الفصل 8
(١) السير فيليام
كان في إحدى ليالي ديسمبر الباردة رجل ملتف برداء طويل، يمشي على رصيف سانت بول بالقرب من القلعة غير مبالٍ بالبرد وبما كان يهطل عليه من المطر، وكان يقف من حين إلى حين ينظر إلى النهر السائر بالرياح الشديدة، ويحدِّث نفسه بكلام متقطع غير مفهوم.
وما زال يمشي إلى أن بلغ إلى منزل بالقرب من فندق لمبرت ذي الستة أقسام بعضها فوق بعض، فوقف عنده ونظر إلى نافذة القسم الأعلى، فرأى عليها مصباحًا موضوعًا بشكل يدل على أنه إشارة متفق عليها، فنظر إليه هنيهة وقال: ذلك يدل على أن كولار في منزله ينتظرني.
ثم أدنى إصبعيه من فمه وصفَّر، فانطفأ المصباح للحال، وبعد عشر دقائق أُجِيب بصفير مثله، فدنا من الباب، وما وقف هنيهة حتى سمع وقع أقدام ضعيفة، ثم تلاها صفيرٌ آخَر فأسرع إلى لقاء القادم، وقال له سائلًا: كولار؟
قال كولار: نعم.
– يسرني أنك أمين على الملتقى.
– ليس ما يعيقني عن خدمتك، وأرجوك أن تخفض صوتك، وأن لا تدعوني باسمي، فإني إذا عُدْتُ إلى ذلك فلا أخرج منه.
– إنك مصيب، ولكن الشارع مقفر وليس هنا مَن يسمعنا.
– لا ضرر من الحذر، وأرى أن الأوفق أن نذهب إلى شاطئ النهر فنتحدَّث هناك باللغة الإنكليزية، فإذا اتَّفَق مرور أحدٍ فهو لا يفهم ما نقوله.
– ليكن.
ثم مشى الاثنان إلى جهة النهر، وهما غير مكترثين بالمطر، فقال كولار: متى عُدْتَ من لندرا؟
– في الساعة الثامنة من هذه الليلة، وأنت ترى أني لم أضع الوقت، فقُلْ ما فعلتَ أنت في مدة غيابي؟
– جمعت عصابة على غاية الموافقة، وإنْ يكن الباريسيون لا يعدلون الإنكليز في مهنتنا، ولكني فعلتُ ما قدرت عليه، وإننا نقدر أن ندرِّبهم في مدة وجيزة، وستراهم وتفحصهم.
– متى؟
– الآن إذا أردْتَ.
– هل اتفقت معهم على الملتقى؟
– نعم، وإذا أمرتَ سِرْتُ بك إلى مكان بحيث تراهم واحدًا فواحدًا، ولا يراك منهم أحد.
– حسنًا فَلْنذهب.
– أَلَا تريد أن نتفق قبل الشروع في العمل؟
– لنتفق.
– تعلم يا مولاي أني بلغت الخمسين من عمري، فصار يجب عليَّ أن أهتم بأيامي الأخيرة.
– هذا عدل، فأَظْهِرْ شرطك.
– إني أطلب ٢٥ ألف فرنك كراتب يُدفَع لي في كل سنة، وعشرة آلاف فرنك تُعطَى لي عند النهاية من كل عمل ينجح على سبيل المكافأة.
– سيكون لك ذلك.
– والآن بقي عليَّ أن أتفق معك على رواتب عصابتي.
– إني عرفت أهليتك فلم أساومك، أما عصابتك فإني لا أعرف منها أحدًا.
– هذا حق.
– إذن فَلْنذهب إليهم، ومتى عرفتُهم وخبرتُهم أتفِقُ معك على تعيين رواتبهم، ولكن قُلْ لي كم عددهم؟
– عشرة، أليس ذلك بكافٍ؟
– يكفي الآن، وسنرى فيما بعدُ.
ثم غادرا ذلك المكان ومشَيَا، فكان كولار يسير أمام السير فيليام إلى أن بلغَا إلى غطة مظلمة في شارع لاتين، فسارا فيها إلى أن وصلا إلى بيت قديم متداعٍ إلى السقوط.
