الفصل 64
لِنَعُدِ الآن إلى السفينة، فلقد غادرنا أندريا منقلب السحنة منذعر الفؤاد حين طلع عليه الكونت أرتوف، وهو يحسب أن فانتير قد قتله كما أخبره روكامبول، فلما رآه ضاع صوابه وجعل يقلِّب طرفه بين الكونت وباكارا وينظر إليهما نظرات اليأس؛ لما كان يعلمه أن اجتماع هذا الكونت بالربان يقضي عليه، فعلم للحال أنه وقع في الشَّرَك الذي نصبه، وساد سكوت هائل بين الثلاثة، فلم يتكلموا إلا بالنظر.
ولقد كان يجول في ذهن أندريا إلقاء نفسه إلى البحر والفرار، أو الهجوم بخنجر على باكارا أو الانتقام منها بالقتل، إلا أنه لم يستطع تنفيذ شيء من ذلك؛ لأن قوته قد تلاشت وفقد رشده شأن كبار المجرمين حين يُباغَتون بخطر لا يتوقعونه، فبدأت باكارا الحديث فقالت بصوت هادئ ثابت خرج من فمها كالقضاء المبرم: لقد دنت ساعة العقاب يا حضرة الفيكونت أندريا، ويا جناب السير فيليام.
فرفع أندريا رأسه وحاول أن يجيب، فانقضَّ عليه الكونت أرتوف انقضاض الصاعقة، فقبض على عنقه بيد من حديد ووضع خنجره على صدره ينذره بالموت، فجعل أندريا يصيح بصوت مختنق: إليَّ … يا جون … إليَّ أيها البحارة، ثم حاول أن يجرِّد خنجره، فلم يخرج نصف نصاله حتى ألقاه الكونت على الأرض ووضع ركبته فوق صدره، ولم يَعُدْ يستطيع حراكًا.
وعند ذلك أتمت باكارا حديثها فقالت: لقد قلتُ لكَ ياحضرة الفيكونت إن حبك الفاسد لهذه الفتاة اليهودية كان السبب في سقوطك، فلقد أشركْتَ في اختطافها جون إيرد وروكامبول، وعهد هذا الأخير شريكك بالآثام إلى فانتير أن يقتل الكونت، ولكن فانتير خانكم جميعًا وكان ذلك بقضاء من الله كي تنقطع شرورك من الأرض.
فأَنَّ أندريا أنين الموجع السقيم، وجعل الزبد يخرج من شدقيه، فقالت باكارا: كان جون إيرد شقيًّا لصًّا مثلك، ولكنه كان له بين جنبيه قلب يعرف الامتنان، وقد أحسن إليه الكونت فأخلص له وانقلب من خدمة اللصوص إلى خدمة الأشراف، أعلمتَ الآن كيف وقعتَ في الشَّرَك؟
وقال له الكونت: إنك تستغيث فلا يغيثك أحد، وتطلب الإشفاق عليك فلا تجد مشفقًا؛ لأنك لم تشفق على أحد، فاستسلم للموت فسينفذ فيك قضاء الله. وعلم أندريا أنه مقضي عليه، فجعل يستعطف ويقول: رحماكم.
فقالت له باكارا وهي تبتسم ابتسام المتهكم: ألعلك كنتَ رحمتني لو وقعتُ في قبضتك؟
فهاج الحقد بصدر أندريا حتى أنساه موقفه الحاضر وقال: كلا.
– أما أنا فلو كنتَ أسأتَ إليَّ وحدي لكنتُ صفحتُ عنك، غير أن الذين أسأتَ إليهم كثيرون.
فلمعت عيناه ببارق من الأمل وعاد إلى التوسل والاستعطاف.
غير أن أمله لم يَطُلْ فإن باكارا قالت: لستُ أنا التي أحكم عليك الآن، بل الكونت أرتوف، بل جميع أولئك الذين أسأتَ إليهم، فانظر.
