الفصل 7
يوجد في باريس شارع عظيم بالقرب من مونتمارتر يُدعَى شارع بريدا يجتمع إليه الناس على اختلاف طبقاتهم، ومنازله مختصة بأرباب الحِرَف وبعض المتمولين، وكان يحيي به في أكثر الأحياء ليالي رقص عمومية يحضرها مَن يشاء بأزياء مختلفة، وبراقع على الوجوه يراد به التستر والخفاء، جريًا على عاداتهم في مثل هذه الحفلات.
وقد غصَّ في أحد الليالي منزلُ أحد المصورين بالناس، من مدعُوٍّ وطفيليٍّ، فدار الرقص والتفت الخصور وترنحت القدود على أطيب الألحان.
وإن بين أولئك المدعوين شابًّا مرتديًا بملابس سوداء، وعلى وجهه برقع كان ينظر إلى تلك الحفلة نظرة الازدراء، وهو واقف على شرفة تطل على الطريق، لاهٍ عن الرقص وبهجة ذلك المجلس بتأملات عميقة، وتصورات كان يجسمها التأثُّر فيُخرِجها صوتًا متقطعًا، بحيث لو دنا منه رقيب لسمع كلَّ ما يقول.
وكان ينظر إلى منازل باريس وقصورها الباذخة بملء السويداء، وهو يقول بصوت منخفض: «هكذا تمر الحياة، وتسير بنا الأيام، وكلنا نسعى وراء السعادة، ونجدُّ في أثر النعيم، ولا ينال من ذلك إربًا ولا تُقضى له لبانة. ارقصوا أيها المغترون، فإنكم لا تزالون في عنفوان الشباب ونضارة العمر، ولم تصلوا بعدُ إلى متاعب الحياة. افرحوا واضحكوا فإنكم لا تهتمون بغير أنفسكم، وأعينكم غافلة عن إخوانكم الذين يتعذَّبون ويبكون.
يا مدينة باريز العظمى، ويا ملكة العواصم، ويا أم البلاد، فيك اجتمع النعيم والهناء، وبساحتك استقر البؤس والشقاء. هنا النعيم طالع، وهناك البؤس مخيم، وأمامي الحظ مقيم، وورائي الكد عامل، وعن يميني أغاني السعداء وابتسام المحبين وأحلام الآمال الذهبية، وعن يساري بكاء المنكودين وشقاء الأرامل والأيتام وأنين الموجع ودموع ابن السبيل.
هنا ضجيج مركبات الموسرين، وهناك عويل المظلومين، وصوت سياط الجائرين، وقلقلة مفاتيح السارقين. أيتها المدينة العظمى لقد حويت وحدك من الفضائل والرذائل أكثر مما حوته جميع ممالك الدنيا! يا بابل القديمة ويا مرسح الوقائع الهائلة، لقد عجزَتْ شرائعك عن معاقبة الجانين، وعجز أولو البرِّ فيكِ عن إغاثة المساكين؛ فلا عوقب المسيء ولا كُوفِئ المحسن، فمَن لكِ برجلٍ موسر طاهر الأخلاق يغل يد الظالم، ويجبر قلب البائس، ويرثي لدمع الأرملة، ويحن لشقاء اليتيم؟ أواه ومَن لي بالمال؟ فلو كنتُ مثريًا لَكنتُ ذلك الرجل.»
وقال ذلك ثم تنهَّدَ تنهُّدًا طويلًا، وحاول الدخول إلى ساحة الرقص فاعترضه أحد الرقاصين، وكان متسترًا بثوب أيكوسي وقال بلهجةِ سخرية: عفوًا يا سيدي، فإني أرى تشابهًا بين أخلاقك وثوبك المقتم.
فلم يكد يسمع الشاب صوت الأيكوسي حتى اختلج فؤاده واضطرب، ووقف مصغيًا إلى حديث الأيكوسي، وقد تبيَّن له أنه سمع هذا الصوت في موقف شديد، فقال الأيكوسي: يخال لي أني سمعتك تحدِّث نفسك بأحاديث جليلة الفائدة.
– ربما.
– ألَمْ تقل فيما كنتَ تحدِّث به نفسَك، أنك لو كان لك مال لكنتَ ذلك الرجل؟
– نعم، يوجد مهمة عظيمة لا يستطيع أن يتولَّاها في هذه المدينة الرحبة إلا مَن كان كثير المال.
– أنا لها، فإن أبي أصبح على أُهْبَة الموت، وسيدع لي بعد موته دخلًا سنويًّا يزيد على المليون.
