الفصل 10
(٣) سريز وباكارا
بعد هذه الحادثة بخمسة عشر يومًا كان في الطبقة الخامسة من أحد المنازل الحقيرة ابنة تشتغل في غرفتها بغيرة ونشاط، وأمامها على منضدة جميع الأدوات اللازمة لعمل الزهور الصناعية.
وكان يظهر من ملامح وجهها أن لها من العمر ست عشرة سنة، وهي ممشوقة القامة بيضاء كالزنبق سوداء الشعر، وقد سُمِّيَتْ بسريز، أي الكرز لحُمْرة شفتيها.
وكانت تشتغل وتغني، وأشعة شمس الصباح الذهبية قد ملأت غرفتها الصغيرة التي كان معلَّقًا في جدارها قفصٌ فيه عصفور من نوع الكناري كان يشاركها في الغناء من حين إلى حين.
فعندما كادت تصل في جمع طاقة الزهر إلى آخِرها، ولم يَبْقَ لها إلا أن تحيطها بالورق، ألقتها من يديها على المنضدة، ثم تنهَّدَتْ وقالت: إني سأتمِّم هذه الطاقة بعد عشر دقائق، فأسير بها إلى المعمل وبطريقي أراه.
إن يوم الأحد قد قَرُبَ، وسأكون فيه من أسعد النساء؛ فإن ليون سيصحبني مع أمه إلى المنتزه في بلفيل. قالت هذا وتبسمت بعد أن تنهَّدَتْ قليلًا، ثم عادت إلى شغلها وهي تحدِّث نفسها فتقول: إن ليون سيسافر إلى بلده فيبيع أرضًا له فيها، وسيرقيه سيده فيجعله رئيس المعمل بعد شهرين حيث يتزوَّج بي في ذلك الحين، ولكني أرى ذينك الشهرين بمثابة جيلين، وما أصعب الانتظار على المحبين.
وفيما هي تناجي نفسها بمثل هذه الأحاديث إذ سمعت صوت غناء على السلم، تبيَّنَتْ منه صوت أختها فقالت: هذه هي باكارا التي لا أعلم السبب في كثرة زياراتها لي في هذه الأيام بعد أن كان يمر العام ولا أراها!
ثم فُتِح الباب ودخلت منه باكارا.
وكلُّ مَن رأى هاتين الصبيتين يعلم للحال أنهما أختان؛ لكثرة ما بينهما من المشابهة، ولم يكن الفرق بينهما سوى أن سريز في السادسة عشرة من عمرها، عفيفة فاضلة ترتزق من شغل يدها وتقنع باليسير من العيش، وأن باكارا في الثانية والعشرين من العمر، وقد هربت منذ ست سنوات من منزل أبيها مع عاشق لها كان وافر الثروة، فعاشت عيشة بذخ وإسراف، ثم تخلف لها عاشقها عن ثروة عظيمة فاستبدلته بسواه، ونهجت سُبُلَ بنات الهوى. أما أبوها، فإنه مات من الحزن لما لبسه من عار ابنته، فاكتفت برضى أمها عنها التي ذهبت إليها وعاشت معها في قصرها الشاهق، تاركةً ابنتها الثانية التي سرى إلى عروقها دم أبيها الفاضل، فلم تتبع أمها وأختها في سبيل الغواية، وعاشت بعيدة منفردة عنهما عيشة طاهرة تقية، ترتزق من شغلها وتقنع بالقليل.
وكانت لا تزور أمها ولا أختها على الإطلاق، ولا تدع لهما مجالًا لزيارتهما لها؛ ولذلك استغربت عندما رأت أختها داخلةً عليها لما رأته من تردُّدها في زيارتها منذ خمسة عشر يومًا، وعلمت أن في ذلك سرًّا شاقها استطلاعه.
فجلست باكارا بالقرب من النافذة، ودار بينهما الحديث، فقالت باكارا: أَلَا تزالين يا سريز تحبين ليون؟
– وما يمنعني عن حبه، وهو رجل طاهر القلب حسن الأخلاق.
– لا أنكر ذلك، ولكنه عامل بسيط، فإذا تزوَّج بك تعيشان عيشةً فقيرةً طولَ العمر، وتكونان تعيسان.
