الفصل 56
ورجع أندريا إلى الكونت فأخبره باضطراره إلى مبارزة المركيز لسبب خطير، وأن المركيز قد أهانه إهانة لا سبيل بعدُ إلى المسالمة، ولا تُغتسَل إلا بالدماء، ثم طلب إليه أن يكون شاهده، وأن يجد له الشاهد الآخَر. فبذل الكونت جهده كي يقف منه على السبب، غير أن أندريا كان مصرًّا على الكتمان، فعلم الكونت أن هذا الزاهد الورع لم يُقدِم على المبارزة وقتل الأرواح ومخالفة الشرائع الدينية إلا لأمر خطير، وأن هذا المركيز قد أهانه إهانة لا تغتفر، فرضي أن يكون شاهده وذهب إلى صديقه فرناند روشي يلتمس منه أن يكون الشاهد الثاني، فوجده في منزله ووجد عنده باكارا.
وكانت هرمين زوجة فرناند قد أحَبَّتْ باكارا حبًّا شديدًا، بعدما علمت أنها أنقذت زوجها من القتل والخراب، فأصبحت تثق بها ثقة غريبة، وتعهد إليها بتوزيع حسناتها على السائسين. وقد دعتها إليها في ذلك اليوم لمثل هذه الأغراض، فلما دخل أرمان طلب إلى فرناند أن يختلي به لشأن هام، ودخل وإياه إلى غرفة مجاورة للقاعة التي كانوا فيها، فأوجست باكارا خيفة من هذه الخلوة وأظهرت مخاوفها لهرمين، ثم استأذنت منها أن تقف على باب الغرفة فتسمع ما يقوله أرمان، ووقفت مصغية على الباب فعلمت أن أندريا يريد مبارزة المركيز، وأن أرمان وفرناند سيكونا شاهديه، فدهشت لما سمعت وأخبرت هرمين بما سمعته بعد أن طلبت إليها أن تكتم ذلك. ثم ودَّعَتْها وذهبت إلى الكونت الروسي فأخذته وذهبت به إلى منزلها، فدعت الفتاة اليهودية ونوَّمَتْها وسألتها عن المبارزة وعن أندريا والمركيز، فكانت تجيب بكلام متقطع محصله أن هذا المركيز أشقر اللون، وليس هو أسمر كما يبدو من وجهه، ولكنه متنكر لأنه لا يريد قتل أندريا بل قتل أرمان.
فأجفلت باكارا وقالت للكونت: لا شك أن هذا المركيز هو روكامبول، فإننا فقدنا أثره منذ خمسة عشر يومًا، ولكنه إذا كان كما أظن فما الذي يحمله على المبارزة مع أندريا إلا إذا صدقت الفتاة وكان يريد قتل أرمان.
فقال لها الروسي: إن هذا محال، فإن الشهود يقفون في معزل عن المتبارزين، فإذا أصاب أحدهم رصاص المبارز فلا يحمل على محامل الخطأ بل على سوء القصد، وفوق ذلك فإنه إذا كان أندريا يريد قتل أخيه فلا يقتله على هذا الشكل العامي المبتذل بعد صبره الطويل، ولا بد أن يكيد له مكيدة لا دخل له فيها بالظاهر.
– ربما كنتَ مصيبًا؛ فإن كلام الفتاة كان مبهمًا غير جلي، وفي كل حال فإني أحب أن أحضر وإياك هذه المبارزة.
– ذلك مستحيل؛ إذ لا يحضرها غير الشهود.
– نعم، ويحضرها خدَّامهم.
– ماذا تريدين بذلك؟
– عرفنا شاهدي أندريا، فهل تعرف شاهدي المركيز.
– علمتُ اليوم أن أحدهما صديقي البارون دي مينرف، وهو الذي عرَّفني بكِ إذا كنتِ تذكرين.
فصفَّقَتْ باكارا بيديها من السرور وقالت: لقد بلغنا المراد؛ إذ إن هذا الصديق لا يخالفك في مراد، فاتفق معه على أن تكون أنتَ سائق المركبة وأنا خادمها، ومتى تنكَّرْنا فلا يعرفنا أحد.
– سأفعل ما تريدين وسأذهب إليه الآن.
وفي اليوم التالي اجتمع الخصمان والشهود في إحدى غابات باريس، فصعد الكونت الروسي مع باكارا إلى شجرة عالية كي لا يفوتهما شيء من المبارزة، فلما نظرت باكارا إلى روكامبول عرفته من عينيه.