– أنت؟
– نعم أنا.
– إذن انظر إلى هذه المدينة التي بلغت إلى أضعاف ما بلغته بابل من العظمة. انظر إليها تَرَ الذنوب تحتكُّ بالفضائل، وأصوات الضحك تقترن بأنَّات البكاء، وأغاني الحب تمتزج بدموع اليأس، والقاتل السفاك يمشي على الأرض التي يمشي عليها الوَرِع الشهيد، أَلَا تظن أن الرجل الحاذق الموسر يقدر أن يفرِّق بين هذه الأضداد؟
فنظر إليه الأيكوسي وقال له بصوت الهازئ: لقد أصبتَ فيما تقول، فإن مَن كان مثريًا في هذه المدينة يعمل بها ما لا تقوى على عمله الأَبَالِسَة، فإن بها كثيرًا من النساء تغري، وكثيرًا من البنات تُبَاع وتُشرَى، ولا أسهل على صاحب الثروة من أن يغري الفتاة التي تشتغل الليل والنهار لكسب درهم تنفقه على طعامها إذا أراحها من عناء هذه الأشغال بما ينفق عليها من المال، ولا أقرب إليه من إفساد ذلك الشاب الذي يعيش من عرق الكد والعمل أن يشتريه بالذهب الوضاح، والمرء ميَّال إلى الراحة مفطور على الكسل. هذا الذي أفهمه من هذه المهمة، وهذا ما كنتُ أجريه بفضل أموالي، لو لم أَكُنْ في غنًى عنه بما هو موفور لديَّ من أسبابه.
وكان هذا الرجل مرتديًا بثوب يمثِّل دون جوان، وهو رجل شهير بالفساد، فأتمَّ حديثه يقول: ولا جرم إذا كنتُ أصرف اهتمامي إلى مثل هذه الشئون، فأني أمثِّل دورَ صاحب هذا الثوب التي لا تجهل سيرته، فلا فضيلة عندي إلا ما تعتقدونه رذيلة، ولا خيانة إلا ما تتوهمونه شرفًا وصدقًا، فإن الملاذ خُلِقَتْ لي فوجب عليَّ أن أتمتع بها وأسعى وراءها، وما الشرف والمروءة والفضائل غير أحاديث أوهام. قال هذا وهو يضحك ضحك الساخر، ثم أزاح البرقع عن وجهه، فرجع ذلك الشاب منزعجًا إلى الوراء وصاح قائلًا: أندريا!
فقال الفيكونت، وكان هو أندريا بعينه: نعم، أنا هو فهل تعرفني؟
– ربما.
– إذن، أَزِح البرقع عن وجهك، عسى أن أعرف مَن أنت كما عرفتَ مَن أنا.
– لم يَحِن الوقت بعدُ، وستعرفني عند العشاء.
– لماذا؟
– ستعلم ذلك فيما بعدُ.
ثم تركه ودخل إلى قاعة الرقص، فتبعه أندريا وهو يقول: عجبًا! يخال لي أني سمعتُ هذا الصوت ولا أذكر أين!
وبعد ذلك بهنيهة جلس جميع الحضور على المائدة، ورفعوا البراقع عن وجوههم حسب العادة المألوفة عندهم، فلم يَبْقَ منهم واقفًا ومستترًا غير ذلك الرجل الذي كان يحادِث أندريا على الشرفة.
فاستغرب الجميع وقوفه وتستُّره، وقالت إحدى النساء: نحن على المائدة الآن، فاجلسْ وأَزِح البرقع.
– لم يَحِن الوقت يا سيدتي، فإني آليت على نفسي أن لا أُعلِمكم بنفسي قبل أن أقصَّ عليكم حديثًا محزنًا مؤثرًا.
– أتقص أحاديث الحزن في مثل هذا المقام؟
– ولكنه حديث غرام.
– إذا كان حديثك عن الحب فلا بأس، فإن حديث الغرام شائق كيف كان.
– ولكنه محزن يا سيدتي، وإني أخشى أن لا يقع منكن موقع القبول، أو يكون له عليكن تأثير.
فصرخ الجميع قائلين: لا بأس، قُلْ.