– وأنا لا أرى رأيكِ في ذلك؛ فعندي أن الزوجين إذا توافَقَا وكانا متحابين لا يكونان تعيسَيْن، وفوق ذلك فإن صاحب المعمل سيعيِّن ليون رئيسًا عليه، وهو سيبيع أرضًا له في وطنه، فمتى تم ذلك فهو ينشئ لي محلًّا لبيع الزهور فنصبح من أسعد الناس، ولا يقتضي هذا المشروع من النفقات أكثر من أربعة آلاف فرنك، وهذا المال ميسور لديه.
فتبسمت باكارا ابتسام احتقار، وقالت: أنت تعلمين لو سألْتِني أضعافَ هذه القيمة لما تأخَّرْتُ دقيقةً عن مددك.
– أشكر فضلك، وأعتذر عن عدم قبولي هبتك؛ فإن الابنة الشريفة لا تأخذ المال إلا من أبيها أو زوجها.
– ولكني أختك.
– لو كان لك زوج، أو لو كنتِ على غير ما أنت عليه لَقبلتُ.
فعضت باكارا شفتيها من الغيظ، وقالت: وما يضرك لو أخذتِ مني هذا المال على أن تردِّيه إليَّ متى تيسَّرَ لك؟
– اعذريني، فإني لا أحب أن أستدين.
ثم عادت إلى شغلها، فكانت تشتغل وتحادث أختها التي جلست بالقرب من النافذة، وقد أسندت رأسها بيدها متظاهرة بعدم الاهتمام، ولكنها بالحقيقة لم تجلس إلى النافذة إلا لتتمكن من النظر إلى نافذة المنزل المجاور التي رأتها مقفَلة، فقالت بتمرمر: إنه ليس في البيت.
أما سريز فإنها كانت تراقبها خفية، وقد سمعت ما قالته، فقالت لها: أَلَا تصدقينني يا أختي في القول، فإنك منذ زمن قريب جعلت تأتين إليَّ في كل يوم بعد أن كنتِ منقطعة تمام الانقطاع، فما السبب في ذلك؟
فارتعشت باكارا، وأجابت أختها بصوت متكلَّف، فقالت: إني أزورك كل يوم لأني أحبك، وفراغي يسمح لي بزيارتك.
– ألم يكن لك ذلك الفراغ سابقًا، أم لم يكن لي حب في قلبك من قبلُ؟
فأفحمت باكارا عن الجواب، ولم تجد بدًّا من الإباحة فقالت: إني مصابة بداء عضال يقال له الحب، أقول ذلك لأن جميع الباريسيين يعلمون أن باكارا هي بغير قلب تهزأ من الحب والمحبين في كل حين. نعم، أحب وقد سرَتْ إليَّ هذه العلة من هذه النافذة؛ ذلك أني كنتُ عندك منذ شهر فنظرَتْ عيناي شابًّا برز كالقمر من نافذة هذا المنزل المجاور، فنفذت سهام عينه إلى فؤادي، وسمعت بأذنيَّ رنين السهم في قلبي الذي لم يعرف الغرام من قبلُ، فصادف ذلك الحب قلبًا خاليًا فتمكَّن.
فضحكت سريز وقالت: إني أعلم مَن تعنين بحبك، فهو جارنا فرديناند روسي.
فتنهَّدَتْ باكارا وقالت: نعم، هو بعينه، وإني أحبه أكثر مما تحبين أنت ليون، وقد رأيته ثلاث مرات من هذه النافذة فلم يعرني انتباهًا، ولم يتدانَ إلى النظر إليَّ، أنا التي ينطرح على قدميها أصحاب الملايين.
وأنا لا أحضر إلى هنا إلا لأراه، وأنت ترينني كيف أنتفض عند ذكره انتفاض العصفور بلَّلَه القطر، وهو غير عالم بحال قلبي، وبما يكابده من الصبابة، وأخشى إذا طال بي الأمر أن أكتب إليه أو أذهب إلى منزله، فأركع أمامه وأقول: فرناند أَلَا تعلم أني أحبك؟
ثم مسحت الدمع عن خديها وهو يتساقط كاللؤلؤ، وقالت: أليس من العار على المرأة أن تستسلم لرجل لا تعرف اسمه ولا شيئًا من أمره، وتألف السهاد في حبه، فإذا نامت لا تحلم إلا به، ولا يتملل لعينيها سوى خياله؟
نظرت إليها سريز نظرة العجب، وقد أنكرت صدور مثل هذه العواطف عن أختها.
