الفصل 16
(٩) حنة
بزغت أنوار شمس الأحد المنتظر بفارغ الصبر من سريز، فنهضت من فراشها، ورتَّبَتْ غرفتها الصغيرة، وأخذت تشتغل في تزيين ثوبها الجديد إلى أن قربت ساعة الظهيرة فلبسته، وعزمت على الذهاب إلى منزل خطيبها الذي كان ينتظرها مع أمه للذهاب إلى بلفيل على ما قدَّمْنَاه.
وفيما هي تحاول الذهاب فُتِح باب غرفتها ودخلت فتاة قابلتها سريز بمنتهى الاحتفاء والإكرام.
أما هذه الفتاة فقد كانت جارة لسريز، وهي من ذوات النسب والأدب، عاشت في عهد أبيها الكولونيل بالدر عيشة سعة وهناء، إلى أن أحنى عليها الدهر بوفاة أبيها وغادرها يتيمة فريدة، ليس لها مَن يعتني بشئونها غير حاضتنها جرتريدة.
ولم يترك لها أبوها من المال إلا قدرًا يسيرًا يكاد لا يقوم بأودها، ولا ينطبق على اسمه الشريف المنزه عن كل وصمة وشين، فكانت تعيش من ربا ذلك المال على غاية من الاقتصاد، وقد أقلعت عن معاشرة أترابها من ذوات اليسار كي لا يطَّلِعْنَ على ما استحالت إليه حالها من العوز، فتركت قصر أبيها الشاهق واستعاضت عنه بغرفتين صغيرتين بالقرب من غرفة سريز، فألَّفَ بينهما الجوار، وجمعت بينهما صلة الأدب والعفاف، غير أن سريز كانت تعرف حقيقة نسبها وسابق حياتها، فكانت تجلها وتحترمها غاية الاحترام.
وكان اسمها حنة، ولها من العمر ثماني عشرة سنة، وهي على غاية من الجمال تدل ملامحها على أنها من أصل كريم، وهي بيضاء اللون شقراء الشعر ممتلئة الجسم رشيقة القوام، وكل ما بها يدل على جمال نادر المثال.
فلما فرغا من أحاديث السلام قالت لها حنة: إني آتية إليك أيتها الصديقة أسألك قضاء مهمة، راجيةً أن يكون لي منها خير وفائدة، ومأمولي أن تجيبيني إلى رجائي.
– أنتِ يا سيدتي ترجينني بعد ما ثبت لكِ من إجلالي لقدرك واحترامي لمقامك. إني لك بجملتي فمُرِي بما تشائين.
فاحمرَّ وجه حنة وشكرتها، ثم قالت: إن حاضنتي جرتريدة قد شاخت وأضعف بصرها توالي الأيام، وقد خدمتني منذ وُلِدتُ، وما زالت تدأب ساعية في كل ما يئول إلى راحتي، إلى أن أوهى عزمها الكبر، فوجب عليَّ السعي في راحتها؛ إذ هي عندي بمثابة الأم الحاضنة، ولأجل ذلك يقتضي أن يكون لي مال.
– عندي مئتا فرنك وضعتها في بنك الاقتصاد، فإذا شئتِ إني أذهب الآن وأحضرها لك.
– أشكر فضلك، فإني لا أحب كسب المال من هذا السبيل، بل أريد أن أشتغل.
– أنتِ يا سيدتي تشتغلين وأنت فتاة شريفة النسب؟!
– إن الشغل هو الشرف الثاني، ولعله الشرف الحقيقي، فلماذا يخجل منه الأشراف؟ أصغي إليَّ فإني تعلمت في المدرسة الخياطة والتطريز، وقد مهرت فيهما كثيرًا، وإذا كنتِ تحبينني ذهبتِ بي لأحد المعامل لأتفق معه على الشغل فيه أو في منزلي.
– أنتِ تذهبين إلى المعمل سيدتي؟! كلا، إن ذلك لا يوافِق مَن كان في مقامك، وعندي رأي حسن.
