الإرث الخفي - الفصل 11 - بقلم بونسون دو ترايل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الإرث الخفي
المؤلف / الكاتب: بونسون دو ترايل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 11

الفصل 11

(٤) فرناند كان فرناند في الخامسة والعشرين من سِنِيه، حسن الطلعة عالي القامة وافر الأدب، وقد رُبِّيَ يتيمًا عند عمٍّ له، وتخرَّج في إحدى المدارس العالية، فاستُخْدِمَ عندما بلغ العشرين من عمره في وزارة الخارجية براتب قليل، ثم أخذ راتبه يزيد شيئًا فشيئًا إلى أن فاق جميع أقرانه. وكان كثير الشغف بفن الروايات، وقد علق آماله المستقبلة على هذا الفن؛ لشدة الإقبال في هذه البلاد التي لم تنشط من عقالها، ولم تبلغ ما بلغته من المدنية إلا بهذا الفن الجميل، فكان يصرف معظم فراغه بين المحابر والأقلام. وكان شديد المطامع، من ذلك أنه عشق ابنة رئيسه في الوزارة، واسمها هرمين، وهو يعلم أن دون زواجه بها المصاعب الجمة، لفرط غناء أبيها ولشدة بخله، ولكنه كان كثير الأمل لتبادل الحب بينهما. وكان والد هرمين قد دعاه إلى الطعام في ذلك اليوم الذي خرجت باكارا في إثره، وكان كثيرًا ما يدعوه ليساعده في تأليف كتاب عزم على نشره باسمه، والاستعانة بفرناند عليه؛ لِمَا كان يعلمه من حبه لابنته، والتذرع إلى مرضاته بجميع الوسائل. ذهب فرناند يقطع الأرض نهبًا، وقلبه يخفق خفوق الأجنحة من الشوق إلى هرمين؛ إذ لم يرها منذ ثلاثة أيام. وكانت باكارا تسير في إثره إلى أن وصل إلى منزل رئيسه فولج إليه، وأمرت باكارا السائق أن يقف بعيدًا عن الباب، ثم نزلت من المركبة فأسدلت برقعها ودخلت إلى نفس المنزل الذي دخله فرناند. فأعطت البوابَ قطعةً من الذهب، ثم دَنَتْ إليه مبتسمةً، وقالت: أليس لك لسان؟ – كلي ألسنة ناطقة بشكرك. – إذن قل لي فإنك ستنال خيرًا من خدمتي، مَن هو هذا الشاب الذي دخل الآن؟ – هو مستخَدَم في الوزارة، وهذا هو منزل رئيسه. – ما اسم رئيسه؟ – المسيو دي بيرابو. – هل هو متزوج؟ – نعم. – هل امرأته صبية؟ – كلا، فإنها تناهز الخمسين. – أليس له ابنة؟ – نعم، وهي على غاية من الجمال. عضَّتْ باركارا على شفتيها، وقالت: ما اسمها؟ – هرمين، وأظن أنهما متحابان. – ما دعاك لهذا الظن؟ – ذلك لا ريب فيه عندي؛ لكثرة تردُّده على هذا المنزل، فإنه يجيء أربع مرات في الأسبوع. – في أية ساعة يغادر هذا المنزل اعتياديًّا؟ – في الساعة العاشرة مساءً. شكرته باكارا وأعطته دينارًا ثانيًا على سبيل الجزاء، ثم خرجت إلى المركبة التي كانت في انتظارها. وبينما كانت باركارا تسأل عن فرناند، كان هو يصعد السلم لا يداخله ريب بها، ولا يعلم أمرًا من غرامها به، حتى بلغ المنزل في الطبقة الثالثة وطرق الباب. أما بيرابو هذا فإنه كان في أول عمره فقيرًا معدمًا، وقد جاء باريس منذ ثلاثين سنة، فتوفَّق للدخول في خدمة الوزارة، ثم ترقَّى بجده ونشاطه وتزلُّفه من أولياء الأمور إلى أن عُيِّنَ رئيسًا لإحدى دوائرها. ولقد لقي عند قدومه امرأة تُدعَى تريزا لها ثروة وجمال، وكانت تلك المرأة قد ارتكبت هفوةً لم تستطع إصلاحها، أو أنها خُدِعت، وكان لها ابنة صرفت إليها معظم حنوها، فتقرَّب منها بيرابو طمعًا في ثروتها، وعلم أن ابنتها غير شرعية فتغاضى عن ذلك، ووعد تلك المرأة أن يكون لها أبًا لابنتها، فقبلته بعلًا بملء السرور، ومن ذلك الحين أصبحت ابنتها هرمين معروفةً باسمه. وَلْنَعُدْ إلى فرناند فنقول إنه عندما طرق الباب فتحت له هرمين، ولم تكد تراه حتى تلوَّنَ خدها بصبغة الورد، فحيَّاها تحية المحب الوَلِه، ثم دخل معها إلى غرفة البيانو، فجلست تعزف عليه ألحانًا كانت تهيج كوامن غرامهما، وتحرِّك عوامل قلبيهما، ثم شُغِلا عن حديث الألحان بأحاديث الغرام إلى أن شفيا غلهما، فقال لها فرناند: يسرني أن أخبرك عن قبول روايتي في ملعب سانت مارتين، وقد وعدني مديرها أنه سيمثلها في هذا الشتاء، وأنا أرجو أن ينالني من ذلك ربح عظيم، فعند ذلك أجسر في محادثة أبيك في شأن زواجنا. فقالت هرمين بصوت منخفض: إني كنتُ أتحدث مع أمي أمس في هذا الشأن. فاضطراب فرناند وقال: بماذا أجابَتْ؟ أجابت هرمين قائلةً: إن أمي راضية عن حبنا، ولا تمانع في زواجنا؛ لما تعلمه من كرم أخلاقك، وحسن مستقبلك، ولكنها تخشى معارضة أبي. فأحنى فرناند رأسه بحزن وكآبة وقال: إني اختبرت أباك، وأنا أعلم أنه سيرفض طلبي بالنظر لفقري، وهو يعلم أن لا رجاء لي إلا من مستقبلي الروائي. فقاطعَتْه هرمين وقالت له: إصغِ إليَّ، إن أمي سألتني بالأمس إذا كنتُ على ثقةٍ من حبكَ. – آه يا هرمين، أعندكِ ريب في ذلك؟ – حاشاي أن أشك بصدق ودادك، ولكني أريد أن أقول إن أمي لها نفوذ على أبي، وهي تحبني حبًّا شديدًا، وحيث إنها وثقت من صدق حبك لي بعد أن ثبت لها ذلك، فهي تبذل جهدها في إقناعه. – ومتى يكون ذلك؟ – في هذا المساء. وعندها دخلت أمها فعانقت هرمين بحنُوٍّ، ثم نظرت إلى فرناند وقالت له: أحقيقي يا فرناند أنك تحبها؟ فلم يُجِبْها فرناند بحرف، ولكنه ركع أمامها ونظر إلى هرمين نظرةً تكلَّمَتْ عن فؤاده بأفصح لسان. فارتعشت تريزا، وقد أيقنت من صدق حبه، ثم أنهضته ووضعت يده بيد ابنتها وهي تقول: إني لا أعترض في هناء ابنتي، وأنت يا فرناند إنك ستدخل مع هرمين إلى غرفة الشغل بعد العشاء، وتَدَعني في خلوة مع أبيها. ثم تركت العاشقين يتناغيان ويتناجيان، وانصرفت إلى إدارة شئونها البيتية، فلم يمر بهما أحلى من تلك الخلوة، ولم يشعرا بأطيب من تلك الساعة، إلى أن أيقظهما من تلك الأحلام السعيدة دخول المسيو بيرابو، فلم ينظرا إليه حتى أيقنا أنه مصاب بحادثة أضاعت حواسه؛ لأنه كان شديد الاضطراب.