الفصل 60
بعد ذلك بساعة خرجت باكارا من منزل مدام ألفونس يصحبها الكونت أرتوف، وكانت نفسها منقبضة لقتل روكامبول، فقد كانت تحب أن يُبقِي عليه الكونت بعد إقراره، لاعتقادها أنه لم يكن غير آلة بيد أندريا، وما زالت تسير بهما المركبة حتى بلغت إلى منزلها، فاستوقفتها وودَّعَتِ الكونت أرتوف وحاولت الدخول إليه، فوجدت الباب مفتوحًا خلافًا للعادة، فأوجست شرًّا ودخلت إلى الفسحة الخارجية، ورأت أن باب المنزل الداخلي مفتوح أيضًا، ونادت الخادمة فلم تُجِبْ، فأعادت النداء دون أن تسمع من مجيب، وعند ذلك وقفت تصغي وقد ساد السكون بعد انتصاف الليل، فسمعت أنينًا صادرًا من غرفة تلك الخادمة، فعلمت أنه قد فاجأها مصاب، ولم تجزع لفتح الأبواب وما سمعته من الأنين، بل إنها دخلت إلى المنزل ببسالة تندر في الرجال حتى بلغت إلى غرفة الخادمة، فسمعت ذلك الأنين ونادتها فلم تُجِبْ، وحاولت أن تفتح الباب فوجدته مقفلًا، فرفسته برجلها ففُتِح، وأنارت الغرفة فوجدت تلك المسكينة مقيَّدَة اليدين والرجلين، مكمومة الفم على ما تركها روكامبول، فأسرعت إلى حل رباطها وسألتها منذعرة: ماذا حدث؟
– لقد اختطفوا الفتاة يا سيدتي بعد أن تركوني كما رأيتِ.
– مَن هم الذين اختطفوها؟
– ثلاثة، وهم امرأة عجوز وشاب وعبد أسود.
فصاحت باكارا صيحة منكرة: إن هذا العبد خادم المركيز وشريك روكامبول، وقد أصبتُ فإن هذا الشقي مات دون أن يعترف بكل شيء.
إلا أن باكارا كانت منخدعة، فإن روكامبول لم يَمُتْ، بل إنه أفلت من كفنه وإليك البيان: إنه بينما كان الكونت أرتوف يلح عليه بذكر اسم وارثه ليدفع له المائة ألف فرنك، وبينما باكارا تلتمس من الكونت أن يبقي عليه، كان روكامبول يقول في نفسه إن لديَّ خنجرًا خبأته تحت صُدْرتي، وإن الكيس الذي سيضعوني فيه متسع بحيث لا يعيق يدى عن الحركة، ثم إنهم سيلقونني في نهر المارن من موضع مرتفع، ولكن هذا النهر بعيد الغور، فسأصل إلى غوره حيًّا، وعند ذلك أشق الكيس بخنجري وأصعد منه إلى سطح الماء فأنجو.
فلما دخل إلى الكيس وجعل الخادمان يربطان فم ذلك الكيس، أدخل روكامبول يده من تحت صدرته وقبض على قبضة الخنجر، ثم لبث واقفًا دون حراك، حتى إذا ألقوه في الماء أخرج الخنجر قبل أن يبلغ إليها، فوصل إلى منتهى عمق النهر بعشر ثوانٍ ومزَّق الكيس وهو من المشمع بخنجره، فأخرج منه يديه ورجليه دفعة واحدة، وحين أصبح حرًّا ضرب الأرض برجليه وذهب صعدًا حتى بلغ إلى سطح الماء، فتنفس الهواء وغاص مسرعًا حذرًا من أن يروه من النافذة، ولكن الظلام كان مشتد الحلك، وقد أُقفِلت النوافذ حين إلقائه منها.
