الإرث الخفي - الفصل 5 - بقلم بونسون دو ترايل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الإرث الخفي
المؤلف / الكاتب: بونسون دو ترايل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 5

الفصل 5

مضى على تلك الحوادث الهائلة أربعة وعشرون عامًا، نعود بعدها إلى قص ما ستقفون عليه من حوادث، كان بدؤها في أواخر أكتوبر من عام ١٨٤٠. كان في إحدى ليالي هذا الشهر رجل يُحكَم عليه من لباسه أنه فرنسي الأصل، قطع نهر التيبر وسار إلى تراستاقر ماشيًا مشية الفاكر المتأني. وكان في عنفوان الشباب، له من العمر ثمانية وعشرون عامًا، جميل الهيئة حسن الوجه أسود العينين ذو جبين متجعد، يدل على شدة معاناة ذلك الشاب لمتاعب الحياة لندور الغضون في جباه الشبان. وكان يسير الهويناء في طريق ضيق إلى أن بلغ منزل قائم عند منتصف ذلك الطريق تعرش على جدرانه الدوالي الأيرلندية، وقد تهدلت أغصانها، واختبأت عناقيدها الذهبية تحت الأوراق، وكانت جميع نوافذ المنزل مغلقة، والسكوت سائدًا شاملًا، والنسيم بليلًا لطيفًا، والقمر تتماوج أشعته فوق الدوالي، فلا يُسمَع إلا حفيف الأوراق وتملمُل العناقيد. فوقف الشاب عندما بلغ الباب، وفتحه بمفتاح صغير كان في جيبه، فولج منه إلى دهليز ضيق إلى أن وصل إلى سلم طويلة من المرمر كان في أسفلها غرفة فدخلها، وقد استاء إذ لم ير بها أحدًا، فصعد السلم بمنتهى السرعة والقلق إلى أن بلغ إلى غرفةٍ، فوقف أمامها يلهث من التعب، وطرق الباب فسمع صوتًا لطيفًا من الداخل قال له: ادخل. فدخل ورأى صاحبة هذا الصوت مضطجعة على مقعد في تلك الغرفة المفروشة بأجمل الأثاث. وكانت الصبية على غاية من الجمال تكاد تبلغ العشرين من العمر، فمذ رأته نهضت مسرِعةً، وهرعت إليه تقول ببشاشة وارتياح: لقد طال غيابك يا أرمان، فإني أنتظرك منذ حين. فاعتذر لها أرمان وقال: إني كنتُ قادمًا إليك منذ ساعة، فأعاقتني زيارة رجل طلب إليَّ أن أنقش له تمثالًا، فكان ما كان من أمرٍ عاقني، ولكن ما لي أراك شاحبة اللون، وعليك ملامح التأثر الشديد؟ فاضطربت الفتاة وقالت: أنت ترد ذلك؟ فأجابها وقد أخذ يدها بين يديه، وجلس على المقعد بقربها: نعم يا حبيبتي مرتا، ويسوءني جدًّا أن أراك دائمًا قلقة البال ساهية الطرف واجفة القلب، كمَن يخاف أمرًا، ولقد رأيتكِ اليوم على ازدياد، فهل تريدين أن تُطلِعيني على كُنْه أمرك؟ فأجابت الفتاة: نعم يا أرمان، إنك مصيب بظنك، فلقد خفتُ اليوم كثيرًا؛ ولذلك أنتظرك على جمر. – ممَّن خفتِ؟ وممَّن تخافين؟ وكيف تخافين وأنا بقربك؟ فأسكتته الفتاة وقالت: إصغِ إليَّ يا أرمان واعمل برأيي، فإنه يجب أن نغادر روما، فإنك ظننت أني هنا بمأمن من مطارِدي، وتوهمت أنه لا يهتدي إليَّ بهذا الشارع المنفرد، ولكن ظنونك قد خابت، فإنه قد علم بوجودي بروما كما علم بذلك بفلورانسا، ويجب أن نخرج من هذه المدينة العظمى كما خرجنا من تلك. وبينما كانت تتكلم اعتراها اصفرار شديد، فسألها أرمان: أين هي فورترينا الخادمة؟ – إني أرسلتها كي تدعوك، فربما تكون قد سارت بطريق آخَر غير الطريق التي أتيتَ منها. – ربما، ولكني موجس ريبة من تلك المرأة التي أقمتها في خدمتك، وأمرتها ألَّا تفارقك على الإطلاق. – لا تظن سوءًا، فهي تؤثر الموت على خيانتي. فنهض أرمان، وجعل يمشي في الغرفة بخطوات غير موزونة تدل على قلقه وارتيابه، ثم نظر إليها وقال: ولكن ما الذي دعاك إلى طلب الرحيل؟ – قد رأيته. – مَن؟ – هو. ثم قامت إلى النافذة، وأشارت بأصبعها إلى باب على قارعة الطريق، وقالت: أمس رأيتُه بعد ذهابك من عندي واقفًا على هذا الباب وهو ينظر إلى منزلي بعين يتطاير منها الشرر، وما كنتُ أضأتُ المصباح في منزلي، ولكن القمر كان مضيئًا، فما وقع نظري عليه حتى صرخت من الرعب وأغشي عليَّ. وكأنها رأته إذ كانت تقص حكايته، فعاد إليها اضطرابها إلى حدٍّ خشي عليها من الإغماء، فأخذها أرمان بين يديه، وأجلسها على المقعد، ثم جثا أمامها على ركبتيه وقال: أتريدين أيتها الحبيبة أن تصغي إليَّ؟ أتريدين أن تتكلي عليَّ كما يتكل المؤمن على الله، وأن تثقي بي كما يثق الولد بابيه؟ فتنهَّدَتْ مرتا وقالت: نعم أيها الحبيب، قُلْ ما تشاء فليس لي سواك في هذا العالم، فإنك عضدي ونصيري وأبي وأمي، فعليك معتمدي في كل حال، وعليك اتكالي بعد الله. ثم أنهضته وأجلسته بقربها، فأخذ يدها بين يديه وقال: إني لقيتك منذ ستة أشهر جاثيةً عند منتصف الليل على باب الكنيسة باكيةً قانطةً وعيناك مرتفعتان إلى الأفق، فخلتُ أني أنظر ملاكًا هبط من السماء، وكنتِ تبكين وتبتهلين إلى الله أن يغفر لك، فدنوت منك وكلمتك بصوت لا أعلم في ذلك الحين إذا كان وجد طريقًا إلى قلبك الطاهر، ولكني أذكر أنك نهضت في الحال، واتَّكَأْتِ على ذراعي فتبعتني. وقد كنتِ على ثقة مني فأنقذتُكِ من الموت وقد كنتِ تطلبينه، وعوَّضتك عن اليأس بالأمل، فكنتِ حينئذٍ من أسعد الناس، وأنت فقد برئت بعض البرء مما كنت تقاسيه، أليس كذلك؟ قالت: نعم يا أرمان، فإنك شريف وإني أحبك. فتنهَّدَ أرمان وقال: وا أسفاه! ما أنا إلا نقَّاش بسيط ليس لي اسم ولا لقب ولا موطن، فلقد وُجِدتُ في البحر، ولي من العمر خمسة أعوام، وأنا معلق بما لا أعلم، أصادم الأمواج بالرغم من حداثتي، وإني وإن أكن مثريًا فإن صناعتي كافية للقيام بأودي وأودك، وسأجعلك امرأتي بأقرب حين، ولكن لكي أحميك أَلَا يجب أن أعرف اسم عدوك وأطَّلِع على سرك؟ مَن هو هذا الرجل الذي يطاردك، وكيف لا تخبرينني عنه، أَلَا تظنين بي الكفاءة لحمايتك منه؟ فأطرقَتْ مرتا إلى الأرض، وقد احمرَّ خدَّاها من الخجل، ثم جعلت تختلج، وقد تبدلت تلك الحمرة باصفرار شديد كمذنب اضطر إلى قرار يخاف منه، فقال لها أرمان بصوت محب حنون خرج من صدره كمَن يجهش للبكاء: حبيبة قلبي، لا تكتمي عني أمرًا مهما كان من أمر ماضي حياتكِ، فإن ذلك لا يؤثِّر شيئًا على حبي لكِ الذي لا تضعفه قوةٌ في هذا العالم. فرفعت عند ذلك رأسها وقالت: وا أسفاه! إذا لم يكن الحب ذنبًا فلا أخجل لماضي حياتي. نعم، لقد أحببتُ حبًّا نقيًّا طاهرًا رجلًا فاسد الأخلاق لئيم دني الطبع، خُدِعت به وخلته شريفًا ولا جرم، فقد كان لي من العمر سبع عشرة سنة، فاستغواني وسرقني من بيت أبي، ولكن شهد الله أني ما لبثت أن عرفت ما انطوى عليه من الخسة واللؤم حتى هجرته وهربت منه. فوقف أرمان متأثرًا وقال: قسمًا بحبك إني سأقتل هذا التعيس. فأجلسته مرتا وقالت: أصغِ أيها الحبيب، فإني سأقص لك أمري مع هذا الفاجر. فجلس أرمان وعادت هي إلى حديثها فقالت: إني ولدت في بلوا من أب تاجر غني وأم من الشرفاء، وقد ماتت أمي وأنا في العاشرة من عمري، فبعث بي أبي إلى الدير، وحين بلغتُ السابعة عشرة خرجت من الدير، فلقيت ذلك الرجل الهائل. وكان أبي قد ترك التجارة، وانسحب من الأشغال بثروة عظيمة، فمذ خرجتُ من الدير ترك مدينة بلوا وذهب بي إلى أرض جميلة له في أورليان، وهي تبعد بضعة فراسخ عن بلوا. وكان على بعد ساعة من منزلنا قصر جميل لضابط إيطالي الأصل فرنسي التبعة، كان يُدعَى الكونت فيليبون. وكان هذا الكونت يصرف مدة الصيف في هذا القصر مع امرأته وابنه الفيكونت أندريا، أكبر مجرم ظهر على وجه الأرض من أيام آدم وحواء. أما الكونت فإنه كان رجلًا حاد المزاج شرس الأخلاق، بعكس امرأته التي كانت مثال اللطف والدعة، والذي ظهر لي أنه كان يسيء إليها إساءة شديدة أثَّرَتْ شر تأثير على مزاجها اللطيف، فإن رائيها كان يظنها في الثمانين من عمرها مع أنها لم تبلغ الخمسين. وكانت علائق الوداد بين الكونت وبين أبي متينة، فذهب بي يومًا إلى قصره حيث عرفت الكونتسة التي أحبتني بحنان وإشفاق، فصرت أزورها في كل يوم وهي تزداد نحولًا، ولكنها كانت تتعزى بقربي منها بعض العزاء. فما مضى على ذلك شهر حتى تبيَّنْتُ أنها عائشة مع زوجها كغريبين في هذا القصر، وعرفت ابنها الفيكونت أندريا، فتبيَّنَ لي أيضًا أنه لا يحب أمه على الإطلاق. لم تزل تلك المرأة الفاضلة تزيدها العزلة وهنًا والأحزان ذبولًا حتى دنت ساعتها الأخيرة وأحست بالنزع الشديد في ليلة برد هواؤها وأظلم جوها، وهي تقاسي ألم النزع وحدها؛ لأن زوجها وابنها كانا في الصيد. فبعثَتْ تدعوني إليها، فأتيت على الفور ورأيتها مسجاة على فراشها تختلج، والكاهن بقربها يصلي صلاة الموت، وبعض الخدم رُكَّع يبكون. وكانت تبحث عبثًا بنظرها الملتهب عن ابنها، ففاضت روحها الطاهرة في الساعة العاشرة، وكانت آخِر ما قالت: «أندريا يا أيها الابن العقوق.» وأذكر أني سمعت خادمًا طاعنًا في السن قال بصوت منخفض: «إن الفيكونت هو الذي قتل أمه.» وبعد موتها بيومين عاد الكونت وابنه إلى القصر، وكان الفيكونت يكاد لا يفارق