الفصل 12
(٥) كينيون
بينما كانت باركارا تقفو أثر فرناند كانت سريز تسير بطاقة الزهر إلى المعمل، وهي تذهب من شارع إلى آخَر فتهيج النفوس وتفتن العقول، وقد دارت بها العيون كالنطاق، وما من أحد كان يراها إلا ويدهش من محاسنها، ويسكر بجمالها العجيب فيقرظه بما يحضره من رقيق الكلام ورائق المعاني، ولكن أذنها لم تكن تصغي لمثل هذه الأحاديث، وقلبها لم يكن يحفل بمثل هذا المديح؛ لما كان يشغلها من أماني نفسها وحبها لخطيبها ليون، فكانت تمشي بوقار واحتشام لا تسمع حديث الأفواه ولا تفهم لغة العيون، إلى أن وصلت إلى المعمل فأودعت فيه الطاقة، ثم قبضت أجرتها، وأخذت شغلًا جديدًا، وبدلًا من أن تعود إلى منزلها ذهبت في شارع شابون حيث يشتغل خطيبها، وهي تقول: كم أكون سعيدةً إذا اتفق لي أن أراه؟
أما ليون رولاند، فإنه كان شابًّا يبلغ الثلاثين من العمر، أشقر الشعر، ضخم الجثة، قوي الأعصاب، ولم يكن جميل الوجه، غير أنه كان صافي السريرة طاهر القلب حسن النية، عاملًا نشيطًا شريف الأخلاق، وقد اتفق أنه حين مرور سريز كان واقفًا بباب الحانوت الذي يشتغل فيه.
ولما رآها مارَّةً أسرع إليها وسلَّم عليها، ونفسه تكاد تطير شعاعًا من بهجة لقائها، ثم شكرها لمرورها بهذا الشارع، فقالت وقد صبغ الخجل وجنتَيْها: إني لم أمر من هنا إلا على أمل أن أراك.
– قد صدق ظنك، ولو لم تمري من هنا الآن لكنتُ قصدتك في هذا المساء؛ لأنه يجب أن أحادثك في شأن مهم.
فارتاعت سريز وقالت: لقد شغلت بالي، بأي الشئون تريد محادثتي؟
– لا تخافي، فليس ما يحمل على الكدر، وأول ما أبدأ به هو أني عزمت أن أذهب غدًا مع أمي إلى بلفيل، وسأكون من أسعد الناس حظًّا إذا قبلتِ دعوتنا وذهبتِ معنا.
– أراضية أمك بذلك؟
– ذلك لا ريب فيه؛ لأنها تعلم أنك ستصيرين امرأتي بعد حين.
فأَرْخَتْ سريز نظرها من الحياء، وجعلت تنكت الأرض بمظلتها، ثم نظرت إليه وقالت: أهذا المهم الذي تريد أن تحادثني فيه؟
– كلا، فإن هذه الحكاية قد جعلتها مقدمة لحديثي؛ لما أجد بها من السرور، وأية ساعة أشهى إليَّ من أن أكون وإياك في منتزه واحد. أما الذي أريد أن أقوله لك، فهو أنك تعلمين ما وعدني به صاحب المعمل من أنه سيجعلني رئيسًا عليه بعد شهرين.
فتنهدت سريز وقالت: نعم.
– والآن فإنه غيَّرَ أفكاره.
– ماذا أرجعه عن ترئيسك؟
– كلا، فإني عُيِّنْتُ اليوم.
– كيف ذلك؟
– ذلك أن الرئيس الذي خلفته في منصبه قد انتهى إليه إرث من قريب له توفي منذ يومين، فاضطر إلى السفر والتنحي عن الأشغال، ولكونه من مواطني فقد رجوته أن ينوب عني في بيع أرضي التي كان في نيتي أن أسافر لبيعها.
