الإرث الخفي - الفصل 20 - بقلم بونسون دو ترايل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الإرث الخفي
المؤلف / الكاتب: بونسون دو ترايل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 20

الفصل 20

(١٣) فاني بينما كان بيرابو قادمًا إلى منزل باكارا، كانت باكارا مختلية مع أندريا في غرفة صغيرة كانت تعدها لمقابلة أصدقائها المخلصين، وهي فيها بمأمن من أن تسمع حديثها فاني، التي كان من عادتها أن تسمع كل محادثات سيدتها بوقوفها على أبواب الغرفة التي تقابل فيها زوَّارها. وكانت باكارا ساعتئذٍ مضطربة الفكر صفراء الوجه، والدمع يترقرق في عينيها. أما أندريا فكان هادئًا ساكنًا، يبسم من حين إلى حين ابتسام الهزء والسخرية، وقد دار بينهما الحديث الآتي: قالت باكارا: أيبلغ بي الحب إلى هذا الحد من الدناءة، فأبيع أختي بيع السلع؟ – لا يغرب عنك أيتها العزيزة أن الإنسان في هذا العالم لا يربح شيئًا دون أن يخسر ما يقابل ذاك الربح، وأن بيرابو سيفرق بين ابنته وبين فرناند لأجلك، أليس من العدالة أن يناله ما نالك من الفائدة؟ – ولكنها أختي التي سأضحيها. – إنك لا تضحينها، بل تعملين لسعادتها ونعيمها. – إنها نقية طاهرة لا ترغب في معيشة البغي والفساد، فهي تريد أن تتزوج. – لا بأس، فإنها ستكون بعد حين من الزمان من أسعد النساء، وسيكون لها قصور وخيول ومركبات كما لك الآن، أليس ذاك خيرًا لها من أن تشتغل الليل والنهار لسد عوزها، وأن تتزوج برجل عامل قذر الملابس، خشن اليدين، يسومها الخسف والعذاب وهوان العيش؟ ثم إنها بعد أن تقيم زمنًا يسيرًا مع بيرابو ريثما يتم مأربك من فرناند تنفصل عنه، وتعاشر شابًّا غنيًّا ذا ثروة واسعة ينفق عليها بكرم وسخاء، فلا يمضي عليها العام حتى تغدو في أحسن حال. والآن فإن الساعة بلغت الثامنة والنصف، وإن بيرابو يكون ولا ريب قد تمَّم حيلته، فاثبتي الآن في عزمك، وإلا فإني أذهب إلى هرمين وألقي الحجب بينك وبين فرناند، فلا ترينه إلى الأبد. فأحنت باكارا رأسها ولم تُجِبْ بكلمة. قال لها: قومي إلى المنضدة، واكتبي ما أمليه عليك. فامتثلت وكتبت بإملائه ما يأتي: يا أختي العزيزة إنني في أشد موقف الخطر، فإذا لم تسرعي إليَّ فأنا هالكة لا محالة، ولا تسمح لي الحال بأن أذهب اليك ولا أن أقصَّ عليك ما أنا فيه وما أنا عليه من الاضطرار إلى نصرتك، ولكني أُعلِمك فقط أن تأخرك عن الحضور ينتج عنه خطر على مستقبلي وعلى حياتي؛ فأسرعي أيتها الأخت العزيزة بالذهاب حين اطِّلَاعك على الرسالة إلى شارع الحية نمرة ١٩، واسألي عن مدام كوكليت، وقولي لها إنك آتية من قِبَلي، وحينئذٍ تعلمين ما الذي يجب أن تفعليه لإنقاذ أختك. باكارا ولما انتهت من كتابة الرسالة سقط القلم من يديها، وجرى الدمع في عينيها وهي تقول: مسكينة أختي. وفيما أندريا يلاطفها ويسكن من شجنها، إذ قرع جرس الباب الخارجي فقال: هذا هو بيرابو. فنهضت باكارا لتذهب إلى غرفة الاستقبال العمومية، فقال لها أندريا: إذا كان القادم بيرابو اعلمي منه أولًا ما حدث، ثم ارجعي إليَّ قبل أن تعديه بشيء. فمسحت عن خديها آثار الدموع، وأصلحت شعرها، ثم دخلت إلى الغرفة، وأمرت فاني بإدخال الزائر، فدخل وكان بيرابو. وقد دخل إليها وعليه ملامح الفوز، وحيَّاها ببشاشة واحتشام، ثم أعطاها الرسالة التي كتبتها هرمين إلى فرناند، وقرأتها بسرور لا يُوصَف، وعندما انتهت إلى آخِرها قالت بصوت منخفض: إنه لن يتزوَّج وقد قُضِي الأمر على وفق مرادي. أما بيرابو فإنه انتظرها إلى أن فرغت من القراءة، فقال: والآن يا سيدتي، أَلَا تجرين شيئًا لأجلي؟ ولم تجبه بشيء بل قالت له: اصبر وانتظرني قليلًا إلى أن أعود إليك. ثم تركته ومضت إلى أندريا وأخبرته بما كان بينهما، وأعطته الرسالة، فتلاها مرارًا وهو يقول: قد تمَّ الأمر على أكثر ما كنَّا نرجو، وهو فوق المأمول. ثم نظر إلى باكارا وقال لها: والآن أيتها العزيزة، اذهبي إلى بيرابو وقولي له أن يذهب في الساعة العاشرة إلى شارع الحية نمرة ١٩، وأن يسأل هناك عن مدام كوكليت، وأن يعتمد عليها بالحرص على سريز. – أهذا كل ما تريده؟ – نعم، وحذِّريه أيضًا من أن يبوح بأمرٍ لفرناند إذا سأله عن السبب في قطع العلائق وعن رسالة هرمين، وعندما يذهب ارجعي إليَّ لأُطلِعك على ما يجب أن نصنعه بهذه الرسالة، واعلمي أنك إذا صبرت وعقلت، فإن فرناند يكون عندك ولا يخرج إلا بأمرك. فخرجت باكارا والفرح ملء فؤادها، أما أندريا فإنه نادى فاني وقال لها: اركبي في مركبة سيدتك وخذي هذه الرسالة إلى أختها سريز، وإذا سألتك عنها لا تجيبي بشيء، بل قولي إنها في أشد حالات القلق، وخذي هذه الدنانير واستعيني بها على حالك. وبعد ذلك ذهب أندريا من منزل باكارا، وأمر السائق أن يسير به إلى شارع الحية نمرة ١٩.