فاسترعاهم السمع وقال: أنا صاحب هذه السيرة التي سأقصها عليكم، وقد جَرَتْ تلك الحادثة لي منذ سنين عندما كنتُ في ربيع شبابي ونضارة عمري، ذلك أن من الشبان مَن يعشق كثيرًا من النساء فيتصبى الواحدةَ حتى تحسبه أسيرَ غرامها، ويهيم بالثانية حتى تخاله قتيل هواها، يحن إلى هذه فتظنه وقع في شَرَك حبها، ويتشوق إلى تلك فلا تشك أن الوجد قد ملك قياده وصيَّره لها عبدًا، أما أنا فإني لم أحب إلا امرأة واحدة حبًّا طاهرًا مقدَّسًا، وكانت أول مرة دخل فيها الحب إلى قلبي لم أكن أحبها حبًّا، بل أعبدها عبادة.
وكانت معرفتي بها أني رأيتها في إحدى الليالي المظلمة راكعةً على عتبة باب الكنيسة تبكي وتستغفر الله عما جَنَتْه باستسلامها إلى شاب عشقته فخانها، وهربت إذ تبيَّنَ لها أنه مجرم لص سفَّاك.
فارتجف أندريا عند سماعه هذا الكلام، أما الشاب فلم ينتبه إليه بل اندفع في حديثه فقال: وقد أراد ذلك السفاك أن يسلبني إياها بعدما بحث وعلم أنها عندي، فدخل إلى منزلها دخول السارق، وبينما هو يحاول أن يفر بها وهي تصيح وتستغيث، إذ دخلتُ أنا وهي مغمًى عليها بين يديه.
فتطاعَنَّا بالخناجر، ولا أذكر شيئًا مما كان بيننا، ولا كم دامت تلك المعركة الهائلة، بل أذكر أنه طعنني بخنجره طعنةً سقطْتُ على إثرها لا أعي، ولم أستيقظ إلا بعد ساعتين فوجدتُ نفسي غريقًا في بحر من الدماء، وذلك السفَّاك قد هرب بمَن أحب.
قال هذا ونظر إلى أندريا، فرآه أصفرَ الوجه، والعرق ينصبُّ من جبينه، فعاد إلى حديثه فقال: ولبثت ثلاثة أشهر أقاسي عذاب النزع، وأنا بين الموت والحياة، ولكني كنتُ في عنفوان الشباب فتغلَّبَتْ قوى الشبيبة على تلك الحمى التي كِدْتُ أصل بها إلى الموت، وشفيتُ من مرضي، فقمت أطوف البلاد باحثًا عمَّن عشقتها نفسي وعن خاطفها، ذلك اللص الذي كاد ينزع حياتي بنزعها مني.
وما زلت أطوف حتى التقيت بها في منزل حقير بقرية من قرى إيطاليا وحيدة شريدة، وقد غدر بها وتركها بغير مستقبل وبغير مال، فماتت وا أسفاه بين يدي، وهي تبتهل إلى الله، وتسأل لقاتلها الغفران.
ثم أجال نظره بين الحضور الذين كانوا محدقين به كأن على رءوسهم الطير، وقد ذهب الضحك من أفواههم وتقطبت وجوههم، فقال: والآن، فإن هذا الرجل، بل هذا اللص، بل هذا السفاك، قد لقيته هذه الليلة منذ ساعة، وآنَ لي أن أنتقم لتلك المرأة التعيسة ولنفسي. نعم، لقيتُ هذا الخائن فهو هنا بينكم.
ثم أشار بيده إلى أندريا وقال: وهذا هو.
وبينما أندريا يثب عن كرسيه إذ أماط الشاب اللثام عن وجهه، فصرخ جميع الحضور: هذا أرمان النقاش.
أما أرمان فإنه لم يبالِ بانذهالهم، بل نظر إلى أندريا، وقال بصوت يتهدج من الغضب: أندريا هل عرفتني؟
وفيما جميع الحضور منزعجون يتوقعون عراكًا هائلًا بين الاثنين، إذ فُتِح الباب وولج منه رجل كهل بملابس سوداء، فتقدَّمَ إلى أندريا دون أن ينظر نظرةً إلى الحضور، وقال له: سيدي الفيكونت، إنك تعلم اشتداد وطأة المرض على أبيك الكونت فيليبون، وهو الآن على فراش الموت يريد أن ينظرك النظرة الأخيرة؛ لينال تعزيةً لم تنلها سيدتي والدَتُكَ.
فاغتنم أندريا هذه الفرصة للتخلص من موقفه الحَرِج، ونهض فودَّعَ الحاضرين بالإشارة فمشى.
