الإرث الخفي - الفصل 15 - بقلم بونسون دو ترايل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الإرث الخفي
المؤلف / الكاتب: بونسون دو ترايل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 15

الفصل 15

(٨) البارون ولبست ملابسها بسرعة، ثم دعت خادمتها فاني وأمرتها أن تُدخِله، فذهبت وعادت بأندريا الذي لم يقع نظره عليها حتى قدرها، وعرف من رياش منزلها منزلتَها من سلامة الذوق، ونظر إلى عينيها فعلم شدة سلطانها على القلوب، فقال في نفسه: هذه هي المرأة التي أحتاج إليها، وسأجعل منزلها قفصًا لفرناند، فلا يخرج منه قبل أن أقضي أوطاري. وتأمَّلَتْ هي أيضًا بدورها أندريا، فاستدلت من توقُّد عينيه ومن ابتسامه السحري ومن جبهته الواسعة أنه شديد الذكاء، فقالت في نفسها: إنه إذا كان عدوًّا لي فقد لقي مني كفؤًا، وإذا كان صديقًا فسأنتصر ولا ريب؛ لأنه سيكون لي أقوى نصير. وبعد أن سلَّم عليها أشارت إليه أن يجلس، وصرفت فاني، فجعل أندريا ينظر إليها بغير تأثُّر ولا اختلاج كمَن جاء يحدثها بأشغال مهمة، ولا يعبأ بما وهبتها الطبيعة من الجمال، ثم قال: إني أُدعَى يا سيدتي السير فيليام، وقد أتيت لأعرض عليك خطة. – قُلْ ما تريد، ولكن احذر أن تحدِّثني بأحاديث الغرام، فإذا كان هذا مرادك، فإني أسألك تأجيله إلى يوم آخَر، لما أنا مصابة به من ألم الرأس. – أعلم ذلك، فإن ألم الرأس مسبَّب عن قلة النوم، وإن الخيبة في الحب تعدو إلى الأرق. – ماذا تعني بالحب والخيبة فيه؟ فأجابها بسكينة: عجبًا! كنت أظن أنك مفتونة بفرناند روشي، وأنك تحبينه حبًّا يوشك أن يكون عبادة. فارتعشت باكارا، ولكنها تجلَّدَتْ فقالت: إني لا أحب أحدًا أيها الميلورد. – أنا دون الميلورد يا سيدتي، فإني بارون، ويسرني جدًّا أني خُدِعت. – نعم أيها البارون، فقد خدعوك. – ذلك لحسن الحظ. – ماذا تريد بذلك؟ – أريد أنه لو صحَّ أنك تحبينه وثبت ما أعلمه من ذلك، لَكنتِ الآن بمنتهى التعاسة. فاصفرَّ وجهها وقالت له بعظمة: لماذا أكون تعيسة؟ – لأنه يسوء المرأة أن يفر الرجل الذي تحبه من قبضتها. فهاجت عواطف الكبرياء من باكارا وقالت: إن المرأة التي تكون مثلي تجفو الرجال، وليس الرجال الذين يجفونها. – إن الرجل لا يترك امرأة وافرة الجمال مثلك إلا عندما يريد أن يتزوج. فرناند سيتزوج. فوقع هذا الإنذار عليها وقوع الصاعقة، فصاحت صيحة يأسٍ، وسقط رأسها على الكرسي من الكآبة. – ها قد اعترفتِ أخيرًا أنكِ تحبينه. – نعم، لم يَعُدْ من مجال للكتمان، فإني أحبه حبًّا مبرحًا لم يَعُدْ لي فيه حيلة إلى الصبر، ولا جرم فهو أول سهم غرام نفذ إلى قلبي. نعم أحبه، وهو لا يتزوج وسأمنعه عن الزواج، ولو أفضى بي الأمر إلى قتل مزاحمتي عليه بيدي. ثم تأوَّهَتْ، وبدأت تنتحب انتحاب الأطفال. فقال لها: سكِّنِي روعك يا سيدتي، فإني ما أتيت إلا لمساعدتك وإنقاذك مما أنت فيه. – كيف تساعدني؟ – انظري إليَّ وتأملي بي، أَلَا ترين من ملاحمي رجلًا يقدر أن يفيدك إذا رضيتِ بي حليفًا؟ – أنت تكون حليفي؟ – أي شيء يمنعني؟ – أنت تخدمني؟ – كل شيء ممكن. – ولكن ما الذي يدعوك إلى خدمتي؟ ولأية غاية تريد أن تحالفني؟ – من المؤكد أن لي بذلك مأربًا، ولولا ذلك … وقبل أن يتم حديثة فُتِح الباب ودخلت فاني وأعطت سيدتها رقعة زيارة، أخذتها باكارا وقرأت فيها هذا العنوان: بيرابو رئيس قلم التحرير في وزارة الخارجية ثم ألقتها بجزع إلى أعلى المنضدة وقالت: إني لا أعرف هذا الرجل، فقولي له إني لست في المنزل. فاضطرب أندريا عندما قرأ الرقعة وقال لها: يجب أن تقابليه. ثم نظر إلى فاني وقال لها: أدخليه إلى قاعة الانتظار. فعلمت فاني أن أندريا أصبح الآمِر في المنزل، فامتثلت لأمره وانصرفت. أما أندريا فإنه عاد إلى باكارا وقال لها: أَلَا تعلمين أن هذا الرجل هو والد هرمين؟ فاختلج فؤادها وقالت: قد ذكرتُ الآن، إن هرمين هي خطيبة فرناند. – نعم، ولذلك يجب أن تقابليه. – ماذا يريد مني، وما الذي يدفعه إلى زيارتي؟ – إنه أتى ليتفق معك على أمر شائن، فاصغي إليه واحذري من أن تغضبيه ولا تُنهِي معه أمرًا، بل عديه ولا ضرر من الوعود، وقولي له كي يعود إليك في الغد، وأنا سأختبئ وراء هذا الستار، فأنظر إليه من حين إلى حين. ثم دعا فاني وأمرها أن تُدخِل بيرابو، وذهب واختبأ وراء الستار. دخل بيرابو وسلَّم بغاية الاحتشام والاتضاع، وردَّتْ تحيته بعظمة وكبرياء، ثم أشارت إليه بالجلوس، فجلس وقال: أتأذن لي سيدتي أن أحادثها بما أتيت لأجله؟ – قُلْ. – إنكِ قد علمتِ ولا ريب من رقعة الزيارة مَن أنا؟ فأشارت برأسها إشارة إيجاب. – إني واسع الثروة، وذو منصب عالٍ في الحكومة. فقالت بصوت الهازئ: إني أهنئك بهذا المنصب. – إني أقدر أن أقدِّم للمرأة تقدمات كثيرة، وأن أفيدها فوائد جمة لخطورة منصبي. فظهرت علائم الحزن على محيا باكارا وتبسمت تبسم احتقار، فأزيح الستار للحال، وظهر منه وجه أندريا، فأشار إليها بما معناه «أنسيت ما أوصيتك به، وهل تريدين أن يتزوج فرناند؟» فغيَّرت ملامحها وظهرت بمظاهر البشاشة والأنس بما تشجع له بيرابو فقال: سيدتي إن لك أختًا حسناء. – إنك آتٍ لتحدثني بشأن أختي التي علقت بحبها كما يظهر. – نعم، إني أحبها حبًّا مبرحًا ليس بعده حب. – أراك تضيع وقتك عبثًا في حبها، فإنها طاهرة الأخلاق حسنة السيرة. – ولأجل ذلك أتيت إليك. ونظرت باكارا إلى الستار ورأت أندريا مطلًّا من ورائه، كأنه يقول الزمي السكينة واحذري من إغضابه، فعادت إلى بيرابو وقالت: لا علاقة لي بشئون أختي، وقد قلتُ لكَ إنها حسنة السيرة. – ومع ذلك إذا أردتِ فربما يتيسر لك أن … فخطر على بال باكارا أن تبادله أختها بفرناند، وللحال عبق وجهها بحمرة الخجل، ثم استحال ذلك الاحمرار إلى الغضب، وحاولت طرد ذلك الفاسق، فظهر أندريا من خلال الستار وقال لها: إنك إذا طردته فإن فرناند يتزوج بعد ثمانية أيام. فهدأ روعها وسكن هياجها وقالت: إن أختي بلهاء حمقاء، ولو اتبعَتْ نصائحي لكانتْ الآن على ما أنا عليه من النعيم، ولكني أعود فأقول لك إنها مُطلَقة التصرف، وليس لي علاقة في شئونها. – وأنا أتوسل إليك أن تمدي لي يد المساعدة، فهل تريدين أن تتوسطي في هذا الشأن؟ فتوقفت عن الجواب ونظرت إلى أندريا، فرأته يشير إليها برأسه قائلًا: قولي نعم. فأرخت عينيها إلى الأرض من الخجل وقالت: ربما. – سأتقيد بفضلك إلى الأبد، ولا أجحد نعمتك مدى الدهر، فبالله ألا ما استبدلت الشك باليقين واستعضت عن ربما بنعم. فنظرت إلى أندريا ورأته يشير إليها بأن تعده، فقالت: دعني أتأمل بذلك مليًّا. – أيطول زمن الافتكار؟ ونهضت عن كرسيها وهي تقول: عُدْ إليَّ غدًا وسنرى. فأخذ بيرابو قبعته وودعها وهو يقول: إذن تسمحين لي أن أزورك وسترينها ولا ريب. – سأراها. عُدْ إليَّ في الغد. فخرج بيرابو وقلبه يخفق خفوق قلب عاشق في أوائل الشباب، ولم يكد يغادر الغرفة حتى خرج أندريا من وراء الستار، فقالت له باكارا: ما هذه الخيانة التي لا تطاق؟! … أأبيع أختي وأزجها بيدي إلى هاوية الغي والفساد؟! لا، لا. إن ذلك لا يكون ولو هلكت غرامًا. نعم، إن لي قلبًا قدَّ من الصخر إزاء عشاقي، ولكن ذلك القلب يستحيل إلى رقة الهواء وصفاء الماء بإزاء عائلتي التي خرجت عن خطتها بتلك الغواية. ذلك الأب المسكين! كلا إن ذلك لا يكون ولن يكون. فقال أندريا: اعلمي أنه لا أحد يستطيع حل عقدة الزواج بين فرناند وهرمين غير بيرابو، وأنك ترتكبين أشد الخطأ بمخالفته. ثم اندفع يحادثها وقد طال الحديث بينهما ساعتين، فلم يُعلَم شيء مما كان بينهما، غير أنه لما خرج أندريا كان مرتفع الرأس وعليه ملامح النصر، فشيَّعته باكارا ورأسها مطرق إلى الأرض والدموع تجول في عينيها. أما سريز الطاهرة النقية فقد كانت مجال بحثهما، وقد عزمت باكارا على تضحيتها ذهابًا مع تيار حبها الفاسد.