– إذن قد رجعت عن السفر أيضًا؟
– نعم، وبعد ثمانية أيام يصل إليَّ ثمن تلك الأرض، وبعد ذلك بخمسة عشر يومًا نقدر أن نتزوج.
فظهرت على ملامح سريز علائم السرور، وعبق خداها بحمرة الخجل، ثم قالت: إن هذا الأجل قريب جدًّا.
– وأنا أراه شديدَ البُعْدِ أيتها الحبيبة.
ثم ضغط بيديه على يدها، ونظر إليها نظرة توسُّل واستعطاف باحَتْ بمكنونات فؤاده، واستوقفت بعض المارة.
فودَّعته بلطف وحنُوٍّ، وأفلتت منه وهي تقول: إلى الغد وسنرى.
ولم يزل واقفًا يشيعها إلى أن توارت عن عينيه في شارع سانت مارتين.
وفيما هي تمشي سمعت صوتًا يناديها باسمها، فالتفتت ورأت شابًّا بالقرب منها رفع قبعته وحيَّاها باحتشام، فدَنَتْ منه وسلَّمَتْ عليه.
وكان هذا الرجل من أصدقاء خطيبها يُدعَى كينيون، وهو شاب في الثلاثين من عمره هزيل الجسم قبيح المنظر، ولكنه كان رقيق الحاسة، لطيف الشعور، طيب النفس.
وكان سيء البخت نكد الطالع، وقد عرف ذلك من دهره فأدار له ظهر المِجَنِّ، ولم يعبأ بصروفه، وكان على الدوام باسم الثغر، طلق الوجه، شديد المزاح، كثير الميل إلى خدمة معارفه، وعلى الجملة لم يكن له في باريس بغيض.
فلما رأى سريز استوقفها، وبعد السلام سألها عن وجهتها فقالت: إني ذاهبة إلى أم ليون لأخبرها بأننا سنذهب غدًا إلى منتزه بلفيل، فهل لكَ أن تكون معنا؟
– ذلك ما أتوق إليه، لا سيما وأني أجد فرصة مناسبة لتأنيب ليون.
– على أي شيء تريد أن تؤنبه؟
– على صداقة عقدها من عهد قريب مع رجل لا يستأهل المودة، ويجب أن يحذر منه.
– مَن هو هذا الرجل؟
– هو رجل صناعته عمل الأقفال يُدعَى روسينيول، وهو فاسد الأخلاق، قبيح السيرة، بذيء السمعة، وقد ساءني التحام الصداقة بينهما، وبلوغها إلى حدٍّ أصبحا فيه لا يفترقان، فرأيت أن من واجباتي أن أردع ليون عن معاشرته، وأن أُظهِر له ما لم يعلمه من فساد أخلاقه، وبعد ذلك فله الخيار بالميل إليه أو بالبعد عنه.
– عجبًا! إني لا أعرف هذا الرجل، وأنت تقول إنه من أصدقاء ليون.
– نعم، وإن السبب في ذلك هو الصداقة بينهما حديثة العهد، وقلبي يحدِّثني أنها ستكون سيئة العاقبة، وما استوقفتُكِ إلا لما أرجوه من مشاركتك إياي بنصيحته على تجنُّب معاشرته وتحذيره منه، فاجتهدي أن تردعيه، وأنا سأبذل مجهودي، ثم ودَّعها وذهب في شأنه، فواصلت سريز سيرها إلى منزل أم خطيبها، وفي الوقت نفسه كان يسير في الشارع رجل كهل يناهز الخمسين، قصير القامة، نحيل الجسم، مجعَّد الجبين، فاتر العينين، وكان لابسًا ثوبًا أزرق، وعلى سترته زر أحمر يشير إلى أنه متقلِّد وسام جوقة الشرف.
