الفصل 52
بعد ثمانية أيام مرت على سفر روكامبول، عاد إلى باريس راكبًا مركبة بديعة وقد غيَّرَ ملامحه فأصبح لون وجهه كلون النحاس، وكان جالسًا وراء مركبته عبد أسود لم يكن إلا فانتير، فوقفت المركبة على باب أحسن فندق في باريس، وأسرع فانتير ونادى الخدم باللغة الإسبانية، وأمرهم أن يحملوا أمتعة سيده إلى خير مكان من الفندق.
أما روكامبول فكان أول ما اهتم له أنه نادى وكيل الفندق وطلب إليه أن يرسل رسالة أعطاه إياها إلى الكونت أرمان دي كركاز، وهذا نص الرسالة:
سيدي الكونت
أسألك المعذرة للخطة التي سأسلكها بإزائك، لأني لا أعلم إذا كانت تنطبق على المصطلحات الفرنسية، لقد أتيت من البرازيل إلى باريس كي أقيم فيها بضعة أشهر، وأعطاني صرافي في ريو دي جانيرو حوالات على عميله في الهافر، وهو المسيو أربان مورتونت، فأخبرت هذا العميل أني لم أعرف أحدًا في فرنسا، فأعطاني كتاب توصية إليك.
وقد وصلت يا سيدي الكونت إلى باريس منذ ساعة، فتجرأت على الكتابة إليك ملتمسًا أن تؤذن لي بزيارتك كي أسلِّمك هذا الكتاب.
المركيز دون إينيجو دي لوس مونتس
فذهب الرجل بكتاب روكامبول إلى أرمان، وبعد ساعة أقبل أندريا موفدًا من قِبَل أخيه للسلام على هذا المركيز والإتيان به إليه، ثم أخذه وسار به إلى قصر أرمان.
ولما كانا على الطريق جعل أندريا يتأمَّل تلميذه ويعجب بحسن إتقانه التقليد، فقال له: كأنك قد خُلِقتَ أميرًا، فإنك لا تفرق في ملامحك عن الأمراء.
فأجابه روكامبول: ذلك لأني تخرجت في مدرستك.
– ومما يسرني منك أنك أتقنت تقليد أهل البرازيل، بحيث تجوز الحيلة على أرمان؛ إذ لا يوجد أقل شبه بينك الآن وبينك حين كنتَ تُدعَى الكونت كامبول.
– نعم، إلا أني أخشى أن تعرفني باكارا إذا رأتني.
– لا خوف علينا منها بعد الآن، وقد باتت تُعَدُّ في مصافِّ القديسين.
– أواثق أنتَ من ذلك، ثم إذا كنتَ واثقًا فهل غفرْتَ لها؟
فضحك أندريا ضحك الساخر، وقال: كيف أغفر لمَن خسرتُ بسببها سبعة ملايين، واثني عشر مليونًا أخرى.
– إذن، فما أعددتَ لها من العقاب؟
– أعددتُ لها عقابًا لا يخطر في بال إنسان، وسأخبرك عن جميع ذلك متى حان وقت الانتقام، أما الآن فلا أستطيع التفكير إلا بأرمان، فهل أنت واثق من نفسك أنك أتقنت ضربة اليسف التي أمرتُكَ بتعلُّمها؟
– كل الثقة، ولكني معجب لأمر، وهو أنك تعرِّفني بأخيك وتصادقني معه ثم تأمرني بقتله، فلماذا هذه الصداقة إذا كان لا بد بعدها من القتل؟
ولم يتدانَ أندريا إلى مجاوبته على ما سأل بل قال: اعلم يا حضرة المركيز أنك شاب جميل، ويجول في عروقك الدم الإسباني، أي إنك كثير الشهوات، ثم إن امرأة أرمان دي كركاز شقراء جميلة، ولا بد إذن للمركيز دي إنجو من أن يحب الكونتس دي كركاز، ثم يجب على هذا المركيز أن يكون نذلًا خسيسًا جسورًا مقدامًا، لا يحفل بفضائل النساء ولا يكترث لشرف الأرواح، ويتحتم عليه أن يُظهِر غرامه لتلك الحسناء.
فأجفل روكامبول وقال: ماذا أسمع؟ وكيف تغريني على حب الكونتس امرأة أخيك وأنت مشغوف بها كما تقول؟
فتنهَّدَ أندريا وقال: إنك لا تزال غِرًّا أبله، أفلا تعلم أن القصد من ذلك أن أتداخل في الأمور، وأبارزك فأكون قد دافعت عن شرف امرأة أخي بدمي، فيجمل صنعي لدى أخي ولدي امرأته وأبلغ منهما بعض ما أريد؟
فقال روكامبول: وكيف إذن تريد أن أقتل أخاك؟
– إنه لا يعلم بأني بارزتك من أجل امرأته إلا بعد حين، وعندما يعلم ذلك فهو لا يقابلك إلا بالحسام.
وأطرق روكامبول رأسه إلى الأرض وقال: لقد أصبتَ، فإني قصير النظر في الأمور، والحق أنك من النوابغ.
وعند ذلك وصلا إلى قصر أرمان، فنزلا من المركبة ودخلا إليه.