أما ذلك الشيخ الذي جاء يخبره عن نزاع أبيه، فإنه مشى في إثره، وفيما هو يجيل نظره في الحاضرين إذ لاحت منه التفاتة إلى أرمان، فرجع إلى الوراء منذهلًا وقال: إلهي! ماذا أرى؟ إن هذه حقيقة رسم الكولونيل أرمان دي كركاز!
•••
أما الكونت فيليبون والد أندريا، فقد كان منذ ساعة مضطجعًا على فراش الآلام، وبالقرب منه خادم كهل قوي الأعصاب يهيِّئ له دواء.
فكان الكونت يقول لذلك الكهل: إني سأموت يا بستيان، ولم يَعُدْ لي بالحياة أقل مطمع، فهل شفيتَ غلَّكَ من الانتقام؟ إنك بدلًا من أن تقودني إلى المشنقة، وكان ذلك ميسورًا لكَ ولم يزل بوسعك، آثَرْتَ أن تكون دائمًا بقربي لأذكر بمرآك سابق أيامي، فكنتَ تجلُّني بلسانك وتحتقرني بقلبك، وتدعوني بمولاك وأنا لا أشعر بعذاب أشد هولًا من هذه الكلمة. أَلَم يرتوِ غلُّكَ إلى الآن؟ ألَمْ يَحِنْ لكَ يا بستيان أن تعفو عن ذنبي الذي عُوقِبْتُ فيه على الأرض، وسأُجزَى عنه في السماء؟
فقال بستيان: كلا يا مولاي، إن صوت ذلك الكولونيل لا يزال يصيح بك: «أيها التعيس، لماذا تزوجْتَ بامرأتي؟»
– ماذا تريد مني أيضًا؟ فإنك تراني أموت وليس بقربي أحد، حتى ولا ولدي.
– أريد أن أنتقم لتلك المرأة الفاضلة التي ماتت دون أن تتزود من وداع ولدها. أريد أن تموت أيضًا كما ماتت دون أن تنظر ولدك.
فاجتهد فيليبون أن ينهض من فراشه وهو يقول: ولدي … أريد أن أرى ولدي.
ولكن الضعف كان يمنعه، فلم يستطع حراكًا.
فأجابه بستيان: إن ولدك متبع أثرك، وهو مثلك فاسد الأخلاق بذيء الطباع، يرتكب كلَّ منكر ومحرم، ولكنه ولدك، ويسرك فيما أظن أن تنظر إليه النظرة الأخيرة قبل الموت.
فانهالت دموع الحنان من عينَيْ فيليبون، وقال: ولدي … دَعْني أنظر ولدي.
– إنك لن تراه أبدًا، فهو غائب عن القصر، ولا أحد يعلم أين هو سواي، فلا تطمع بمرآه.
– بستيان، أليس بقلبك رحمة؟
– لا تذكر الرحمة، أو قُلْ أين كان قلبك عندما قتلْتَ الكولونيل وابنه وامرأته؟
فتنهَّدَ فيليبون تنهُّدَ مجرم أُجبِر على الإقرار، وقال: نعم، إني قتلتُ أرمان دي كركاز بالرصاص، وقتلتُ امرأته التي صارت امرأتي من بعده بالحزن وسوء المعاملة، أما ابنه …
– أتنكر أيها الخائن أنك ألقيته عن سطح المنزل إلى البحر؟
– لا أنكر، ولكنه لم يَمُتْ.
– كيف ذلك؟ ألَمْ يَمُتْ؟
– كلا، فقد أنقذه الصيَّادون وذهبوا به إلى إنكلترا، وبعد أن ترعرع ذهب إلى إيطاليا، ومنهما عاد إلى فرنسا، وقد عرفتُ ذلك منذ ثمانية أيام.
– أين هو الآن، وكيف عرفتَ ذلك؟
فانقطع صوت فيليبون وقد بلغَتْ روحه التراقي، فدنا منه بستيان، وقال بصوت الآمِر: قُلْ كيف عرفتَ ذلك، وأين هو؟
– عندما خرجتُ المرة الأخيرة أتنزَّه، لقيت وأنا في المركبة، شابًّا يبلغ الثلاثين من العمر يمشي على مهل، وكانت المركبة تسير بي سيرًا بطيئًا، فتبيَّنْتُ وجه ذلك الشاب، فرأيته يشبه أرمان دي كركاز شبهًا تامًّا ضاع له رشدي، فتبعته وبحثت عنه، فعلمت أنه نقَّاش، لا يعلم من أمر مولده سوى أن الصيادين أنقذوه من الأمواج، وأنه كان يُدعَى أرمان.