وكان روكامبول من الماهرين في السباحة لأنه رُبِّيَ بين الأنهار، فما زال يسبح غائصًا تحت الماء، وكلما انقطع نفسه صعد متنفسًا حتى بلغ الشاطئ فصعد إليه وهو لا يصدق بالنجاة، وجعل يبتعد عن هذا المنزل وهو يلتفت في كل حين حذرًا من أن يتبعه أحد، إلى أن وصل إلى صخر مرتفع، فاختبأ وراءه وجلس يراقب المنزل الذي كان فيه، وأقام ساعة مبتل الثياب وأعضاؤه ترتجف من البرد، حتى رأى أن الأنوار قد انطفأت، ثم لم يمضِ على ذلك هنيهة حتى سمع مركبة خرجت من ردهة المنزل، فعلم أن مَن فيه قد رجعوا إلى باريس، وجعل يركض مقاومة لتأثير البرد إلى جهة خمارة كان رآها حين قدومه إلى المنزل، حتى وصل إليها وهو لا يزال بملابسه المركيزية الدالة على السعة والثروة، فاحتفل به صاحب الحانة؛ إذ لم يتعوَّد أن يتشرف بزيارة مثل هؤلاء النبلاء. فأخرج روكامبول دينارًا من جيبه ودفعه إليه، فأمر أن يعد له نارًا للتدفئة وأن يُحضِر له شيئًا من الشراب، ثم طلب إليه أن يعطيه ما لديه من الثياب، فأعطاه ثوبًا من ثيابه، فخلع المبتل بعد أن أخذ منه الحوالة ولبس ثوب الحانة، وقد أخبره أنه سقط في النهر اتفاقًا.
ثم تركه وجعل يمشي إلى أن لقي مركبة فركبها وذهب إلى مدام فيبار، فأيقظها ورأى اليهودية قائمة عندها، فأخبرها بجميع ما حدث له، وكان الصباح طلع فأمرها أن تذهب وتتردد حول منزل الكونت أرتوف كي تعلم إذا كان قتله فانتير، وأن تكتم حديثه أمام أعوانه لأنه عزم على ألا يعود إلى فندقه، بل يسافر رأسًا إلى لقاء أندريا، فذهبت العجوز بعد أن أقفلت الباب وراءها حذرًا من فرار الصبية، ونام روكامبول في سريرها.
وفي الساعة التاسعة أقبلت العجوز فأيقظته وقالت له: أظن أن الكونت قد قُتِل.
– كيف ذلك؟
– ذلك لأني رأيت فانتير والإنكليزي الربان خارجين من الفندق الذي كنتَ فيه في الساعة الثامنة وعليهما ملامح السرور.
فطرب روكامبول وأجاب فلأذهب للقاء السير فيليام؛ إذ لم يَبْقَ لي ما أعمله في باريس.
ونهض فخرج من منزل العجوز، وذهب توًّا إلى بنك روتشيلد، فقبض المائة ألف فرنك حوالة على بنك لندرا، وذهب إلى حيث ينتظره أندريا.
أما أندريا فكان مقيمًا مع أخيه في كارلوفان يدهشه بظواهر قداسته، ويُظهِر له كل يوم آية جديد من آيات توبته، وكان أرمان يذوب تشوقًا إلى معرفة سر مبارزة أخيه مع المركيز، وفي كل يوم كان يسأله عن هذا السر، فيماطله إلى أن أخبره أخيرًا أن المركيز قد تجرَّأ على امرأته ودخل ليلًا إلى منزلها إلى آخِر ما يعرفه القراء من هذا الحديث، فغضب أرمان غضبًا شديدًا وأقسم أنه لا بد له من قتل هذا الرجل السافل الذي يتجرأ على أطهر امرأة، فطيَّبَ أندريا خاطره وغادره وهو فرح القلب كي يقابل روكامبول ويعلمه كيف يقابل امرأة أخيه مرة ثانية.
وكان اتفاقه مع روكامبول أن يقابله في سانت مالو، فلما بلغ إليها وجده ينتظره في المكان المعين، فسُرَّ به أندريا وأثنى عليه، فقال له روكامبول: أتعلم من أين أنا آتٍ؟
– ألستَ قادمًا من باريس؟
– كلا، بل أتيت من دار الأبدية.
فضحك أندريا وقال: لا أظنك أتيت، إذ لا أجد في وجهك أثرًا من آثار الأبالسة.
– ربما كان ذلك لأني لقيتك، فأزالت بركات قدسك من وجهي تلك الآثار، ولكني ما أتيت إلا من قعر نهر المارن.
– ألعلك غرقتَ فيه؟
– لا بل أغرقوني.
ثم قصَّ عليه جميع ما جرى له بالتفصيل، فاصفرَّ وجه أندريا إلى أن أخبره بما علمه من العجوز عن قتل الكونت أرتوف، فطاب خاطره ولم يَعُدْ يخشى لقاءه مع جون إيرد، فقال له: يجب السرعة الآن، فإذا كان الكونت قد قُتِل فإن جون إيرد سيقضي على باكارا، فلا يبقى علينا غير قتل أرمان.
