الفصل 18
(١١) ليلة الرقص
لم يكد كولار يتيقَّن أن الذي أحبط مساعيه هو أرمان، ولم يكد يراه حتى ترك رفيقَيْه، وهرول مسرعًا إلى الشارع فركب مركبة، وأمر السائق أن يسوق الجياد خببًا إلى سانت لازار نمرة ٧٥، أي إلى بيت أندريا، فسارت به الجياد تنهب الأرض حتى بلغت المنزل بنصف ساعة، فوقفت ونزل كولار ورأى أندريا في مركبته مستعدًّا للسير، فأوقفه للحال وقال له: يجب أن ترجع إلى المنزل.
فقال له أندريا: ماذا حدث؟ وما الذي يضطرني إلى الرجوع؟
– سأخبرك متى اختلينا.
ورأى أندريا من ملامح كولار ما يدل على الاهتمام.
فامتثل ودخلا إلى المنزل، ولما خلا بهما المكان قال أندريا: أخبرني الآن ما الذي طرأ؟
– حدث ما ذهب بأمانينا أدراج الرياح.
– عن أي أمنية تعني؟
– عن الإرث فإن أرمان يقتفي أثرنا.
فاصفرَّ وجه أندريا من الغضب، وضرب على المنضدة بيده وهو يقول: إذن فهو يريد أن يموت.
ثم هدأت سورة غضبه، فحدَّثَه كولار بجميع ما كان في بلفيل، ثم قال له بعدما انتهى من سرد تلك الحادثة: إنك تعلم أن ليون وخطيبته يعرفان فرناند، وهما الآن يعرفان أرمان، وأقل كلمة تحدث منهما بشأن تريزا ولو على سبيل الاتفاق، تمكِّنه من الوقوف على صاحب الإرث وتحبط جميع مساعينا، أَلَا تعلم أن فرناند أخبر ليون عما دار بين تريزا وزوجها من الحديث يوم كلمته بشأن زواج ابنتها هرمين بفرناند، وكيف أن هرمين علمت أنها لم تكن ابنة بيرابو، أيبعد أن يخبر ليون أرمان عن ذلك كما أخبرني، وأن يعلم أن هرمين ابنة كرماروت كما علمنا نحن؟
فأجابه أندريا ببرود: وأنا من رأيك.
– أهكذا تجيبني، وأنا أكاد أجن خوفًا من الفشل؟
فأجابه وهو يبتسم تبسُّمَ احتقارٍ: كنتُ أظنك أشد ذكاء مما أراك.
– ولماذا؟
– لأنك فقدت حواسك عند أول حادثة، فما يكون من أمرك لو أُصِبْتَ بأمر جلل؟ فاعلم الآن أن مثل أرمان الوصي على هذا الإرث مثل الراعي، ومثل الإرث مثل القطيع، ومثلنا مثل الذئاب، فنحن نحاول افتراس هذا القطيع، وهو يحاول الدفاع عنه، فالقتال بيننا متوقَّع في كل حين. وقد قلتَ لي إن أرمان له معرفة بليون؟
– نعم.
– ولكن أرمان لم يتعرَّف بعدُ بفرناند؟
– هذا ممكن.
– إذن يجب أن نمنع واسطة التعارف بينهما.
– كيف ذلك؟
– ذلك أمر هين، ولا ينقضي هذا اليوم حتى أجد طريقة موافقة.
– ولكن إذا أجهزنا على ليون، فإن سريز تخبر أرمان.
– سنجد طريقة لسريز أيضًا.
– سريز؟ أيخطر على بالك قتل سريز أيضًا؟
– كلا، ولكننا سنرجو المسيو بيرابو أن يحتفظ بها.
– وبعد ذلك؟
– وبعد ذلك إذا بقيت على حبِّ الفتاة فسنرى.
– ولكن فرناند … فإن أكثر أصحاب ليون يعلمون علاقته معه، وله مقام جليل عندهم لاستخدامه في الوزارة، فإذا فُقِد أَلَا يسأل أصحاب فرناند عنه؟
– ربما، ولكن طِبْ نفسًا، فسينال فرناند حظه من الشَّرَك مساء غد، والآن أجبني هل استأجرت لي منزلًا في الشانزليزه؟
– نعم، وهو منزل وفق مرادك.