وأخذ الشهود غدارتين فحشوهما، وفيما هم يشتغلون بحشوها انفرد أندريا بأخيه وقال له: إني قد أكون في عداد الأموات بعد عشر دقائق، فهل لكَ أن تجيبني إلى طلبي الأخير؟
وكان أرمان يحبه حبًّا شديدًا، فأوشك أن يضمه إلى صدره من الحنو والجزع عليه، ولكنه تجلَّدَ وقال: ألعلك تشك بإجابتي؟
– أتقسم لي على تنفيذ إرادتي؟
– أقسم بأقدس أيمان.
– إن إرادتي الأخيرة أيها الأخ العزيز هي أن تذهب بامرأتك وولدك بعد قتلي إلى قصرك في كارلوفان فتقيم فيه شهرين لا تعود في خلالهما إلى باريس، ولا أستطيع الآن أن أُظهِر لكَ مرادي بهذا الطلب، ولكني كتبته وهو في طي هذا الغلاف، فإذا قُتِلت فلا يحق لكَ فتحه إلا في كارلوفان، وإذا لم أُقتَل أرجعته لي دون أن تعلم ما فيه.
ثم أخرج غلافًا ضخمًا من جيبه وأعطاه إياه وعاد إلى ساحة المبارزة.
وعند ذلك أعطى الشهودُ كلًّا من الخصمين غدارةً وأوقفوهما في موقفهما بعد أن خطَّطا المسافة بينهما، ثم صفَّق فرناند بيديه ثلاثًا إشارة إلى بدء المبارزة، فاندفع الاثنان وجعل كل منهما يزحف إلى الآخَر زحفًا بطيئًا، إلى أن بدأ روكامبول فأطلق الرصاصة الأولى على خصمه فأخطأه، ثم أطلق الثانية فالثالثة فوقعتا على الأرض دون أن تصيب واحدة منهما أندريا.
ولم يكن لكل واحد منهما حق بأن يطلق أكثر من ثلاث طلقات، فأيقن الحاضرون أن أجَلَ المركيز قد دنا، وباتوا يتوقعون له الموت في كل لحظة. أما أندريا فإنه مشى إلى خصمه أي شريكه مشيًا بطيئًا، حتى بلغ إليه فوضع غدارته في صدره وقال: إن حياتك الآن بين يدي وأنا أهبك إياها على شرط.
فقال له روكامبول مغضبًا: إنه يحق لكَ قتلي، فاقتلني لأني لا أعتذر ولا ألتمس الغفران.
– إني لا أسألك الاعتذار، ولكني أشترط عليك شرطًا تستطيع قبوله.
– ما هو؟
– هو أن تقسم بشرفك على أن لا تذكر السبب في مبارزتنا مدى الحياة، وأن لا تعود إلى مثل هذا السبب.
– قد رضيت، وأنا أقسم لكَ بشرفي على ذلك.
فأطلق أندريا غدارته في الفضاء ثم قال: لقد انقضى كل خلاف بيننا، وأنا أعتبر الآن حضرة المركيز من الأشراف.
فسُرَّ الجميع لما أظهره أندريا من مكارم الأخلاق.
وخلا أرمان بأخيه قائلًا: كيف عفوتَ عنه بعد المقدرة؟
– ليغفر عني الله.
أما باكارا فإنها عادت مع الكونت إلى منزلها وهي تعلم أن المبارزة خدعة، وأن هذين اللصين متفقان على أمر خطير، ولكنها لم تستطع أن تدرك شيئًا من هذه الألغاز، فقرَّرَتْ أن تنصب فخًّا تقتنص به روكامبول كي تحمله على الإقرار.
وكان في باريس امرأة شهيرة بالجمال وهي من بنات الهوى، وكانت من خير صديقات باكارا أيام غوايتها، فدعتها إليها واتفقت معها أمام الكونت الروسي على أن تعطيها مائة ألف فرنك على أن تساعدها في ما تريده من هذا المركيز، وقبلت الفتاة واتفقت معها باكارا على أن تحيي ليلة راقصة، يكون فيها المركيز دي روكامبول من جملة المدعوين إليها بواسطة أحد أصدقائه، ثم أخبرتها أن هذا الرجل متنكر، ولكن يمكن معرفته من أثر جرح كبير في صدره، فإذا تمكَّنَتْ من الكشف عن صدره وتحقيق هذا الأثر، نقدتها مائة ألف فرنك، فرضيت الفتاة شاكرة وخرجت تسعى في إعداد الحفلة، وخرج الكونت في إثرها إلى صديقه البارون مينرف وقد كان شاهد روكامبول في المبارزة والتمس منه أن يدعو المركيز إلى تلك الحفلة الراقصة.