ثم جعل يعلِّمه كيف يصل إلى امرأته حنة، فدلَّه على المنزل وأرشده إلى مدخل الغرفة التي تقيم عادة فيها، وهي غرفة مجاورة لغرفة يشتغل فيها زوجها، بحيث لو نادته بأخفض صوت لسمع نداءها، وقال: إذا احتجت إلى أن تكلِّمها فكلِّمْها كما كلَّمْتَها المرة السابقة، ولكنك لا تحتاج إلى الكلام، فإنها ستصيح حين تراك فيسرع إليك زوجها، وهو رجل شريف ويثق بأنك شريف أيضًا، فيبارزك وتطعنه بالسيف تلك الطعنة الإيطالية التي تعلمتها. فاذهب الآن على بركات الأبالسة.
– إني لا آمَنُ أن يقبض عليَّ خدام الكونت حين يرون أني قتلت سيدهم ويسلمونني للشرطة.
– وماذا عليك منهم، فإنك قتلت خصمك بالمبارزة وهي غير ممنوعة.
– وماذا أصنع بعد قتله؟
– إنك تذهب إلى سانت مالو حيث توافيني فيها.
– أين؟
– في سفينة الربان الإنكليزي، إذ لا بد لي من وداع باكارا.
ثم أطلعه على رسالةٍ وردت إليه من الهافر من جون إيرد يخبره فيها بالفوز، وأنه سيسافر بباكارا إلى جزائر المركيز.
وافترق الاثنان، فذهب أندريا إلى سانت مالو، وذهب روكامبول إلى قصر كارلوفان.
وكان الظلام قد خيَّمَ والخدم في القصر يتأهبون لإعداد العشاء، وحنة جالسة في غرفتها تتلهى بالتطريز وتنتظر قدوم زوجها إليها كي يذهب بها إلى المائدة، وبينما هي على هذه الحال إذ طرق باب غرفتها، فحسبت أن الطارق أرمان وقالت له: ادخل.
ولما فُتِح الباب ورأت أن الداخل لم يكن زوجها بل كان المركيز، صاحت صيحة ذعر وصرخت تقول: إليَّ يا أرمان!
فركع روكامبول أمامها وقال لها: لماذا تخافي أيتها الحبيبة وأنا موقف حياتي في سبيل رضاك؟
ولكن لم يكد يتم حديثه حتى انقضَّ عليه رجل انقضاض الصاعقة، وهو يزبد من الغضب إزباد الجمال، وكان هذا الرجل أرمان.
أما روكامبول فقد كان يتوقَّع هذه المباغتة، فمدَّ يده إلى جيبه وقبض فيها على غدارته للدفاع، ولم يكن في يد أرمان سلاح ولكنه كان قوي العصب والعضل، وقد زاده الغضب قوة وبأسًا، فقبض على كتف روكامبول بيد من حديد وأنهضه بعد أن كان راكعًا، وكان الغضب قد أضاع صوابه فقبض على عنقه يريد خنقه، فجعل روكامبول يصيح بملء صوته إليَّ … إلى القاتل … إلى السفاك …
فلما سمع الكونت كلمة السفاك عاد إليه رشده، ورفع يده عن عنقه وتراجع عنه خطوة إلى الوراء وهو ينظر إليه بعينين تتقدان من شرر الغيظ، وقال له: لقد أصبتَ، فإنك وإن كنتَ قد دخلت إلى منزلي دخول اللصوص، فإني لا أقتلك دون أن يكون لك سلاح تدافع به عن نفسك.
ثم هجم عليه وصفعه بإحدى يديه على وجهه، وأخذ باليد الأخرى سيفين كانا معلَّقَين على الجدار.
وعند ذلك تراكض الخدم مسرعين إلى الغرفة، فأمر الكونت بعضهم أن يعتني بامرأته التي أغمي عليها، وأمر الآخَرين أن يذهبوا بالأنوار إلى الحديقة، وخرج يتبعه روكامبول إلى الحديقة التى جعلاها ساحةً لهذا المعترك، وهناك قال للخدم: إنه إذا قتلني هذا الرجل، فلا يقبض أحد عليه.
ثم أخذ الاثنان يتقارعان بسيفهما لا يحضر مبارزتهما غير الخدم.