ولم يكن هذا الرجل سوى بيرابو والد هرمين، فإنه كان عائدًا إلى منزله ليوافي فرناند الذي كان قد دعاه إلى الطعام — كما تقدَّم البيان — وقد اتفق أنه تقابَلَ وجهًا لوجه مع سريز، فلم يكد يراها حتى اختلجت أعضاؤه واضطرب فؤاده، فوقف في البدء ينظر إليها بتدلُّهٍ، وقد اندلع لسانه، وجحظت عيناه، ثم رأى أنها لم تلتفت إليه، ولم تعره جانب الانتباه، فسار في إثرها يقفوها.
ولم يكن ذلك أول ما اتفق لهذا الكهل؛ فإنه كان ينفق أكثر ساعات فراغه متجوِّلًا في الشوارع يتعقب الحسان من بنات الهوى، فلم يكن يخيب منه أمل، ولا تضيع له أمنية؛ ليساره وكثرة إنفاقه، مما زاد من جرأته، ولكنه ساء فاله بسريز، ولقي منها ما غير معهوده، وألجمه ما رآه بها من الاحتشام بالتهجم عليها بالحديث، فاندفع يمشي في إثرها بأقدام مضطربة، وقد أعاد جمالها إلى قلبه دم الشباب.
ولم تعلم سريز أنها متبوعة حتى بلغت إلى شارع مقفر ورأته وراءها، فأسرعت في مشيها فاقتدى بها، فهلع قلبها وضاعفت سرعة سيرها حتى وصلت إلى منزل أم خطيبها، فدخلت وقد عاد سكونها، وأقامت عندها مدة طويلة تزيد على الساعتين.
ثم خرجت من عندها، وعندما وصلت إلى الشارع رأته واقفًا على الرصيف، وعلى وجهه ملامح السأم من الانتظار، فلم تجد حيلةً في الرجوع، ولا بدًّا من مواصلة السير، فمشت ولم تَسِرْ بضع خطوات حتى أدركها واستوقفها وهو يقول: سيدتي …
فالتفتت إليه سريز وقالت له بلطف: لستُ يا سيدي من اللواتي تعهدهن، ولم تسبق لي عادة أن أحادث في الشوارع مَن يتبع خطاي، فخير لك أن تمضي في شأنك.
ثم تركته وهو لا يدري بماذا يجيب، ومضت فجعل يتبعها على مسافة بعيدة بحيث يراها ولا تراه، فلم تزل تسير حتى وصلت إلى منزلها فدخلت مسرعة، والتفتت وراءها فلم تره فاطمأنت، وصعدت السلم وهي تغني.
أما بيرابو فإنه رآها دخلت، ولكنه لم يعلم إذا كان المنزل منزلها، فلبث زمنًا طويلًا ينتظر إلى أن أعياه الانتظار، فذهب إلى البوَّاب وأعطاه ذهبًا كما فعلت باكارا في سؤالها عن فرناند، ثم سأله عن سريز فقال له البوَّاب: اسمح لي يا سيدي أن أقول لك إنك تنفق وقتك ومالك عبثًا؛ فإن هذه الفتاة شريفة.
– ولكني كثير الأموال.
– لا يجديك مالك نفعًا، ولو أنفقتَ منه الملايين؛ لأنها ابنة طاهرة، وفوق ذلك فإنها مخطوبة، ولو كان لك شأن مع أختها لكنتُ أحادِثك بعكس ما تسمع.
– مَن هي أختها؟
– هي ابنة بغي كثيرة الجمال، لها قصر شاهق ومركبات.
– وما اسمها؟
– باكارا.
– أين منزلها؟
– بشارع مونسي.
– حسنًا. وتركه وانصرف، وهو مشتَّت الفكر مضطرب البال، وقد أصيب بذلك الداء العضال الذي ليس له دواء، وهو حب الشيوخ، فأحبَّ سريز حبًّا ليس فوقه حب، ومضى وهو ينظم في أفكاره الجهنمية طرق غوايتها إلى أن وصل إلى منزله، وهو على ما وصفناه من القلق والاضطراب.