•••
وَلْنَعُدِ الآن إلى أندريا، فإنه ركب مركبة أخيه وعادا إلى المصيف فبرحا باريس، وفيما هما على الطريق طلب إليه أندريا أن يُرجِع إليه الغلاف.
فقال له أرمان: إذن، فلا سبيل للاطِّلَاع على ما فيه؟
– كلا يا أخي، وستقف على جميع ذلك في مستقبل قريب، والآن فإني أسألك أن تفي بوعدك لي وتسافر مع امرأتك وولدك، وأنا معكم إلى كارلوفان.
– سأفي بوعدي ونسافر صباح الغد.
ولما وصلا إلى المنزل سُرَّتْ حنة بسلامة أندريا سرورًا عظيمًا كاد يفضح سرها، وأخبرها أرمان بما اقترحه عليه من السفر في الغد، فعلمت أنه يريد إبعادها عن المركيز، ووافقت راضية على هذا السفر.
وبعد الغد رجع أندريا إلى باريس وهو واثق من نجاح مقاصده، فتنكَّرَ بزي الإنكليز وذهب إلى الفندق الذي يقيم فيه روكامبول، فوجده ينتظره فيه ودار بينهما الحديث الآتي، فقال أندريا: ألعلك خفتَ في الصباح؟
– الحق أني خفتُ بعض الخوف. أصغِ إليَّ، لقد خطر لي أني لما كنتُ واقفًا وحدي على جميع أسراركَ، فقد أردتَ أن تتخلص مني لأنك قد خطر لك خاطر الاستقلال.
– وأنا أقول الحق أيضًا إنه خطر لي هذا الخاطر، وما أرجعني عنه سوى حبي لك.
– بل حاجتك إليَّ، فإنك لا تستطيع الاستغناء عني ولا سيما في هذه الأيام، وإذا أردتَ فأنا أعترف لكَ أيضًا بأنه قد خطر لي أن أقتلك.
– كيف خطر لك هذا الخاطر؟
– لأني لا أزال أشعر بألم خنجرك في صدري، وأنت تعلم أني أحسن الرماية، فلو أردتُ قتلك لما أخطأت المرمى.
– ولكن كيف تعيش دوني أيها التعيس؟
– هو السبب الوحيد الذي أرجعني عن قتلك.
– إذن فنحن أكفاء، كلانا لا يستغني عن الآخَر، فَلْنبحث الآن بأمورنا الخطيرة، فإني مسافر غدًا إلى كارلوفان لأتفقد ذاك القصر؛ لأني أريد أن أقيم فيه بعد زواجي بالكونتس حنة دي كركاز.
– وأنا ما ينبغي أن أفعل؟
– تقيم في باريس ثلاثة أيام، ثم تسافر منها إلى سانت مالو حيث تنتظر فيها تعليماتي.
– وماذا أفعل في هذه الأيام الثلاثة؟
– تتمرن على ضربة السيف التي أمرتك أن تتعلمها، ثم تهتم بأمر باكارا.
– ألعلك دبَّرْتَ المكيدة؟
– مكيدة هائلة فاسمع، إنك تبدأ قبل كل شيء باختطاف الفتاة اليهودية التي عندها.
– وأين أضعها متى اختطفتها؟
– أصغِ إليَّ، إني لقيت في الهافر حديثًا رجلًا من لندرا كان منخرطًا في سلك عصابتي حين كنت فيها، وقد نجح بأعماله بعدما فارقته حتى أصبح الآن صاحب سفينة تجارية وهو ربانها، وقد خطر لي أن أرسل باكارا على سفينته هذه إلى جزائر المركيز، وهناك يلقيها الربان بين تلك القبائل المتوحشة التي تتباهي بأكل لحوم البشر، فيجعلها زعيم تلك القبيلة وليمة في أحد الأعياد.
– إنه انتقام جميل، ولكن كيف السبيل إلى تنفيذه؟
– ينفذه جون إيرد ربان السفينة، فإنه سيشحن بضاعة من الهافر إلى أستراليا، وهو خاضع لي مع بحارته، وإنه الآن في باريس فقد قدم إليها أول أمس، وقد لقيته أمس واتفقت معه على أن يحمل باكارا إلى تلك الجزائر فقبل، وهو إما أن يلقيها في إحدى صحارى تلك البلاد أو يبيعها بيع السلع إلى زعيم تلك القبيلة.