ولم يكن ينبعث منه نور، مما يدل على أنه غير مأهول، فأخذ كولار مفتاحًا من جيبه وفتح به باب المنزل، فدخل مع السير فيليام ثم أقفل الباب وراءهما، وأشعل شمعة فأدخل السير فيليام إلى غرفة وقال له: هذا هو المكان الذي تستطيع أن ترى منه رجالي دون أن يَرَوْكَ، من هذا الثقب الموجود في الحائط.
فنظر السير فيليام، ورأى غرفةً كبيرةً جميلةَ الأثاث حسنة الظاهر، فسأل: لمَن هذه الغرفة؟
فقال له كولار: هذه لرئيس عصابتي كوكيلات، وهو رجل حسن الصيت، وجميع سكان هذا الشارع يحسبونه متمولًا متنحيًا عن الأشغال، ويغبطونه لسعادته مع امرأته التي اشتهرت عند الجميع بالفضيلة.
– حسنًا، أين كوكيلات الآن؟
– ستراه عن قريب.
ثم وضع إصبعه بفمه وصفَّرَ، ففُتِح الباب ودخل رجل هزيل يناهز الخمسين من العمر، حاد النظر، مقطب الجبين، فانحنى مسلِّمًا، ونظر إلى كولار مستفهمًا.
فقال له كولار: إن هذا هو الرئيس.
وقال للسير فيليام: هذا هو كوكيلات.
وبعد أن فحصه السير فيليام أشار إلى كولار أن يصرفه.
فقال له كولار: إني ضربت موعدًا لرفاقك في الساعة الأولى بعد منتصف الليل، وقد حان الوقت، فاذهب إلى لقائهم، أما أنا فسأبقى هنا مع حضرة الرئيس لقضاء بعض المهام.
فانحنى كوكيلات وانصرف.
أما السير فيليام فإنه جلس مع كولار أمام الثقب، وأقام ينتظر وفود العصابة، ولم يطل مكثهما حتى طرق الباب، وأخذ رجال العصابة يتوافدون تباعًا، وكولار يصف كل واحد منهم بين مقامِر ومزوِّر وخاطف ومخادع ومفتح أقفال ومسجل وضخم الجثة فتَّاك، وغيرهم من أبناء الشر والوزر إلى أن أتم عددهم، وبلغ إلى التسعة، وبعد أن استعرض السير فيليام هذه العصابة قاله له كولار: أتريد أن يروك؟
– كلا.
– لماذا؟ ألستَ راضيًا عنهم؟
– ليس ذلك، ولكني أحب أن لا يراني أحد منهم، وأن لا تصلهم أوامري إلا بواستطك، وسنبحث غدًا في شئونهم، ونجد لكل واحد منهم عملًا يوافق مهنته، والآن إني ذاهب وسأراك غدًا في نفس المكان الذي رأيتك فيه هذه الليلة وبنفس الساعة.
ثم ودَّعَه وخرج.
فدخل كولار لمقابلة رجاله، أما السير فيليام فإنه ترك هذا المنزل، واجتاز العطفة المظلمة إلى أن بلغ إلى الشارع، وفيما هو يمشي على مهل وهو مشتَّت الفكر ساهي البال، إذ سمع صوت سائق مركبة يقول له احذر، فصعد السير فيليام مسرعًا إلى الرصيف ونظر إلى داخل المركبة، فاختلجت أعضاؤه وصاح بصوت يتهدَّج من الغضب قائلًا: «أرمان!» أما المركبة فكانت تسير سيرًا حثيثًا، فلم يسمع ذاك الذي دعاه أرمان نداءه، ولم يتمكَّن من الانتباه إليه.
فوقف السير فيليام برهة ينظر إلى المركبة وهو يكاد يلتهب من الغيظ، إلى أن توارت عن عينيه فقال: ها قد التقينا أخيرًا أيها الأخ الذي يسعى إلى الفضيلة، ويعدو بمثل هذه السرعة إلى مساعدة التعساء، اذهب وأنفق من الذي اختلسته مني، ولكن اعلم أني قد عُدْتُ إلى باريس ظمآن إلى الذهب والانتقام.
وفي اليوم الثاني ذهب السير فيليام لمقابلة كولار، فصفَّر له كما فعل بالأمس، فنزل إليه وسار به السير فيليام إلى ضفة النهر، وقال له: استعِدَّ فإن لدينا اثني عشر مليونًا.