الفصل 54
وكان الكونت أرمان مقيمًا في منزله الصيفي خارج باريس، وهو منزل جميل تكتنفه الأشجار واقع في قرية صغيرة بمعزل عن المنازل، فكان يزوره روكامبول في مصيفه ثلاث مرات في الأسبوع، ولقد أعجب الكونت بذكائه وما كان يتكلفه من البساطة في أقواله غاية الإعجاب، خلافًا لامرأته فإنها كانت تنفر من هذا المركيز الجديد، وتوجس منه شرًّا، ولكنها كانت تكتم مخاوفها عن زوجها.
وكان لأندريا غرفة خاصة في هذا المنزل، ولكنه كان يبيت أكثر لياليه في باريس، واتفق أن أرمان اضطر ليلة إلى المبيت بباريس لدعوة وردت إليه من أحد المحتاجين إليه، ولم تكن هذه الدعوة إلا من ابتكار أندريا، فكلَّفَ الكونت أخاه التائب أن يبيت في المصيف كي لا تبقى امرأته وحدها، فامتثل وكان عندها في المساء.
وتعشَّيَا سويةً ثم سهرا إلى الساعة العاشرة، ودخل كل إلى غرفته، فأخذت زوجة أرمان كتابًا وجعلت تقرأ فيه، وانسَلَّ أندريا من غرفته فخرج من المنزل وجعل يمشي على تلك الرمال حتى أبصر عن بُعْد شبحًا نائمًا، فقال في نفسه: لا شك أنه روكامبول، وإنه مقيم في المكان الذي عيَّنْتُه له، فلما وصل إليه رآه إنه هو بعينه، فسُرَّ به وقال له: يعجبني أنك حريص على الأوقات.
– نعم، فهل أنت مستعد؟
– أتم الاستعداد، فهل حفظتَ ما علمتك إياه؟
– طِبْ نفسًا فسأقول لها جميع ما علمتني أن أقوله.
– إذن، اتبعني.
ورجع الاثنان إلى منزل الكونت أرمان، فسُرَّ أندريا حين رأى النور لا يزال في غرفة امرأة أخيه، وأن باب مشرف الغرفة المطل على الحديقة لا يزال مفتوحًا لاشتداد الحر في تلك الليلة.
وكان في تلك الحديقة شجرة باسقة تتصل أغصانها بذلك المشرف، فدلَّه أندريا عليها وقال له: إن طريقك من هذه الشجرة، والآن فاصبر هنيهة إلى أن أعود إلى غرفتي، وبعد ذلك اصنع كما علمتك.
وتركه أندريا ودخل إلى المنزل، فصعد إلى غرفته دون أن يشعر به أحد، أما روكامبول فإنه صبر خمس دقائق، ثم تسلَّق هذه الشجرة حتى دنا من مشرف الغرفة ودخل منه إلى الغرفة التي تقيم فيها حنة.
وكانت حنة جالسة على كرسي طويل وبيدها كتاب تطالع فيه، وهي تنقطع عن القراءة من حين إلى حين مفتكرة بزوجها أرمان، ولما رأت هذا الرجل قد هبط عليها من الشجرة جمد الدم في عروقها من الرعب، ثم تبيَّنَتْ أنه هو المركيز إينجو، فحاولت أن تستغيث ولكن الخوف عقد لسانها فلم تنبس بحرف، ولبثت جامدة في مكانها دون حراك.
أما هذا اللص فلم يتأثر لهذا الموقف، بل إنه انحنى أمامها مسلمًا وقال لها: إني ألتمس عفوك يا سيدتي وأعتذر عن دخولي إليك كما دخلت، ثم أسألك أن تأذني لي بإظهار السبب في هذه الخطة الغريبة التي سلكتها.
فحسبت أنه صادق في اعتذاره، وأنه لا بد من سبب خطير دفعه إلى فعل ما فعل، إلا أنها لم تطمئن لكلامه ولبثت في مكانها لا تستطيع أن تفر ولا أن تستغيث، ووضع روكامبول يده إلى صدره وقال: سيدتي، إني رجل نبيل أعلم بما يجب على مثلي من الاحترام لمثلك، فلا تحكمي عليَّ قبل أن تسمعي ما أقول، واعلمي أني لم أدخل إلى منزلك في منتصف الليل دخول اللصوص إلا لسبب خطير ودافع عظيم لا يغلب، وأنا أجثو أمامك وأستحلفك بأقدس الأسماء وأحبها إليك أن تتمهلي في أمري، فلا تطرديني من حضرتك ولا تنادي أحدًا من أتباعك قبل أن تسمعي كلامي.