– كل ذلك حسن معقول، ولكن كيف السبيل إلى تسليم باكارا إلى ربان السفينة؟
– إن ذلك سيكون عملك في مدة هذه الثلاثة أيام، فتبدأ أولًا باختطاف اليهودية وتودعها عند مدام فيبار بعد أن توصيها بالاحتفاظ عليها والعناية بها، وعندما تصبح في قبضتها ترسل رسالة دون توقيع إلى باكارا تخبرها فيها أن أحد العبيد قد اختطف الفتاة، وأنه ذهب بها إلى الهافر، ثم تكتب في الرسالة أن هذا العبد سافر على سفينة إنكليزية اسمها فولر وهي ذاهبة إلى أوسيانيكا، فلما تقف باكارا على هذه الرسالة تسرع بالسفر إلى الهافر، فتعلم هناك أن هذه السفينة قد برحت ميناء الهافر إلى سانت مالو، فتذهب إليها وتجد السفينة فيها، وعندئذٍ فلا بد من النزول إلى السفينة لترى فتاتها فيفعل الربان الباقي.
– كُنْ واثقًا من الفوز، وسافر فسأصنع جميع ما تريد، ولكن بقي سؤال أحب أن أسألك إياه، وهو لماذا أردتَ أن ترسل باكارا إلى سانت مالو وأنت قادر على إنزالها إلى السفينة من الهافر؟
– ذلك لأن سانت مالو لا تبعد غير غلوة عن قصر أخي الذي سأكون فيه بعد غدٍ، ومتى وصلت السفينة إليها أكون فيها، إذ لا بد لباكارا أن تعرف مَن هو المنتقم.
– لله درك، ما أشدك في الانتقام!
– نعم فإن الانتقام مسرة الآلهة، والآن فاسمع، إنك ستختطف الفتاة من منزل باكارا وتودعها عند مدام فيبار، وبعد ثلاثة أيام تحضر إلى سانت مالو مع ربان السفينة وفانتير، وهناك أهيئ لك أسباب مقابلة ثانية مع امرأة أخي حيث يباغتكما أرمان.
– كفى، فقد عرفت كل شيء.
– بقي دور واحد، وهو أنه يجب أن تعرف جون إيرد ربان السفينة، وبعد ذلك اذهب إليه غدًا عند الصباح واذكر له اسم فيليام علامة للتعارف، ثم دلَّه على الفندق النازل فيه.
وفيما هو يتأهَّب للذهاب إذ وردت على روكامبول دعوة البارون دي مينرف إلى الليلة الراقصة التي أعَدَّتْها باكارا لاقتناص روكامبول، عرضها على أندريا مستأذنًا إياه بالذهاب إليها.
– لا بأس من ذهابك، بل يجب أن يعرفك كبار القوم كي لا يبقى لأحد مظنة فيك، وانصرف في شأنك.
بينما كان أندريا وروكامبول في اختلائهما، كانت مدام ألفونس وهي تلك الفتاة الحسناء التي استحضرتها باكارا لإعداد الليلة الراقصة في منزلها، قد قدمت إلى باكارا، وقالت لها: إن الحفلة أُعِدَّتْ ووُزِّعَتْ أوراق الدعوة، وقد أتيتُ الآن كي تخبريني بما ينبغي أن أفعل.
فلفَّقَتْ لها باكارا حديثًا طويلًا خلاصته أن هذا المركيز متنكِّر، وأنه حين كان في شكله القديم كان من ألدِّ أعداء الكونت الروسي، وأنه لص سفاك، وأنه لم يتنكر إلا بغية قتل الكونت وقتلي.
– وماذا تريدين أن أصنع به؟
– إننا لا نزال في ريبة من أمره ولا نستطيع معرفته إلا إذا تمكَّنَّا من الكشف على صدره، فإذا كان صدره سليمًا لا أثر فيه للجراح كنَّا مخطئين بسوء ظننا به، وإذا كان في صدره أثر جرح حديث كان هو ذاك اللص السفاك، فبتنا منه على حذر وقبضتِ المائة ألف فرنك التي وعدك بها الكونت في كل حال.
– سأفعل ما ترين، وغدًا يَرِد إليك مني كتاب. ثم ودَّعَتْها وذهبت فلبثت باكارا في منزلها وهي واثقة من الظفرِ وحَمْلِ هذا الشقي على الإقرار.