الفصل 63
لقد تركنا أرمان وروكامبول يتلاحمان على ضوء المشاعل التي كان ينيرها الخدم، وكان روكامبول معتمدًا في مبارزته على الضربة الإيطالية التي تعلَّمَها وهو واثق من التغلُّب على الكونت، فكان يقاتله بسكينة وبرود خلافًا للكونت، فإنه كان هائجًا أشد الهياج، فلما ضاق ذرع روكامبول ورأى أن خصمه خبير بفنون القتال، وأنه يوشك أن يتغلَّبَ عليه، عمد إلى الضربة الإيطالية إلا أنه ما لبث أن بدأ بمقدماتها حتى علم الكونت قصده وصاح به: خسئتَ أيها الغادر، فإني تعلَّمْتُ هذه الطعنة قبلك. ثم انقضَّ عليه انقضاض الصاعقة وضربه ضربة شديدة وقعت في أعلى صدره، فصاح روكامبول صيحة ألم وسقط على الأرض.
وعند ذلك رمى أرمان سيفه إلى الأرض وسكن ثائر غضبه، فأسرع إلى خصمه فضمد له جرحه وأمر الخدم أن يحملوه إلى غرفة في فناء القصر، ثم أمر أحدهم أن يسرع بإحضار الطبيب وكأنه قد نسي جميع ما كان من خصمه، فجلس بإزاء سريره يعتني به ويعامله معاملة الصديق الرءوف.
ولما حضر الطبيب كان روكامبول مغميًّا عليه لفرط ما نزف من دمائه، فاستفاق من إغمائه وسمع الكونت يسأل الطبيب: ألعل الجرح خطير؟
– إنه شديد الخطورة يا سيدي، قد يفضي إلى الموت.
ورأى الكونت أن روكامبول قد فتح عينيه، فأشار للطبيب بالصمت.
ودنا الطبيب وجسَّ نبض روكامبول ثم أشار لأرمان أن يتبعه، فتبعه إلى نهاية الغرفة وجعل يحادثة بشأن الجريح.
أما روكامبول فإنه اضطرب اضطرابًا شديدًا من الموت، وذكر أن أندريا كان السبب في جميع ما أصابه من الشدائد، وما يلقاه الآن من خطر الموت، فحقد عليه وقال في نفسه: لا بد لي من الانتقام من هذا الرجل الذي لم يقتلني غير مبالغتي بالاعتماد عليه، فكان يتنازعه عاملان وهما الخوف من الموت وكره أندريا الذي جرعه هذا الكأس.
وفيما هو على هذه الحالة من الاضطراب، دنا الكونت من سريره وقد فرغ من محادثة الطبيب وقال له: كيف أنت الآن؟
فأجابه روكامبول: أوَدُّ يا سيدي الكونت أن أخلو بك ساعة فأبوح لك بسر خطير لا أحب أن ينزل معي إلى القبر.
فأشار أرمان إلى الطبيب فانصرف وقال لروكامبول: قل فإني مصغٍ إليك.
– إني سمعت الطبيب يا سيدي يقول أن ساعاتي باتت معدودة، فأردت أن تعرف مَن أنا وكيف اتصلت بك قبل أن أموت، فاعلم يا سيدي أني لست المركيز دون إينجو، وما أنا من أهل البرازيل.
فسأله أرمان منذهلًا: إذن مَن أنت؟
– إني الآلة المنفِّذة لأغراض رجل يدعونه الآن السير أرثير.
فاضطرب أرمان لأنه ذكر أنه سمع هذا الاسم، وتابع روكامبول: وأنا يا سيدي الذي تبارزت مع فرناند روشي، وكان اسمي في ذلك الحين الكونت دي كامبول، وحملت فرناند مع السير أرثير إلى منزل الفيروزة، ثم قصَّ عليه جميع ما جرى في منزل الفيروزة إلى أن أخبره كيف أن باكارا أحبطت جميع مساعي السير أرثير واضطرته إلى الفرار.
فاضطرب أرمان وقال له: مَن هو أرثير هذا؟ وكيف لم يعلم بآثامه أخي؟
فابتسم روكامبول وقال له: أصغِ لي يا سيدي، فإن السير أرثير هذا كان له كثير من المشروعات الأثيمة، وقد أشركني في جميع آثامه، فكان الرأس المرشد وكنتُ اليد العاملة، وقد خطر له يومًا أن يدع المركيز فان هوب يقتل امرأته كي يزوِّجه بابنة عمه الهندية.