– أنت تحبين إلى هذا الحد؟
– نعم، وإني أكاد أجن بهواه، وها أنا منذ ساعة عندك ونظري لا يحول عن النافذة، وقلبي شديد الخفوق، أليس هو بمنزله الآن؟
– إنه يرجع إلى منزله في الساعة الثانية.
– حدِّثيني عنه يا سريز، وقولي لي مَن هو هذا الرجل؟ وماذا يشتغل؟ وكيف تعرفينه؟
– عرَّفَني به ليون.
– كيف ذلك؟
– إنه اشترى أثاث منزله هذا من المعمل الذي يعمل فيه ليون، وهو الذي فرشه، وقد عرف ليون في عُسْر مالي فساعده، والتحمت بينهما عُرَى الصداقة، ثم عرَّفني به، وأكثر الأحيان يسلم عليَّ من نافذته.
– إذن هو أعزب؟
– نعم.
– أَلَا ترين أحدًا يزوره؟
– كلا.
– إذن فسيحبني كما أحبه.
وفيما هي تقول ذلك إذ فُتِحت النافذة وأطلَّ منها فرناند، فاختبأت باكارا خلف أختها، وقالت لها: هذا هو.
فجعلت سريز تحرِّك روافد نافذتها حتى استلفتت أنظار فرناند، فسلَّمَ عليها، ثم أظهر انذهاله لما رأى أختها وراءها، وأنها تشبهها مشابهةً تامة، فقالت له سريز: هذه هي أختي.
فانحنى فرناند مسلِّمًا عليها، أما باكارا فإنها انحنت على أذن أختها وتوسَّلَتْ إليها أن تدعوه.
وقد أثَّر توسُّلها على فؤاد سريز بما أنساها موقفها وخطورة هذا السلوك، فأشارت إلى فرناند ودعته إلى الحضور إليها، فشكرها واعتذر عن عدم تمكُّنِه من قبول هذه الدعوة؛ لاضطراره إلى الذهاب إلى مكتبه، ثم سلَّم مودِّعًا وأغلق النافذة.
فقالت باكارا: إنه سيذهب ولا ريب إلى زيارة امرأة، ولكني سأعلم أين يذهب، وسأكون شديدةَ الغيرة من هذه المرأة، كثيرةَ الحنق عليها.
– وبأي حق تغارين؟ فإن فرناند لا هو زوجك ولا محب لك.
– سيصير أحد الاثنين.
– أتتزوجين به؟
فهزَّتْ باكارا كتفيها وسكتت، فقالت سريز: أذكر أن ليون قال لي إن فرناند عازم على أن يتزوج.
– فرناند يتزوج؟
– نعم، وماذا يمنعه؟
– يمنعه أني لا أريد أن يتزوج.
– وبأي حق؟
فضربت باكارا رجلها في الأرض من الغيظ، وقالت: أيوجد في الحب حقوق؟ إني أحبه، وهذا هو حقي الوحيد.
– ولكن إذا كان هو لا يحبك؟
– سيحبني، فإن أصحاب الملايين تنطرح على قدمي، وتتفانى في حبي، أيصعب عليَّ وأنا باكارا أن أُحَبَّ من رجل فقير.
وكانت سريز قد فرغت من جمع طاقتها، فأخذتها وخرجت بها مع أختها كي توصلها إلى معمل الزهور، فقالت لها باكارا: أتريدين أن أوصلك بمركبتي إلى المعمل.
فامتنعت وقالت: لا يليق بعاملة زهور مثلي تشتغل كل ساعات النهار لكسب فرنكين أن تركب في مركبة تجرها الجياد المطهمة، دعيني أذهب على الأقدام، واذهبي كما تشائين.
ثم ودَّعَتْها سريز وذهبت.
أما باكارا فإنها صعدت إلى المركبة، وأمرت السائق أن يقف، وما زالت بها إلى أن خرج فرناند، فقالت للسائق: اتبع هذا الرجل إلى حيث يذهب.