التوبة الكاذبة - الفصل 61 - بقلم بونسون دو ترايل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: التوبة الكاذبة
المؤلف / الكاتب: بونسون دو ترايل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 61

الفصل 61

وبينما كان الكونت وروكامبول يتبارزان، كان أندريا يسير آمنًا مطمئنًا إلى سانت مالو وهو يلتفت من حين إلى حين إلى قصر كارلوفان، فيخفي البعد أنواره حتى احتجبت تلك الأنوار عن عينيه، فقال في نفسه: هو ذا قد انطفأ آخِر نور من عائلة كركاز. وابتسم ابتسام الأبالسة وهو يقول: لقد ظفرتُ بعد صبري الطويل. ثم نظر إلى جهة البحر فرأى أن سهمًا ناريًّا عقبه أسهم جعلت تشق كبد السماء، فانتعش جسمه من الفرح وقال: هو ذا الربان قد ظفر بباكارا وحبسها بالسفينة، وهذه الأسهم هي الإشارة المصطلح عليها بيننا. وانطلق مسرعًا إلى الميناء وعزم على أن يذهب إلى السفينة في أول قارب يصادفه، ولما مشى قليلًا سمع صوت رجل يناديه، ونظر إليه منذهلًا فإذا هو جون إيرد ربان السفينة، فحيَّاه الربان باحترام وقال له: قد أتيتُ لأذهب بك إلى السفينة فإنهم ينتظرون فيها. ففرح أندريا وقال: أَوَقَعَ الطير في الشَّرَك؟ – نعم، بحسن تدبيرك. – كيف رأيت جمال باكارا؟ – إنها تستحق أن تكون ملكة لتلك القبائل المتوحشة الذاهبة إليها. – بل إني أؤثر أن يمزِّقوها حية ويولموا عليها الولائم. – ربما كان هذا نصيبها، أفلا تزورها وتودِّعها بكلمة؟ – إني ما أتيت إلا لهذا. امض بنا. ثم ركب الاثنان قارب السفينة وجرى بهما حتى بلغ إلى السفينة، فصعد إليها فقاده الربان إلى قاعة فيها وقال له: فسأرسل إليك باكارا. ولم يمضِ هنيهة حتى دخلت باكارا وقالت له: أهذا أنت يا سيدي الفيكونت؟ فضحك أندريا ضحكًا عاليًا وقال لها: لستُ بسيدك الفيكونت، بل أنا السير فيليام الذي عرفتِه من قبلُ. فنظرت إليه باكارا باحتقار وقالت له: إني أعرف أن تلك التوبة لم تكن غير كاذبة، وأن نار انتقامك كانت كامنة تحت رماد الغش والتدليس، ثم إني أعلم أن هذا الرجل بل هذا الوحش الضاري الذي أحبطت جميع مساعيه الشريرة وأمانيه الأثيمة يكرهني إلى أن يتمنى لي الموت. – لقد أصبتِ أيها العزيزة، فإن جميع الذي لفظتِ به حق لا ريب فيه. – وإني أعلم أيضًا أنه اختطف تلك الفتاة التي كنتُ أربِّيها في منزلي، وكان يحبها حب الفجَّار الفاسقين. – إنها جميلة هذه الفتاة، وإن مدام فيبار ستربيها في باريس بدلًا منك. فقال له ربان السفينة الذي كان يسمع الحديث: لقد أخطأتَ يا حضرة السير فيليام؛ لأن الفتاة ليست في باريس بل هي في سفينتي. ونظرت باكارا إلى أندريا فرأته يصفر ويضطرب، فقالت له بلهجة الهازئ: لقد صدق المثل القائل إن لكل صارم نبوة، فلقد كنتَ رجلًا لا يحتفل بالنظام الإنساني ولا يكترث للشرائع المقدسة، ولا قيمة لديه لحياة الناس، بل كنتَ تمشي إلى غايتك لا تلوي عنها مشي الظل الزاحف، فما كنتَ تجد في سبيلك حجر عثرة تصدك عن قصدك، غير أن الله نظر إلى شَرِّك وأراد أن يوقفك عند حدٍّ في آثامك، فوضع نصب عينيك هذه الفتاة التي كان يضطرب لها فؤادك على خلوه من عواطف الإنسان. فضحك أندريا أيضًا وقال للربان: إذا كانت الفتاة هنا، فلماذا لا تحضرها لي لنسمع حديثها بدلًا من حديث هذه المرأة؟ فأجاب: ها أنا ذاهب لإحضارها. ولما خلا أندريا بباكارا قال لها: لقد خسرتُ بمسألة فرناند خمسة ملايين، ولو لم أتمكن من الفرار لكنتُ قتلتكِ. – كان ينبغي أن تُقتَل. – ربما، ولكني لم أجد بدًّا من مكافأتك، فلقد أعددتُ لك جزاءً غريبًا، أتعلمين ما هو؟ وردَّتْ باكارا دون اكتراث: كلا، فما هو؟ – إنك الآن في سفينة تُدعَى فولر، ربانها من رجالي وستسير هذه السفينة اليوم إلى اوسيانيكا، أما جزاؤك فهو أني أمرت هذا الربان أن يلقي بك في إحدى جزر القبائل المتوحشة، حيث يصنعون كل يوم وليمة على قطعة من جسدك الترف الناعم. ثم قهقه ضاحكًا وهو يحسب أن باكارا ستصيح الرعب وتسقط متوسلة على قدميه، غير أنها كانت تسمع حديثه متبسمة، ولما فرغ منه قالت له: لقد أخطأتَ يا حضرة المنتقم، فلستُ أنا التي سأذهب إلى هذه القبائل المتوحشة بل أنتَ. وحين انتهت إلى هذه الكلمة أزيح الستار عن باب الغرفة، وولج منه رجل وقال له: لقد كنتَ تحسبني ميتًا فيما أظن. ورجع أندريا منذعرًا إلى الوراء، لأن هذا الرجل كان الكونت أرتوف.