– كيف ذلك؟ أهي تلك المرأة التي وُجِدت ميتة في قصرها أمام عشيقها الذي قتلته؟
– لقد خُدِعتم يا سيدي، فإن هذا العشيق الكاذب لم يكن إلا أنا، ولم يكن الذي طعنني بالخنجر غير السير أرثير. ثم ذكر له تفاصيل جميع هذه الحكاية، وهو يذكر له أندريا باسم السير أرثير، إلى أن تولَّد الشك في نفس أرمان فقال له وقد فرغ صبره: مَن هو أرثير هذا؟ ومن أين أتى؟
– سأشرح لك عنه ما تريد، فأمهلني إلى أن أتمَّ حديثي، واعلم أن هذا السير عندما حبطت جميع أمانيه بقي له رجاء واحد، وهو أن يتزوَّج السيدة حنة دي كركاز متى أصبحت أرملة، ولهذا قد علَّمَني هذه الطعنة الإيطالية وأمرني أن أقتلك.
وصاح أرمان صيحة رعب مما سمع، وعاد روكامبول إلى حديثه فقال: واعلم يا سيدي أني ما تجاسرت على حب السيدة دي كركاز ولا رفعت إليها نظري مرةً لحسابي الخاص.
فقال أرمان بصوت يضطرب: إذن ما هذه المبارزة مع أخي أندريا؟
– أمعِنْ بي النظر يا سيدي لعلك تعرفني، وسأعينك على معرفتي، أَلَا تذكر تلك الليلة في بوجيفال حين وضعتَ خنجرك على عنقي وطلبت إليَّ أن أرشدك إلى حيث تقيم حنة وسريز؟
فذكر أرمان للحال تلك الليلة الهائلة وقال: لقد عرفتك فأنت روكامبول.
– نعم يا سيدي، وأنا أيضًا ذلك الرجل الذي كان بين خدمك، والذي كان يركب وراءك في المركبة حين لقيت أخاك أندريا منطرحًا على الطريق كأنه على وشك الموت، أما السير أرثير فقد كان يُدعَى من قبلُ السير فيليام، وأنت تعلم أن السير فيليام هو الفيكونت أندريا.
وصاح أرمان صيحة منكرة وكاد يسقط من فرط تأثُّره.
فقال روكامبول: وهو يا سيدي الذي يعلِّمني الطعنة الإيطالية منذ ثلاثة أشهر، وهو الذي دلَّنِي منذ ساعتين على الطريق التي أصل بها إلى غرفة امرأة أخيه.
فذكر أرمان جميع ما قالته له باكارا عن أندريا وقال: تبًّا له من خائن.
– إن ما قلتُه لكَ يا سيدي صحيح لا ريب فيه، على أنك إذا كنتَ مرتابًا في صحة ما قلتُه فإن لديَّ برهانًا دامغًا، ولكني لا أقوله لك مجانًا بل أبيعك إياه بيعًا، ولا تحسب يا سيدي أن الندامة دعتني إلى الإباحة بأسرار أندريا، بل هو الانتقام؛ لأني ما أحببت أن أموت وحدي.
فقال أرمان: إذن قُلْ برهانك.
– إن باكارا مهدَّدة الآن بخطر هو شر من الموت، فإذا بُحْتُ بهذا السر سلمَتْ من الخطر، وإلا فإنها تقع في شَرَك السير فيليام.
– أسرِعْ وقُلْ ما تريد ثمن هذا السر.
– أن تعدني أولًا أنه إذا أخطأ الطبيب ولم أمت فلا تسلمني إلى الشرطة.
– أقسم لك بشرفي على أن تخرج من منزلي حرًّا.
– ثانيًا أن تعطيني يوم أخرج من منزلك مائة ألف فرنك وجواز سفر إلى إنكلترا.
– سأعطيك ما طلبتَ فقُلْ.
فأخبره عند ذلك بجميع ما كاده أندريا لباكارا، وأنهما لا بد أن يكونا الآن في سفينة الربان الإنكليزي.
فهلع فؤاد أرمان من الخوف على باكارا، ونادى أحد الخدم وطلب إليه أن يسرج له جوادًا في الحال، وبعد عشر دقائق ركب جواده وسار ينهب به الأرض إلى الميناء. فقال روكامبول في نفسه: مُتْ أيها الشقي وعزائي أني لا أموت وحدي.