وحين قالت هذا القول أُزِيح الستار عن باب الغرفة، فارتعش أندريا حيث إنه رأى على مقعد طويل المركيز فان هوب، وعلى يمينه الكونت مايلي، وعلى يساره فرناند روشي، ووراءهما ليون ورولاند والفيروزة التي جُنَّتْ وهي تضحك وتبكي في حين واحد، وبالقرب منها الفتاة اليهودية.
فلما رأى أندريا هذا المنظر الهائل صاح يقول: رحماكم!
نظرت باكارا إليه وقالت: هم أولاء الذين أسأتَ إليهم قد أصبحوا قضاتك الآن. ثم نظرت إليهم جميعهم وقالت لهم: مَن أراد منكم أن يعفو عن هذا الأثيم فَلْيرفع يده؟ فلم يرفع يده بينهم غير الفتاة اليهودية. فقالت باكارا: انظر إلى هذه الفتاة التى أردتَ أن تدنسها، فإنها وحدها التي صفحَتْ عنك، ولذلك فإنك لا تموت، ولكنك إذا سلمتَ من الموت فلا تسلم من العذاب.
وعند ذلك تولَّى الكلام عنها الكونت أرتوف فقال: نحن الآن في البحر، وصاحب هذه السفينة حاكم فيها تطيعه النوتية كما تطيع الجنود قوادها، وأنت أيها الخائن قد اخترعت لنفسك العقاب، فستفذف بك هذه السفينة إلى أحد شواطئ جزيرة المركيز، فتلقى من توحُّش قبائلها جزاء ما جَنَتْه يداك، غير أنه لما كنتَ قادرًا على الشر بحيث يُخشَى لفرط دهائك أن تفلت من السفينة وتعود إلى أوروبا، ثم لما كان الأفعى ينزعون أسنانها حين يخشون نفث سمها القاتل، فقد رأيت أن أنزع منك تلك القوة كي لا يكون لك بعد ذلك سبيل إلى الشر. ثم تكلَّمَ كلامًا باللغة الروسية، فدخل الروسيان اللذان عرفهما القراء في حادثة روكامبول حين ألقياه في النهر، وكان أحدهما يحمل غدارة محشوة والآخَر يحمل موسى، فأمرهما الكونت فقبضا على أندريا، ثم تراجع فجلس على المقعد الذي كان يجلس عليه فرناند ورفاقه، فقال الكونت: إنكَ كنتَ تغري النساء بجمالك، وتغري رجالك بفصاحة لسانك، فسيُشوَّه هذا الوجه ويُقطَع هذا اللسان كي تصبح عبرةً لبني البشر.
وفيما هو يقول ذلك إذ دخل جون إيرد وقال: أَسرِعوا فلقد أقبلوا!
فقال الكونت: مَن هم؟
– لا أعلم، إني رأيت أربعة رجال يسرعون إلى سفينتي بقارب.
قالت باكارا: لعله أرمان.
فهاج الحقد بصدر أندريا وقال: إن أرمان قد قُتِل.
فذعر الجميع لهذا النبأ، ما خلا الكونت وباكارا، فإنهما كان يحسبان أن روكامبول قد مات.
قال لهم أندريا: إنكما تحسبان روكامبول ميتًا، وقد نجا من الكيس الذي ألقيتماه في نهر المارن، وقتل الكونت منذ ساعةٍ وفَرَّ.
فذعرت باكارا وقالت: إذا كان ما تقوله صحيحًا فاستعد لأفظع موت. ثم خرجت مسرعة إلى ظهر السفينة، فأخذت منظار الربان ونظرت به إلى القارب، فرأت أرمان فيه على نور المشاعل: فرجعت مسرورة الفؤاد وقالت: كذبتَ أيها الخائن، فهو ذا أرمان قد أتى ولكنه أتى بعد فوات الأوان، فلا تؤمل أن يشفع بك.
وعند ذلك أصدر الكونت إشارةً إلى خادمَيْه الروسيين، فسقط الستار بين الحاضرين وبين أندريا؛ إذ لا يجب على القضاة أن يحضروا تنفيذ العقاب.