منزلنا، فلم يمضِ على هذا الائتلاف ثلاثة أشهر حتى استعضنا باللسان عن العين في نقل أحاديث قلبينا، ولا أعلم كيف دخل حبه إلى قلبي، ولا كيف فُتِنْتُ به بعد أن علمت أنه كان السبب في موت أمه، بل أعلم أنه مرت بنا ساعة آمنتُ به كما تؤمن الملائكة بالله، فاستسلمت إليه، وضحيت — وا أسفاه — نفسًا زكية على هيكل ذلك الحب الفاسد. ومما كان يقوله لي بعد ذلك: مرتا إني أقسم لك بما تريدين من الأيمان أني سأتزوج بك. كنتُ عندما ألحُّ عليه بوفاء وعوده كان يتعلل برفض أبيه؛ لما بين عائلتينا من التفاوت في الغنى، ويقول: إن ذلك لا يكون قبل وفاة أبي، وقد اتَّخَذَ من هذا الحاجز حجةً على وجوب هربنا، فقال لي يومًا: أَلَا تذهبين معي إلى إيطاليا فأتزوج بك فيها؟ – وأبوكَ؟ – إنه يغضب حينًا، ثم لا يلبث أن يرضى. – وأبي؟ – سندعوه إلينا. – إذن فَلْنخبره بما عزمنا عليه، فهو لا يرفض إذا اعترفتُ له بما كان بيننا، ولئن يكون معنا أجدر بنا وأشرف لنا من أن نكون وحدنا. فأطرق برهةً وقد ظهرت عليه علائم الارتباك، ثم قال: ذلك لا يكون أبدًا، وعلينا بذلك الإقرار خطر شديد؛ فإن أباك شديد المحافظة على الشرف، فلا آمَن عليكِ منه إذا اعترفتِ له بما كان، وإذا صفح عنك فهو لا يشترك معنا بخداع أبي، ولكن متى علم الاثنان بارتباطنا الشرعي، وعلم أبي أن لا حل لذلك العقد فهو يصفح عني؛ لأني وحيده كما تعلمين، وله بي مبرة وإشفاق. وكان ذلك جل ما تتوق إليه نفسي، وأنا أعتقد به الصلاح والإفراط في حبي، فقبلت بما اقترحه عليَّ، وكتبتُ إلى أبي كتابًا كادت تمحو سطورَه دموعي، ثم سِرْتُ مع مَن عشقَتْه نفسي في ليلة حالكة الأديم تكاد تكون أشد سوادًا من حظي، فبلغنا مدينة ليلان بعد ٨ أيام. فاستأجر منزلًا رحبًا، وتعرف بأشراف ميلان الذين كان يقدمني إليهم كامرأته، فعاش فيها عيشة بذخ وإسراف كانت أعظم وسيلة لتقربه من أشراف تلك المدينة وحسن علائقه مع أعيانها. وكنتُ دائمًا ألحُّ عليه أن يكتب إلى أبي ويدعوه إلى المجيء إلينا، فكان يماطلني في ذلك إلى أن قال لي يومًا: قد وصلني كتابٌ من أبيكِ وأبي يدلان على سخطهما علينا، فلا أستطيع الآن أن أكتب إلى أبيك في هذا الشأن، وَلْنصبر إلى أن تهدأ ثورة غضبهما. فامتثلتُ لما أمر، وصبرتُ كما صبر، أما مسألة الزواج فكان يتجنَّب المباحثة فيها إلى أن أعياني الأمر، فكتبتُ إلى أبي رسائل جمة لم تصله واحدة منها؛ لأن أندريا كان يأخذها من الخادم كما علمتُ ذلك بعد حين. ثم إني ألححتُ عليه يومًا في طلب القران، فأخرج من جيبه كتابًا، وأعطاني إياه وهو يقول: إن أبي قد طعن في السن، وهو سيموت عن قريب، فأتزوَّج بكِ. أما الكتاب: فكان من أبيه، وهذا مفاده: إنكَ مخطئ يا بني بإساءتك إلى تلك الصبية وإغرائها على الفرار معك، ولكني أؤمل أن لا تقترن بها، فإن بين نسبيكما ودرجتيكما بونًا عظيمًا، وفوق ذلك فإني توفَّقْتُ ووجدت لكَ عروسًا موافقة، فأسرع بالعودة ودَعْ تلك الفتاة تعود إلى منزل أبيها. فسقط الكتاب من يدي مما نالني من الضعف، وقلتُ له: على ماذا عوَّلْتَ؟ – على أن ننتظر. – ماذا تنتظر؟ – موت أبي، فإني أعرف طباعه، فإذا عصيتُ له أمرًا فهو يحرمني من إرثه لا محالة. ثم تركني وانصرف ضاحكًا كأن لم يكن شيء. ومن ذلك اليوم ابتدأتُ أن أعلم أنه يريد أن يتخذني خليلة له لا حليلة، فأُصِبْتُ بحمى ضعضعت حواسي أيامًا طويلة، ثم نقهت من دائي فذهبت من يوم برئي إلى كاهن، واعترفت له بجميع ما كان، فأملني بعفو الله عني، وأمرني أن أغادر هذا الرجل وأن أعود إلى أبي، فخرجت من حضرته وقد عزمتُ على أن أمتثل لأمره، وذهبت إلى منزله فأخبرته باعترافي إلى الكاهن، وبعزمي على الرحيل، فلم يحفل بطلبي وقال لي ببرود: إلى أين؟ فأنست من سؤاله عدم الاهتمام، وثارت بي الأنفة والأبوة، فقلتُ بعظمة وكبرياء: إني سأذهب إلى بيت أبي. فتصنَّعَ الاضطراب وقال: أبوكِ؟ قلتُ: نعم أبي، وهو سيصفح عني ويغفر لي ذنبي لا ريب متى علم كيف كان خداعكَ لي. فتنهَّدَ وقال بصوت الحزين الآسِف: وا أسفاه! إني أكتم عنكِ من زمن طويل أمرًا لم أكن أجسر على إطلاعك عليه لرقة عواطفك، ولخوفي عليك من تأثير الأحزان، ولكني لا أجد الآن بدًّا من إيقافك على ما كنتُ أكره أن أوقفكِ عليه؛ لأنك عزمت عزمًا ثابتًا على فراقي. ثم أخذ من جيبه كتابًا عليه إطار أسود وقدَّمَه لي، فأغمي عليَّ بعد أن اطَّلَعتُ عليه، وكان هذا الكتاب — وا أسفاه — ينعي أبي الذي مات من الحزن لأجلي، والذي لم يقتله سواي. قالت هذا واتكأت على صدر أرمان تبكي بكاءً مؤلمًا، فجعل يعزيها ويلاطفها إلى أن هدأت ثورة أحزانها، فعادت إلى تتمة حديثها فقالت: قلتُ لكَ إن أبي قد مات ولم يكن لي سواه في هذا العالم، فمذ رأيتني فريدة شريدة لا ملجأ لي ولا نصير غير أندريا الذي كان حبه لا يزال متمكنًا من قلبي، رجعت عن سابق عزمي، وعولت على البقاء معه، وأنا أرجو أن يرق لمصابي ويفي بوعوده لي، فصرفت الشهور الأولى من حدادي وهو يتودد إليَّ ويعاملني بلطف وحنان، ولكنه لم يلبث بعد حين أن غلبه الطبع وعاد إلى معاملتي كخليلة، فقطعت كل رجاء، وعلمت أني كتبتُ أمالي على صفحات الماء. وربما كان يحبني، ولكن حبه لي كان أشبه بحبه لكلبه أو لحصانه أو لمتاع يملكه، ثم أدركه الملل فجعل حبه يتلاشى شيئًا فشيئًا إلى أن زال تمامًا، وقام مقامه الجفاء والقسوة. ولا بد أنك تستغرب بقائي على حبه بعد ما ظهر لي من قسوته، وبعد ما تيقَّنْتُه من جفائه، فإني كنت معه على حد قول الشاعر: أدعوه إلى هجرةِ قلبي فيتبعنيحتى إذا قلتُ هذا صادقٌ نزعَا ولكنه كان يزدني جفاءً في كل يوم، وآخِر ما كان منه أنه علق ببائعة زهر لقيها على باب أحد المراسح فشنفت قلبه، وانقطع اليها حتى سئمتُ الحياة، وعزمتُ عزمًا ثابتًا على الهرب، ولكن كيف أفر؟ وإلى أين؟