الإرث الخفي - الفصل 9 - بقلم بونسون دو ترايل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الإرث الخفي
المؤلف / الكاتب: بونسون دو ترايل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 9

الفصل 9

(٢) كيرمور مضى يومان على مقابلة السير فيليام لكولار، الذي خدمه في لندرا خدمات ذكرها له بالشكر، وجعله يثق به ثقةً لا مزيد عليها، حصل لهما فيهما ما سيقف عليه القراء في حينه، وقد حدث أن مركبة يدل ظاهِرُها أنها من مركبات الأمراء وصلت في ساعة متأخرة من الليل إلى قصر شاهق جميل الزخرف، غريب الإتقان، فلم تكد تبلغ إلى ساحة ذلك القصر حتى فُتِحت أبوابه، وكان مكتوبًا عليها بأحرف ذهبية كبيرة: قصر الكونت كركاز. فدخلت المركبة، وفي ذلك الحين ظهر على السلم رجل كهل بيده مصباح أقبل مسرعًا إلى لقاء الكونت، فلما وصل إليه قال له: لقد ابتدأت أن أقلق عليك، فإنك لم تتأخر عن الرجوع إلى المنزل مثل تأخُّرِك في هذه الليلة. فأجابه أرمان، وقد كان هو بعينه: لا بأس في ذلك يا بستيان، فقد قضَتْ عليَّ بعض المهمات الخيرية أن أتأخر إلى الآن. ثم توكَّأ على ذراعه وصعدا سويةً إلى المنزل، فسار به بستيان إلى غرفته وقال له: إنك ستنام فيما أظن؟ – كلا يا بستيان، فإني مضطر إلى كتابة بعض رسائل، ولا أؤجِّل إلى الغد ما أقدر أن أفعله اليوم. فأجابه بستيان بلهجة أبوية: ولكنكَ ساعٍ إلى حتفك بقدمك؛ فإن كثرة السهر والتعب تضنيك. – إن الله كريم عادل يحفظ لي قواي؛ لأني أبذلها في خدمته. وعند ذلك قرع باب الغرفة قرعًا خفيفًا، ثم دخل رجل يقوده أحد خدم القصر، فوقف أمام أرمان وقال: هل أنا بحضرة الكونت دي كركاز؟ – نعم. فانحنى أمامه، وأخرج من جيبه رسالةً مختومةً فقدَّمها له. وأخذ أرمان الرسالة وفضَّها، ونظر إلى التوقيع فلم يجد غير كلمة «كريمور»، وقرأ ما يأتي: سيدي … إنك رجل ذائع الصيت كثير البر، وقد كرست ثروتك الطائلة في سبيل الخير والإحسان، وإن الذي يكاتبك هو رجل ثقل عليه ذنبه، وقد دنت ساعته الأخيرة، ويجب أن يراك لبعض الشئون، وإن الطبيب يقول إنه لم يَعُدْ لي من الحياة غير ساعات قليلة، فأسرِعْ إليَّ فإني سأعهد اليك بمهمة خيرية لا يقوى على القيام بها سواك. كريمور فنظر أرمان إلى الرسول وتأمَّلَه، ثم قال له: ما اسمك؟ – كولار. – قُلْ مَن أعطاك هذه الرسالة؟ فتصنَّع كولار هيئة البله، وقال: إني أسكن في منزل كريمور، وهو الذي أعطاني هذه الرسالة كي أوصلها إليك. – أين يسكن ذلك الرجل الذي أرسلك؟ – في شارع سانت لويس. وكان الصباح قد كاد يطلع، فلم يبالِ أرمان بذلك، ولا بتحذير بستيان، بل أمر بأن تُهيَّأ المركبة، ولم يمضِ على ذلك نصف ساعة حتى بلغ منزل كريمور، وكان كولار يسير بصحبته فنزل من المركبة، وسار بأمان في فناء المنزل إلى أن وصلا إلى غرفة المريض، ورأى فيها رجلًا هزيل الجسم، نحيل الأعضاء، أصفر الوجه، مضطجعًا في سريره يتقلب عليه من الآلام، فحيَّا أرمان بيده وأشار عليه بالجلوس، ثم أمر كولار بالانصراف. ولما خلا لهما المكان قال المريض: إن مظاهري لا تدل على أني وشيك الموت، ولكن ذلك لا ريب فيه، وقد أكَّدَه لي الطبيب. – لا تخف أقوال الأطباء، فإنهم يخطئون. فتنهَّدَ المريض وقال: إنك مصيب، ولكن طبيبي لا يغلط ولا يخطئ، وقد أكَّدَ أنه سينقطع لي عِرْق بعد ست ساعات يكون به انتهاء حياتي، وليس لأجل ذلك دعوتك، بل لأكلفك بقضاء مهمة لا أئتمن عليها سواك، فأرجو أن تصغي إليَّ. ثم تأوَّه وقال: إني أُدعَى البارون كيرماروت وليس لي وريث بعد موتي في