– ما هو؟
– هو أني أعرف مخزنًا للتطريز بالقرب من معمل الزهور الذي أشتغل فيه، وإن رئيسة هذا المخزن صديقة لي، فسأحضر لكِ شغلًا منه في كل أسبوع وعندما تنتهين منه أرجعه، فأوفِّر بذلك عليك مشقة الذهاب والإياب، ولا ينالني من ذلك أقل عناء؛ لأن هذا المخزن بجوار مخزن الزهور، وأنا مضطرة إلى الذهاب كل أسبوع.
فعانقتها وهي تقول: ما أشد كرمك! وما أطيب قلبك!
– إذن إنك تقبلين؟
– نعم أيتها الحبيبة، إني أقبل اقتراحك مع الشكر. والآن دعيني أسأل عنك إني منذ أسبوع لم أَرَكِ.
– أنا بخير وعافية، وليس لي ما أخبرك عنه سوى أن ليون قد رقي إلى رئيس، وأظن أنه بعد خمسة عشر يومًا سيتم بيننا عقد القران.
– أهنئك أيتها الحبيبة، وأدعو لك بتمام السعادة؛ لأنك أهل لكل هناء، وقد سررتِني جدًّا بهذا النبأ، حتى إني لا أملك عيني عن البكاء.
– إن هنائي لا يتم ولا يكمل إلا إذا أجبتِني إلى ما سأرجوك به، فإني منذ يومين أتردد في التماس هذا الطلب منك.
– قولي أيتها الصديقة ما تشائين، فلا أخالف لكِ إرادةً، وإني أتوق إلى خدمتك، ولا سيما بعد أن بدا لي منك ما بدا من كرم الأخلاق.
– عفوًا يا سيدتي، فإن ما أحب أن ألتمسه منك هو أني سأذهب اليوم مع ليون وأمه في بلفيل، وما أشد ما يكون سرورنا إذا كنتِ معنا. أقول هذا وأنا التمس العفو عن هذا الطلب؛ لأني لم أتجرأ عليه إلا لما لي عليك من الدالَّة.
– سأذهب معك بطيب خاطر، وسيكون لي من الأنس بينكم أوفر نصيب.
– إذن تنتظرينا في البيت حيث نمر بك جميعنا في الساعة الرابعة.
فأجابتها بالقبول، ولبثت عندها هنيهة، ثم ودَّعتها وانصرفت.
فأفعم قلب سريز الصغير سرورًا بما لقته من مؤانسة حنة، وخرجت من منزلها إلى منزل ليون وهي تغني كما يغرد العصفور على الأشجار أغاريد الصباح.
فأقامت حينًا مع أم ليون، ثم جاء ليون وبرفقته كينيون الذي استوقف سريز على الطريق وحذَّرها من معاشرة كولار لخطيبها، فأخبرته سريز عن قبول حنة بالذهاب معهم، فسُرَّ بذلك وقال: وأنا أيضًا قد دعوت صديقًا لي حسن العشرة مزاحًا اسمه كولار، فسيكون يومنا من أبهج الأيام.
فامتعض وجه سريز وكينيون لذكر هذا الرجل، وبينما ليون يطنب في مديح صديقه طرق الباب ودخل كولار، فسلَّم على الجميع، ثم دنا من ليون وقال: ما أتيت أيها الصديق إلا لأعتذر إليك عن عدم تمكُّني من الذهاب إلى الدعوة التي دعوتني إليها، فإن أبي قد قَدِم منذ ساعة من قريته وقد أصيب بمرض عضال، فاضطررت إلى ملازمته، واغتنمت فرصة رقاده للقدوم إليك في طلب الاعتذار.
ثم ودَّعهم وخرج من المنزل، فركب مركبة سارت به إلى قهوة تُدعَى بقهوة مصر، فنزل ولقي فيها رجلين كانا في انتظاره، فأمرهم بتغيير ملابسهم، ثم غيَّر هو أيضًا زيَّه وركبوا جميعًا في المركبة، وأمر السائق أن يسير بهم إلى بلفيل.
أما ليون وأمه وسريز فإنهم ذهبوا إلى منزل حنة، فوجدوها تنتظرهم ولا شيء يعيقها عن الذهاب وذهبوا جميعًا إلى بلفيل.