها وبيدها ذلك المصباح تزيد حنقًا، أحجم عنها، ثم ثارت به عوامل الغرام، وذكر أنه ليس في المكان غير مدام كوكليت التي أعطاها مبلغًا وافرًا من المال، فوعدته بالسكوت والتغاضي عنها، فهجم عليها وهي تصيح وتستغيث. وفيما هو ماسك بها وهي تدافع عن نفسها بشهامة ويأس، إذ فُتِحَ الباب فجأةً وولج منه رجل، فبدَّلَتْ صراخ اليأس بصيحة الفرح، وقد علمت أن العناية بعثت إليها بمَن ينقذها من هذا الوحش الضاري، ولكن بيرابو لم يتبيَّن وجه هذا الرجل حتى جمد الدم في عروقه، وتمتم قائلًا: السير فيليام! وكان هذا الرجل هو نفس السير فيليام أي أندريا، فدخل وبيده مسدس أشهره على بيرابو الذي أحنى رأسه عندما عرفه، وهو يكاد يذوب من الخجل، فمشى إليه بعظمة واحتقار، ثم رجع إلى سريز وقال: لا تخشي أيتها الفتاة، ولا بأس عليك، إن الله أرسل إليك مَن يصون طهارتك، وينقذك من أيدي الأشرار. ثم رجع خطوة إلى الباب ونادى قائلًا: كولار. ودخل كولار في الحال من الباب الذي دخلت منه سريز، فعرفته أنه صديق خطيبها، فركضت إليه واحتمت به كما يحتمي الطفل بأمه في مواقف الخوف. فقال له أندريا: إني أعهد إليك بإرجاع هذه الفتاة إلى منزلها، وإذا أُصِيبت بمكروه أنت المسئول عنها. وتكلَّف كولار الانذهال، وقال: إنها بالحقيقة السيدة سريز كما أخبروني. وقد اكتفى بما ذكره، ولم يوضِّح شيئًا من مقاله، وأخذ بيدها فخرجا من ذلك المنزل وهي واثقة به مزيد الثقة، وداعية للسير فيليام.