عُرْف الناس والشرع، ولكن قلبي يحدِّثني أن لي ولدًا يرثني من بعدي، ولا أعلم إذا كان ذكرًا أو أنثى. وقد تقدَّم لي القول أن ليس لي قريب في هذا العالم، فإذا متُّ فليس مَن يبكيني، وترجع ثروتي الطائلة إلى دار الأحكام لفَقْد الوارث. أما ثروتي فهي عظيمة تكاد لا تُحصَى، ومصدرها غريب أيضًا كغرابة ما ألقاه من العذاب الذي جازاني به الله عقابًا عن ذنب هائل اقترفته في صباي. ذلك أني كنت في سنة ١٨٢٤ قائدًا في الجيش، ولم يكن لي مستقبل غير سيفي، وكانت حرب الإسبان قد ابتدأت، فكانت فرقة الجيش الذي أنا فيه معسكرة في برسلون، وكنتُ أنا في باريس بالرخصة، فسرت منها مع اثنين من الضباط للانضمام إلى الجيش، وقد كان سفرنا على الجياد، فكنَّا نبيت في كل قرية نصل إليها عند ظلام الليل. وإن الليل فاجأنا على بعد مرحلة من تولوز، فلم نجد سوى فندق صغير لجئنا إلى المبيت فيه بحكم الاضطرار. ولم يكن بهذا الفندق من المسافرين سوى امرأتين قَدِمتا من بيريناس وفي تلك الليلة، وكانت إحداهما كهلة عجوزًا، والثانية في عنفوان الشباب رشيقة القوام وضاحة الجبين غزالة العينين صبوحة الوجه، وقد قَدِمت مع أمها التي وصف لها الأطباء التجوُّل، فاضطررنا إلى مشاركتهما في الحديث لما اضطررنا إليه من مشاركتهما في العشاء. ولم تتهيَّبَا منَّا، وكان لهما مزيد الثقة بنا بالنظر لملابسنا العسكرية، ولم يكن في الفندق غير غرفتين فناما بهما، أما نحن فبتنا في الفناء، وقد اتخذنا من القش اليابس رزمًا جعلناها وسائد. وكنَّا في ربيع الشباب وطيش الصبا، وليس فينا مَن يزيد عمره على العشرين، فأثَّرَتْ بنا المدام وهاجنا ما رأيناه من جمال الصبية، فاقترح أحدنا أن نقترع عليها، فقبلنا ذلك الاقتراع ضاحكين، واقترعنا فأصابتني القرعة دون رفاقي. ولم يكن في الفندق ممَّن يُخشَى غير صاحبه، فرشوناه كي يتغاضى عنَّا، ودخلت إلى غرفة الصبية من النافذة، أما أمها فكانت تعول وتصيح، ولكن صياحها كان يسير في الهواء ولا يسمعه أحد. وعندما طلع الصباح ذهبتُ برفاقي، وقد غادرَتْ بالفندق تلك الفتاةَ مدنَّسة تعض البنان من الأسف، وتدعو عليَّ الله في خلوتها، ولم أعلم منها سوى أنها كانت تُدعَى تريزا، وقد رأيتُ في جيبي بعد فرقها نوطًا ذهبيًّا كانت تعلقه في رقبتها، ولا أعلم إلى الآن كيف وصل إلى جيبي، ولعل السبب في وصوله إليَّ أنه انقطع عند دفاعها، فسقط في جيبي اتفاقًا. ثم ذهبت ورفاقي إلى برسلونا لننضم إلى الجيش، وفي أول معركة قُتِل رفيقاي، فأعددت ذلك عقابًا لما وإنذارًا لي، وكان صوت سري يقول لي: إن الله لم يعاقبك في المعارك إلا ليبلوك بعقاب أعظم. ثم توالت الأيام ودرجت الليالي، فنسيت ذنبي إلى أن وصلت إلى الثروة، وها أنا مُظهِر لك كيف وصلت إليَّ. ذهبتُ يومًا إلى مدريد فنزلت ببيت رجل يهودي كان يتاجر بالجلد، وقد كان أصل هذا اليهودي فرنسيًّا هاجر وطنه سنة ١٧٨٩. وعندما جعلت سكني في منزله كان مريضًا، فاتفق بعد وصولي إليه بيومين أن اشتدت عليه وطأة المرض إلى أن بلغت حدًّا خُشِي عليه فيه الموت، ولم يكن يعوله في مرضه غير خادم واحد، فدعا بي إليه يومًا عند منتصف الليل، وقد أعياه الداء وبرحت به الآلام. فهرعْتُ إليه، وجعلت أُعِينه وأعزيه على مصابه، وهو ينظر إليَّ نظرةَ الباهت، إلى أن سألني: ما اسمك؟ – كيرمور دي كيرماروت. فرجع إليه صوابه عند ذكر اسمي، وخرج بلهجة الفرح والاستغراب يقول: أنت تُدعَى كيرماروت؟ – نعم. فرفع يديه إلى السماء، ثم شكر الله وقال: أَعْطِني أدوات الكتابة. فأحضرتُ له ما طلب، فكتب بيد ترتجف: إني أعترف أن كيرمور دي كيرماروت هو وريثي الوحيد دون سواه. ثم أمضى هذه الوصية وبعد عشر دقائق أسلم الروح. وقد وجدتُ بعد موته رسالةً بين أوراقه تبيِّن السبب في إعطائي ثروته؛ ذلك أن جدي البارون كيرماروت كان قد أودع في زمن المهاجرة ٢٠٠ ألف فرنك عند هذا اليهودي، ثم توفي ولم يعلم أين كانت وفاته، وسافر اليهودي إلى إسبانيا فتاجر بمال جدي المودع عنده، وكثرت أرباحه، واتسعت ثروته بفضل ذلك، فرده إليَّ اثني عشر مليونًا، وكنتُ في الثلاثين من عمري عندما وصلَتْ إليَّ تلك الثروة الواسعة، فلم تدفعني عوامل الثبات إلى التنعُّم بها، بل عادت إليَّ تذكارات تلك الليلة الهائلة، وأصبح تمثال تريزا ممثلًا نصب عيني، فأخذت أطوف البلاد باحثًا عنها، فلم أَلْقَ إلا الخيبة، ولم أظفر بغير الفشل، وقد أدَّتْ بي خاتمة المطاف إلى باريس، فاشتريت هذا المنزل الذي أنا فيه فأصابني الله بداء عضال لم تنجح فيه حيلة الأطباء، وسيُقضَى عليَّ بعد ساعات معدودة. واليوم عرفت نهاية أجلي من الطبيب على ما أخبرتك، فتمثلت لعيني تلك الابنة المسكينة التي دنستها بنزقي، وحدَّثتني نفسي أنها لا تزال بقيد الحياة، وقد علمت أنك رجل كثير الخير والإحسان، وأن لديك عمَّالًا وأعوانًا يشاركونك في البحث عن التعساء ومساعدة أولي البأساء ومجازاة الأشقياء، فقلتُ في نفسي إنك الوحيد الذي يجدها ويسلِّمها تلك الثروةَ. فقال أرمان: إني أشكرك لثقتك بي، ولكني أخاف ما يمكن أن يكون اتَّفَقَ من موت تلك الابنة، وربما لم يكن لكَ منها ولد، فإن مناجاة الضمير قد تخطئ أحيانًا. – إذا كانت الابنة قد ماتت ولم يكن لي منها ولد، فإن ثروتي تكون لكَ تنفقها في سُبُل الخير فتكون كفارةً عن ذنبي، وأنا أعلم بأنك رجل كثير المال، ولكن ثروتي هي طائلة فإذا أنفقتها على المصابين مع ما تنفقه من مالك خفَّفتَ من بلوى التعساء وأعانتك على بلوغ أمانيك، والآن فإني أرى على وجهك علائم الانذهال وأراك تشير بالرفض، فبالله لا تُضِع الوقت في الجدال، وانظر إلى الساعة فلم يَعُدْ لي من الحياة في هذا العالم غير ساعات معدودة، فانظر الآن إلى هذا الصندوق الذي هو بقربك، وهذا مفتاحه معلَّق بعنقي، تأخذه بعد موتي وتفتح الصندوق فتجد فيه وصيتين مختلفتين، إحداهما تُثبِت أنك أنت وريثي، والثانية تُثبِت أن تريزا هي الوارثة أو ولدها إذا كان لها ولد، ثم إنك تجد في طي هذه الوصية الأخيرة ذلك النوط الذهبي الذي وقع من عنقها في جيبي في تلك الليلة الهائلة، فإذا فتحْتَه تجد فيه خصلةً من الشعر وصورة امرأة هي صورة أمها لا ريب، فعسى أن تُعِينك على وجودها، وليس لديَّ غير هذا الدليل. ثم سكت هنيهة وقد أعياه التعب، إلى أن عاد إليه شيء من قواه، فاستحلف أرمان على قبول الوصية، وقال وقد سمع قرعًا على الباب: هو ذا الكاهن الذي دعوته قد حضر، فأَدْخِله إليَّ فإني أريد أن أعترف وأستعد لملاقاة الديَّان. ففتح أرمان الباب للكاهن، وخرج من الغرفة عندما شرع بالاعتراف، ولم يمضِ على ذلك ساعتان حتى صدق نبأ الطبيب ومات البارون، فدعا أرمان رجال الشرع في الحال، وختم على جميع موجودات المنزل، فلم يأخذ منها غير الوصيتين، وذهب الجميع ولم يَبْقَ في المنزل غير كولار الذي جعل ينظر إلى تلك الجثة التي لم تزل حارة، ويقول ضاحكًا: أيها الأبله، إنك لو علمتَ السبب لدخولي في خدمتك لما أطقت أن تنظر إليَّ، والآن فطِبْ نفسًا فإن أرمان دي كركاز رجل صافي السريرة طاهر القلب، وسيعرف السير فيليام كيف يجد الابنة وكيف يغنم تلك الملايين.