وكان يتكلم بلهجة المستعطف المتوسل، وبلهجة احترام شديد آنست منه حنة شيئًا من الاطمئنان، فحلَّتْ عقدة لسانها وقالت له: تكلَّمْ.
فقال روكامبول: إن الذي سأقوله لك يا سيدتي هو سر دقيق لا يمكن لأحد أن يطَّلِع عليه الآن، وقد تعذَّر عليَّ الحضور مع زوجك الكونت، وخشيت إذا لم أطرق باب منزلك في هذه الساعة المتأخرة أن يسوء ظن مَن في المنزل، لا سيما أن زوجك غائب عنه. ثم وضع يده على قلبه وقال: إن هذا السر في هذا القلب، وقد أوشك أن ينفجر منه؛ إذ لم يَعُدْ له طاقة على احتماله.
وكأن حنة قد علمت ما يريد أن يقول، فارتجفت أعضاؤها وقالت له بعظمة وكبرياء: ماذا تريد بهذا القول؟
ولم يكترث لها روكامبول بل ركع أمامها وقال: سيدتي، أصغي إليَّ.
أما هي فلم تجد قوة للاستغاثة لما داخلها من الرعب، ووقفت جامدة دون حراك كالواقف في ساحة قضاء ينتظر تلاوة الحُكْم عليه بالإعدام.
فقال روكامبول دون أن يغيِّر شيئًا في لهجة احترامه: إني خُلِقت يا سيدتي في بلاد حارة المناخ، ونشأت بين قوم كنتُ كالملك عليهم وكانوا كالعبيد لي، فنشأ بي حب الأثرة وعدم المبالاة بالصعاب، لأني لم أَلْقَ في حياتي مَن يعترضني فيما أريد، وقد أتيت حديثًا إلى باريس كي أبحث عن شريكة لي تشركني في هذا الملك الذي لا حدَّ لسلطانه، وهذه الشهرة التي لا حدَّ لاتساعها.
وحسبت حنة أن هذا الشاب يحاول الزواج حقيقة، وأنه يتلمس مساعدتها في طلب تلك الزوجة التي اختارها، فقال روكامبول: ولقد وجدتُ الآن هذه المرأة، وأنا أعبدها كما يعبد المؤمن ربه، غير أن مصطلحات الناس قد وضعت بيني وبينها هوة عميقة بحيث يتعذَّر اجتيازها، ولكني يا سيدتي في مقتبل الشباب وقد تعودت أن لا أحتفل بالمصائب، فلا عبرة عندي بالمستحيل، ثم إن هذه المرأة التي تحول بيني وبينها الشرائع والعادات قد أقسمت على أن تكون لي، وعلى أن أذهب بها فأعيش تحت سماء بلادي الصافية الزرقاء، وأن أضع لها صولجان الملك على عبيدي وأعيش مدى العمر عبدًا لها.
ولم يَبْقَ ريب لدى حنة في قحته وجرأته عليها، فأوقفته عن تتمة حديثه بإشارة وقالت: أَلِمِثْلِ هذه الأقوال الفاسدة قد أتيتَ إليَّ؟
– قد تكون فاسدة يا سيدتي، ولكنها صادقة صادرة عن قلب تنبض فيه عروق الإخلاص والحب الصحيح.
– ولكنك قد نسيت مَن أنا، وغفلت عن أن زوجي الكونت أرمان دي كركاز قد فتح لك أبواب منزله.
– كلا، وا أسفاه! فإني لم أنسَ شيئًا من ذلك.
ثم ركع أمامها وقال: والآن يا سيدتي، فلا بد أن تكوني عرفتِ تلك السيدة التي أبذل الحياة في سبيل رضاها وأعبدها عبادة الالهة. إن تلك السيدة التي أقسمتُ على أن أفوز بحبها وأحكمها في قلبي هي أنتِ.
ونهض بعد هذا القول ومشى خطوة إليها يريد تقبيل يدها، فارتجفت حنة منذعرة وصاحت بصوت خنقه الخوف: إليَّ إليَّ …
ولم تكد تتم استغاثتها حتى فُتِح الباب بعنف، وأسرع رجل منه إلى روكامبول فصفعه صفعة شديدة على خده وهو يقول: تبًّا لكَ من نذل أثيم!