– حسنًا، فسأراه صباحًا لأني مضطر في هذه الليلة أن أذهب إلى حفلة راقصة في الوزارة الخارجية، حيث أتعرف بوالد هرمين.
– إذن ستراه في هذه الليلة؟
– نعم، سأراه مع امرأته وابنته، والآن فإني ذاهب لأرى باكارا، فارجع إلى هنا في الليل، وانتظرني إلى أن أعود مهما تأخَّرْتُ.
ثم افترقا، فذهب كولار بشأنه وأندريا إلى باكارا، فلما وصل إلى منزلهما ورأته فاني أسرعت إلى سيدتها وقالت: سيدتي هو ذا الإنكليزي قد عاد، أتسمحين له بالحضور مرتين في يوم واحد؟ فقالت لها باكارا بقسوة وجفاء: ليس هذا من شئونك، فاذهبي وأَدْخِلي إليَّ السير فيليام في الحال. وبعد هنيهة دخل أندريا فجلس بالقرب منها، وقال لنتحدث الآن.
– بماذا؟
– أصغي إليَّ، إنك كنتِ صباحًا شاحبة اللون مضطربة، والآن فإنك على عكس ما كنتِ عليه، والسبب في ذلك أنك كنتِ في الصباح تحبين فرناند حب يأس، وأنت قانطة من قربه، والآن فإنك تحبينه حب رجاء، وتأملين أنه يحبك ويكون بقربك بعد حين.
– ربما.
– والآن تنتظرين غدًا زيارة بيرابو.
– ذلك لا ريب فيه، فهل امتنع عن الحضور؟
– كلا، ولكني أتيتك بخير علاج ينزع به من قلب هرمين حب فرناند.
فبرقت أسرة عينيها من السرور، وقالت: أصحيح ما تقول؟
– نعم، وسيكون فرناند بعد يومين منطرحًا على قدميك.
فطار فؤادها من الفرح وقالت: قُلْ ماذا تريد أن أضحي لأحظى بهذا النعيم.
– لا أريد سوى أن تجلسي على هذه المنضدة، وتكتبي ما أمليه عليك. فامتثلت باكارا وأملى عليها أندريا ما يأتي:
حبيبي فرناند
هي ذي أربعة أيام لم أَرَك بها، وأنا أحسبها أربعة أجيال، أقول أربعة أجيال يا حياة دمي ويا ملاكي المعبود؛ لأنك تعلم أن حبيبتك باكارا لا تعيش إلا لأجلك كما أنك لم تعش إلا لأجلها أيها الناكث العهد، قبل أن تلهو عنها بشأنك الجديد كما تقول. ولا جرم، فهذه طباع الرجال الذين يحبوننا حبًّا يكاد يكون عبادة، ثم يصادفون ابنة ذات حشمة كما يقولون تتبسم بابتسام البلهاء، ولها من المهر مائتا ألف فرنك، فيميلون إلى الزواج بها رغبة في مهرها دونها.
وأظن أنك عندما ترتكب هذه الهفوة، وتبلغ الغاية من هذه السياسة الخرقاء، سياسة المطامع السافلة، ستجد واسطة لتقدمني إلى امرأتك، فإن البارون يريد أن يتزوج بي، فسأكون أنا امرأة محتشمة أيضًا، وأقسم لك بكل ما هو عزيز لديَّ أني سأحضر عرسك من غير بد؛ لأنه لا أحب إليَّ من أن أراك بالملابس الرسمية متأبِّطًا ذراع امرأتك المحتشمة.
إنك لم تتزوج بعدُ أيها القاسي، وأراك تهملني قليلًا، وإنك أقسمت لي أنك لن تحب سواي في هذا العالم، فهذه هي أيمانك! وماذا يمنعك من أن تزور في كل يوم حبيبتك باكارا التي ستحافظ على حبك إلى آخِر نسمة من حياتها؟
إني أكاد أجن من غيرتي، فاعلم أنك إذا لم تزرني في هذه الليلة فسيكون بيني وبين خطيبتك ما تكرهه.