فقال بستيان وقد طار فؤاده شعاعًا لهذا الخبر: أيها التعيس، إذا أحَبَبْتَ أن ترى ابنك، وأن لا يدنس اسمك بما عندي من البراهين، فأَرْجِعْ تلك الثروة التي تتمتع بها إلى ذلك الشاب، واكتب بيدك أنك سرقتها منه، وأنا أجده.
– لا حاجه إلى ذلك؛ إذ لا يحقُّ لي أن أَرِثَ أرمان دي كركاز إذا كان ابنه حيًّا، فما عليه إلا أن يُظهِر حقيقةَ مولده، فيُرجِع إليه الشرعُ ذلك المالَ.
– ذلك لا ريب فيه، ولكن كيف يتسنَّى له أن يُثبِت كونه ابن كركاز؟
فأشار فيليبون بيده إلى صندوق أمامه، وقال: إني لما رأيتني على فراش الموت تذكَّرْتُ سابق أيامي، فندمت على ما فرط مني، وكتبت تاريخ ذنوبي مضيفًا إليه جميعَ الأوراق التي تُثبِت نسب أرمان؛ ليكون هذا الإقرار كفارةً عن ذنبي.
فأخذ بستيان الصندوق، وأعطاه لفيليبون ففتحه بيد ترتجف، وأخذ منه ملفًّا من الورق فأعطاه لبستيان.
أما بستيان، فإنه أخذه والفرح ملء فؤاده، وقال: طِبْ نفسًا فسأجد الولد، والآن فإني أسامحك عما أذنبت به إليَّ، وسترى ولدك.
ثم تركه وانصرف فركب في مركبة، وقال للسائق: أسرع إلى فندق بيكال. (وهو المنزل الذي كانت فيه حفلة الرقص.)
وبقي فيليبون وحده يقاسي ألم النزاع وهو يلتهب شوقًا لرؤية ولده، فلم يمر على انتظاره ساعة حتى فُتِح الباب ودخل أندريا وهو بالملابس التي وصفناها، وكأنما الله اراد أن ينهي حياة هذا المجرم بالعذاب، فإنه لم يَكَدْ يرى ابنه بملابس الرقص حتى أدار وجهه إلى جهة الحائط، فتأوَّه وأسلم الروح قبل أن يتمكَّن ابنه من الوصول إليه.
فأخذ أندريا يده فلقيها باردة، فوضع يده على قلبه فوجده بغير حراك، فابتسم وقال: ها قد مات أخيرًا، وصارت لي وحدي تلك الأموال.
ولم يكد يتم عبارته حتى فُتِح الباب ودخل منه اثنان، أحدهما بستيان والآخَر أرمان، فنظر إليه بستيان شذرًا، وقال: إن هذه الأموال ليستَ لك، بل لكَ السجن الذي ينتظره أولاد مثل أبيك أيها التعس، فاعلم الآن أيها الفيكونت، أن أباك قد قتَلَ زوج أمك الأول، ثم رمى بأخيك الأكبر إلى البحر وهذا هو أمامك. أما أبوك، فقد ندم وهو على فراش الموت على ما اقترفه من الذنوب، فأَرْجَعَ الأموال المسلوبة إلى صاحبها، وأما أنت فلسْتَ الآن في منزلك، بل في منزل أرمان دي كركاز؛ فاخرج من هنا.
فنظر أندريا نظر الباهت المنذهل إلى أرمان، فأخذه أرمان ومشى به إلى شرفة تطل إلى الطريق فقال: انظر إلى باريس التي أردْتَ أن تستخدم ثروتك بها لإغراء النساء وإضلال الرجال، أما أنا وقد رجعَتْ إليَّ تلك الثروة، فسأنفقها لخير الأعمال، فاخرج الآن من هنا فإني سأجتهد أن أنسى كوننا ابنَيْ أمٍّ واحدة، كي لا أذكر إلا ذنوبك وتلك المرأة التي قتلتها، فاذهب من هذه المدينة واحذر أن أراك.
فمشى أندريا، وقد شعر بالغلبة، إلى أن بلغ الباب، فالتفت إلى أخيه وقال: إن الأيام بيننا، فإذا أردتَ أن تكون مثال الفضيلةِ، فسأكون رسول جهنم على الأرض، وستكون باريس معترك القتال.
ثم خرج وهو يضحك ضحك اليأس، ويتهدَّد السماء بقبضتيه.