الإرث الخفي - الفصل 14 - بقلم بونسون دو ترايل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الإرث الخفي
المؤلف / الكاتب: بونسون دو ترايل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 14

الفصل 14

(٧) كولار في اليوم الثاني من اتباع باكارا لفرناند، أي يوم الأحد صباحًا، كان كولار الذي عرفناه بزعيم عصابة السير فيليام يسير سيرًا سريعًا في شارع أنتين إلى أن بلغ إلى شارع النصر، فمال منه إلى بستان كبير، قائم في وسطه قصر شاهق بناه أحد الأغنياء الإنكليز، فأقام فيه زمنًا ثم سافر وترك فيه خادمًا له، وقد سمح له أن يؤجِّره وينتفع بريعه. وكان قد استأجره السير فيليام حين رجوعه إلى باريز من لوندره، ولا بد لنا أن نذكر شيئًا من سابق حاله في هذه المدينة التي أقام فيها زمنًا طويلًا على سعة من العيش وخصب من الحياة، نقول: إنه كان معروفًا في لوندره أنه من الأشراف ذوي الثروة الواسعة، وهو في الحقيقة رئيس عصابة من اللصوص، وكان يسمي نفسه البارون فيليام، وقد حلق شاربيه كي لا يُعرَف، فكان يدخل إلى أحسن البيوت، وله عشرة من أشراف العائلات، وقد جمع كثيرًا من المال من مهنته اللصوصية، أنفق معظمه على البذخ والإسراف، ثم غادر البلاد الإنكليزية بغتةً، ولم يعلم أحد من معارفه علة هذا الرحيل الفجائي؛ فكثرت الأقاويل، وتواترت الظنون، وأشيع عند الأكثرين أنه كان متلبسًا بلقب البارون، وأنه كان لصًّا سافلًا، وأنه كان تلياني الأصل وإنْ كان يحسن الكلام باللغة الإنكليزية كأبنائها، فعندما عاد إلى باريس أطلق شعر شاربيه، وصبغ شعره بصبغة سوداء، وقد تغيَّرت ملامحه بعض التغيير، فساعدته تلك الصبغة على الخفاء. وكان عندما وصل كولار إلى منزله واقفًا أمام مرآة في غرفة النوم يصلح صبغة شعره، وهو يقول: إني منذ أشهر في باريس، وأشغالي سائرة على محور النجاح الأكيد، فإذا دامت الأبالسة على الصدق في خدمتي، فإن ملايين كرماروت ستكون لي وحدي. تبًّا لك يا أرمان دي كركاز من بله يحب البشر، وينفق أمواله على المساكين، طِبْ نفسًا فإنك سترد تلك الملايين المؤتمن عليها إلى السير فيليام الذي عرف كيف يغيِّر ملامحه، فلا تستطيع أن تعرف أنه أخوك العزيز أندريا الذي اختلست أمواله بحجة أن أباه سرق أموال أبيك. أما كولار فإنه شديد الذكاء، وهو وإنْ كان لم يخدمني في لوندرا خدمات جليلة، فإنه كان غريبًا فيها، أما الآن فهو في موطنه، ويعرف خفايا باريس كما يعرف خفايا منزله، فلا شك أن هذه العصابة التي ألَّفها سيكون لي منها خير فائدة، وقد ظهر من أعمالها إلى الآن ما يبشِّر بالنجاح الأكيد. وفيما هو يناجي نفسه بمثل هذه الأحاديث إذ فُتِح الباب ودخل كولار، فحيَّاه ثم جلس على الكرسي بالقرب منه، ودار بينهما الحديث الآتي: قال كولار: إني أتيت لأخبرك عن أمور مهمة توفَّقْتُ للوقوف عليها بواسطة رجالي الذين يشتغلون بالدقة والنظام. – أتظن ذلك؟ – هذا لا ريب فيه، ودليلي عليه أننا أصبحنا على اليقين من أن مدام بيرابو هي ذات تريزا التي نبحث عنها. – أصحيح ما تقول؟ – نعم، وإن ابنتها هرمين هي ابنة كرماروت صاحب الملايين، وليست بابنة بيرابو كما هو المتعارف عند الناس. – أرى من هنا يجب أن تبتدئ الرواية؛ فإن بيرابو شديد البخل، وإذا وعدناه بمليون فهو لا يرفض أن يزوِّج ابنته، ثم نظر إلى المرآة مبتسمًا وقال: أما ابنته فلا إخالها ترفض مَن كان مثلي زوجًا لها. – إنما للصبية عشيق، وسيتزوج بها بعد خمسة عشر يومًا كما علمت. فاصفرَّ وجه أندريا اصفرار اليأس، وقال: هذا محال. – إن ما أخبرتك به هو الحقيقة بعينها، وإن خطيب هرمين هو موظَّف في الوزارة الخارجية. – هل هو غني؟ – ليس له دراهم، ولكنه محبوب. – ما اسمه؟ – فرناند روشي. – أين منزله؟ – في شارع باريس. فأخذ أندريا دفترًا صغيرًا، وكتب فيه بضعة سطور بالحرف المصري القديم، ثم سكن اضطرابه فقال: وما عندك وراء هذه الأخبار؟ – قبل كل شيء أحب أن أخبرك عن صداقة عقَدْتُها حديثًا مع رجل نجار. – لماذا؟ – لهيام قلبي بفتاة شغفت لبي، وأخذت بمجامع قلبي. – أنحن الآن بمعرض الغرام يا كولار؟ أتسمح حالتنا الحاضرة أن نعشق ونهيم؟ – قر بالًا يا سيدي، فإن ذلك لا يشغلني فترة عن واجب خدمتك. – حسنًا، ولكن أية صلة بين هيامك بتلك الفتاة وبين مصادقتك لذلك النجار. – أصغِ إليَّ يا سيدي، إني لقيت حديثًا فتاةً جميلةَ الوجه، طاهرة القلب، عفيفة النفس، فهامت بها روحي وحنَّ إليها قلبي، وبحثت عنها فعلمت أنها مخطوبة، ومن المقرر أن مَن يحاصر قومًا يجتهد عند شبوب الحرب أن تُدمَّر قلاع أعدائه، ويقطع كل مدد عنهم كي يجبرهم على التسليم؛ ولذلك عقدت تلك الصداقة مع هذا النجار الذي هو خطيبها، ولا أريد بذلك إلا فساد أخلاقه طمعًا بأن تنفر عنه خطيبته سريز، أما هذا الشاب فإنه يُدعَى ليون رولاند، وله صداقة مع فرناند روشي خطيب هرمين. فأظهر أندريا علائم الرضى، وقال: تمِّمْ حديثك، فقد بزغ لي منه نور من الأمل. فقال كولار: وقد ذهبتُ أمس لزيارة ليون في محل شغله، فبينما أنا عنده إذ جاءه فرناند وأخبر صديقه والفرح ملء فؤاده بجميع ما كان من خطيبته وأمها وأبيها، وأنه سيتزوج بعد خمسة عشر يومًا، وكيف أن بيرابو رفض أولًا أن يزوِّج ابنته من فرناند حرصًا على المهر، إلى أن تنازلت هرمين عن ذاك المال. فاصفرَّ وجه أندريا وقال: إننا في أحرج المواقف وأشدها، ولا أصعب من نزع الهوى من قلب فتاة تحب. – أصغِ إليَّ، فلم أنتهِ بعدُ من تقريري، واعلم أن لسريز أختًا بغيًّا وافرة المال، وقد تهتكت في حب فرناند ولم تجد صبرًا عنه. فبرقت عينا أندريا بأشعة الأمل، وقال: هل هي جميلة؟ – إنها كثيرة الجمال والدلال. – هل هي عاقلة؟ – هي رجيحة العقل شديدة الذكاء. – إذن فهي تكفل لي غواية فرناند، وإقلاعه على حب هرمين، وسنرى في شأنها. فقال كولار: يوجد أيضًا شيء آخَر لم أُطْلِعك عليه، وهو أن والد هرمين مفتون بسريز، وقد تبعها أمس، ووقف بالقرب من منزلها طويلًا، ثم عاد في المساء، وسهر طول الليل متجولًا تحت نوافذ غرفتها. فهل أنت راضٍ عن هذه الإفادات. فلم يجبه أندريا بشيء عن سؤاله، وأخذ يفتكر بتلك السلسلة التي جمعت تريزا وهرمين وأمها وخطيبها ورولاند، وبعد أن أمعن الفكرة طويلًا نظر إلى كولار وقال: أتعرف منزل باكارا؟ – نعم، فهو في شارع موتسي. – حسنًا، فإن هذه الفتاة ستخدمني، وأنتَ فهل تحب سريز حبًّا شديدًا؟ – لا أعلم، ولكني رأيتها في عنفوان الشباب كثيرة الجمال، فتقت إلى أن أتخدها خليلةً لي، فأنا أحبها ولا أحبها. – ولكن إذا احتجنا إليها؟ فنظر إليه نظرة انذهال وحيرة، وقال: لم أفهم ما أردتَ! وكيف تحتاج إليها؟ – لننصب منها فخًّا لبيرابو، ويجب قبل شيء أن نتخلص من خطيبها ليون، فإنه يثقل علينا. – إن هذا رأي جليل، وسأشرع في إنفاذه هذه الليلة في بلفيل. – إذن لا يسوءك ذلك؟ – كلا، ولا سيما أننا مضطرون إلى إجرائه، وفوق ذلك لا داعي إلى الغيرة من الكهول. فنادى أندريا خادمه، وأمره أن يهيئ المركبة، ثم قال لكولار: يجب أن تجد لي من اليوم إلى ثلاثة أيام منزلًا للأجرة في الشانزليزه مع إصطبل للخيل، والآن اذهب لقضاء هذه المهمة ولا تغفل عن أمر ليون. فذهب كولار، أما أندريا فإنه ركب المركبة وسارت به إلى منزل باكارا، وكانت باكارا لا تزال في غرفة النوم، وقد لسعتها عقرب الغيرة من هرمين وألفت السهاد، ولم تَذُقْ طعم الكرى، ولم تكن تعرف الحب قبل أن رأت فرناند، فكانت تهزأ بالهوى وتعبث بعشاقها، وهي بغير قلب يحن وبغير نفس ترحم، لا يهمها سوى جمع المال واحتقار الرجال وتركهم يقتتلون لأجلها، وهي ضاحكة لاهية، ومحبها يكتئب وينتحب حتى نفذت إليها سهام الهوى، وعرفت أن لها قلبًا كقلوب البشر، وأحالها الحب من الحيوانية إلى الإنسانية، وجعلت تعض يديها من الغيرة، وهي تردد بصوت منخفض اسم فرناند. وكانت قد اضطجعت على فراشها من الساعة العاشرة، وهي ترجو أن تطعم النوم، وتعلِّل نفسها بخيال مَن تحب، ولم يغمض لها جفن، وما زالت تتقلب على مثل الغضى إلى أن طرق الباب ودخلت خادمتها تخبرها بزيارة أندريا وبيدها رقعته. فقالت لها: لا أريد أن أقابل أحدًا، فأخبري كلَّ مَن يزورني أني لستُ في المنزل. وخرجت الخادمة، ثم رجعت بعد هنيهة، وقالت لها: سيدتي، إن هذا الرجل يلح في طلب مقابلتك، وهو واسع الثروة كما يظهر. وأخذت باكارا رقعة أندريا وقرأت فيها: «السير فيليام … بارون»، ثم ألقتها على منضدة أمامها وقالت: إني لا أعرف هذا الإنكليزي. وخرجت الخادمة ثم عادت أيضًا وقالت: سيدتي، إن هذا الرجل يقول إنه قادم لمخابرتك في شأن مهم. – ليس لي أشغال مهمة. اذهبي واصرفيه. – لقد كلفني أن أذكر لك اسم رجل يقول إنه يهمك شأنه. – قلتُ لك اذهبي، فإني لا أريد أن أعرف أمرًا. – ولكن هذا لا يمنعني أن أذكر لك اسم الرجل الذي كلَّفَني أن أذكره أمامك. – لقد تجاوزتِ الحد في عصياني، فأنا أطردك من خدمتي منذ الآن، ولا تعودي إلى هذا المنزل. أما الخادمة فلم تكترث بما سمعت، وكانت قبضت من أندريا ما جعلها تعصي هذا العصيان. قالت لها ببرود: إن السير فيليام كلَّفَني أن أقول لك إنه آتٍ ليخابرك بشأن فرناند روشي. ولم تكد باكارا تسمع اسم فرناند حتى وثبت من فراشها وقالت: هو آتٍ ليخابرني بشأن فرناند، قولي له إني هنا وإني مستعدة لقبوله، اذهبي وأدخليه في الحال إلى قاعة الانتظار. ثم اختنق صوتها وجعلت تختلج وتضطرب اضطراب الريشة في مهب الريح.