يدي في يديك، وشفتاي على شفتيك.
باكارا
فلما انتهت من كتابة الرسالة، نظرت إلى أندريا كأنها تسأله عن الغاية من هذه الرسالة؟
فقال لها وهو يبتسم: ألَمْ تفهمي إلى الآن المراد من هذه الكتابة؟
– كلا، وقد ابتدأت أن أرى نفسي ألعوبة بين يديك تديرها كيف تشاء.
– ستفهمين كل شيء، فاكتبي الآن العنوان هكذا:
إلى المسيو فرناند روشي
في شارع ماريس
فكتبت. قال: اكتبي أيضًا على هذه الرسالة هذه الحاشية:
إن خادمتي فاني ستحمل إليك هذا الكتاب، فاحذر من أن تغازلها، فإنني وإنْ أكن على ثقة من مداعبتك لها كما أكَّدوا لي، فلا أريد أن أصدق أنك تتدانى إلى حب خادمة غرفتي … آه من الرجال!
فعندما انتهت قال لها أندريا: والآن أيتها العزيزة إنك لا تفهمين المراد من هذا الكتاب إلا غدًا، أي عندما يقع في يد هرمين.
– آه، لقد فهمت كل شيء الآن، ولكن مَن الذي يوصله إليها؟
– أبوها بيرابو.
– هو بعينه؟
– أتريدين إذن أن نبيع سريز لهذا الكهل بغير ثمن؟
– هذا أكيد.
– إن فرناند سيتناول الطعام غدًا عند رئيسه، وبعد انصرافه يجدون هذا الكتاب على منضدة، أو على بساط الغرفة، فيفتحونه ويقرءونه وهو كافٍ لنزع حب فرناند من قلب هرمين إلى الأبد.
– هذا لا ريب فيه، ولكن أتظن أن بيرابو يقبل بهذه الخيانة؟
– يقبل بكل شيء لأنه يحب سريز، والآن اسمحي لي أن أذهب إلى منزلي؛ لأنني أريد أن أستعد للحفلة الراقصة التي كما أخبرتك سأتعرف فيها ببيرابو.
– إذن، فهو لا يحضر في هذا المساء؟
– كلا، ولكنه سيأتي غدًا من غير بد.
– وعندما يأتي، فماذا ينبغي أن أعمل؟
– تُطلِعيه على الرسالة.
– وبعد ذلك؟
– تقولين له إنك تحبين فرناند، وإنه إذا سمح بزواجه بابنته فهو لا يرى سريز على الإطلاق، ثم تعطينه الرسالة وتقولين له أن يجتهد في أن تطَّلِع عليها هرمين، وأن تكتب لخطيبها بعد ذلك سطرين بخطها يشيران إلى انحلال عقد الخطبة بينهما، وتعديه أنه متى أتم ذاك تجمعيه بسريز.
– أتظن أنه يقبل؟
– لا أظن بل أؤكد، وسترين غدًا يكون. ثم ودَّعها وانصرف.
وبعد ساعتين ذهب إلى حفلة الرقص، فعرَّفه الوزير بجميع مَن وجد في تلك الحفلة من الأعيان، وعرفه الجميع باسم السير فيليام، وكثر التحدُّث بشأنه، وقيل إنه راغب في الزواج، فجعلت الأمهات تتهافت وتتنافس في إكرامه، ثم عرَّفه أحد العاملين في الوزارة بالمسيو بيرابو، وتعرَّف بواسطته بهرمين، فرقص معها مرتين، وبذل قصارى جهده في مرضاتها حتى أُعجِبَتْ بجماله وأدبه وحُسْن عشرته، وعند منتصف الليل ترك الحفلة وذهب إلى منزله وهو يقول: إنها جميلة، فإذا وُفِّقْتُ إلى الحصول عليها وعلى ملايينها أكون من أسعد البشر.