التوبة الكاذبة - الفصل 47 - بقلم بونسون دو ترايل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: التوبة الكاذبة
المؤلف / الكاتب: بونسون دو ترايل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 47

الفصل 47

وَلْنَعُدِ الآن إلى شاروبيم، لقد تركناه في موقف تهلع له قلوب الجبابرة من الخوف، وقد صوَّب الكونت مسدسه على رأسه وقال له: لقد خسرتَ الرهان ولا بد لكَ من الموت، فجعل شاروبيم يرتجف من الخوف وينظر إليه نظرة المتوسل، فقال الكونت: إني أُمهِلك ثلاث دقائق كي تستغفر الله وتستعد للموت. وكان شاروبيم قد عاد إليه صوابه في هذه المهلة فقال: لا أنكر أني خسرت الرهان، ولكن لا بد لي من ملاحظة أُبدِيها، وهي أنه بدلًا من أن تقتلني وتعرِّض نفسك لمعاقبة القوانين الفرنسية، اقتلني تحت ظاهرة المبارزة وأمام شاهدين كما اتفقنا من قبلُ، فتبلغ غرضك من قتلي دون أن يعاقبك الشرع، وذلك أننا نتبارز بغدارتين أحدهما محشوة وتكون لكَ، والآخرى فارغة وتكون لي. – أية فائدة لكَ من ذلك إذا كنتَ مقتولًا في الحالتين؟ أما أنا فإني أرضى أن أكون مسئولًا لدى الشرع. – إن فائدتي أني أريد أن أموت موت الأشراف في ساحة مبارزة، لا مقتولًا قتل المجرمين. ولم يُجِبْه، لكن باكارا ضحكت ضحكًا عاليًا ثم قالت: أتتكلم عن الأشراف وأنت لا صلة بينك وبين الشرف. فنظر إليها نظرة منكرة وقد علم أنها هي التي قضت عليه بالموت وليس الكونت، أما باكارا فلم تحفل به وقالت: إن الشريف لا يبارز سوى الشريف، وقد راهنك الكونت حين كان منخدعًا بك منذ أيام، أما الآن يعلم أنك عضو عامل في عصابة لصوص. ثم التفتت إلى الكونت قائلة: أيها الصديق، اقتل هذا الأثيم، فإن قتله قد يسرُّ المركيزة فان هوب. ولما سمع شاروبيم اسم المركيزة علم أن باكارا واقفة على كل الدسيسة، وصاح قائلًا: رحماك إنني ألتمس العفو. أما الكونت فإنه أخرج مسدسه من جيبه وقال: لقد انتهى زمن المهلة، اركع واستعد للموت. فركع شاروبيم أمام قدمي الكونت وقال وقد اصطكت أسنانه من الخوف: رحماك يا سيدي الكونت، واعفُ عني، فما أنا إلا خائن أثيم، وإنني أستحق أن تحتقرني وتدوسني بقدميك، فاحتقرني كما تشاء واصفح عن دمي، فإنني أفارق هذه البلاد فراق الأبد. ثم جعل يبكي وينظر نظر المستعطف المتوسل إلى الكونت وإلى باكارا، فدنت باكارا عند ذلك منه وقالت: قُلْ، أتريد أن تعيش؟ – إنني أصنع لكِ جميع ما تريدين إذا أبقيتِ على حياتي. – إذن فإنكَ تستطيع أن تشتري حياتك بشرطين؛ أحدهما أن تقول لنا أية علاقة لك بالمركيزة فان هوب. فقال شاروبيم بفرح: نعم، نعم إني أقول كل شيء على شرط أن تحميني منهم، فإنهم يقتلونني دون ريب. – مَن هم الذين يقتلونك؟ – أعضاء الجمعية السرية. فقالت باكارا: اعلم قبل كل شيء أني واقفة على جميع أسراركم، فلا تكتم شيئًا، وإذا أردتَ أن تعيش أحميكَ من هذه العصابة. – نعم يا سيدتي إني أقول كل شيء. ثم اندفع في القول فباح بجميع ما عرفناه من علائق هذه الجمعية، ومحل اجتماع أعضائها، وأسماء أولئك الأعضاء، وشدة خضوعهم لرئيس مجهول لا يعلم اسمه سوى روكامبول، ثم باح لها بجميع ما عهد إليه أن يصنعه مع المركيزة فان هوب، والفخ الذي نصب لها، وحديث ملايين الهندية، إلى غير ذلك مع جميع ما كان يعرفه. ولما فرغ من كلامه قالت له باكارا: إني أعرف جميع ما ذكرت، ولم يَبْقَ عليَّ سوى معرفة اسم الرئيس، ولا يمكن العفو عنك إلا إذا بُحْتَ بهذا الاسم. فاستخرط شاروبيم بالبكاء وقال: إني أقسم بالله العظيم إني لا أعرف اسم الرئيس، وإن الفيكونت دي روكامبول هو الذي يعرف كل شيء. – حسنًا، سنرى إذا كنتَ كاذبًا. ونهض شاروبيم وهو يحسب أنه قد نجا، فقالت له باكارا: إنك لم تنجُ بعدُ، فإنكَ لم تنفذ إلا الشرط الأول، وقد بقي الشرط الثاني. – إني مستعد لتنفيذ جميع ما تريدين. فأخرجت باكارا زجاجة العطر من صدرها وقالت له: ماذا يوجد في هذه الزجاجة؟ وكان شاروبيم يعلم من أمرها غير ما لقَّنَه إياه روكامبول، فقال لها: إنها تتضمن عطرًا هنديًّا يهيج الأعصاب. – أليس فيها سمٌّ؟ – كلا. – إذن أجربها بك. فقبل شاروبيم وهو لا يخطر له في بال أن أندريا قد ملأها من السم النقيع بغية قتل باكارا. وأعطته باكارا الزجاجة وقالت: فُضَّ ختمها وتنشَّقْ منها إذا كنتَ صادقًا، فإن هياج الأعصاب لا يضر. وامتثل شاروبيم وفتح الزجاجة ثم جعل يتنشق رائحتها وهو لا يعلم أنه يتنشق الموت، ولما فرغ من ذلك قالت له باكارا: اجلس الآن هنا تحت حراسة الكونت إلى أن أصدر لكَ أمرًا جديدًا، فإني لا أستطيع إطلاق سراحك لأني أخشى بعد أن بُحْتَ بأسرار العصابة بأن تخبرها بما أُكرِهتَ على فعله. ثم خرجت وهي تقول للكونت: احرص عليه أشد الحرص. وبرحت منزلها وركبت مركبة وقالت للسائق: اذهب بي إلى قصر المركيزة فان هوب. وكان الليل قد انتصف، فلما بلغت إلى القصر طلبت مقابلة المركيزة. فقال لها أحد الخدم: إنها نائمة يا سيدتي. – لا بأس أيقظوها، فإني قدمت إليها لأمر خطير. ولم يجد بدًّا من الامتثال، وبعد هنيهة أمرت المركيزة بإدخالها إليها. ودار بينهما حديث طويل أطلعتها باكارا على جميع الدسيسة، وعلى جميع ما صنعت لإنقاذها إلى آخِر ما تعلمه من أسرار هذه المكيدة الهائلة. واضطربت المركيزة وقالت: لا بد أن يكون المركيز بأشد حالات القنوط. – لا بأس لأنه سيفرح غدًا، فإني قد ملكت جميع أعضاء هذه العصابة، ولم يَبْقَ سوى واحد. ثم مررت يدها على جبهتها كأنها ذكرت أمرًا وقالت لها: يجب عليكِ طاعتي في كل شيء إذا أردتِ السلامة لكِ ولزوجكِ ومعاقبة أولئك الأشرار، وأول ما أبدأ به هو أني أسألك أن تعطيني ذلك الخاتم الذي يلبسه زوجك كل يوم، وهو الخاتم ذو الفص الأزرق. – لماذا؟ – إنه سر لا أستطيع أن أبوح به الآن. – إنه يخلعه عادة كل ليلة قبل النوم، ولكني إذا أخذته فلا بد له من طلبه في الصباح. – أليس له بين الخواتم الكثيرة خاتم يشبه هذا الخاتم. – نعم، اصبري إلى أن أبحث. ثم تركتها وذهبت تبحث في صندوق المجواهرات إلى أن عثرت بخاتم يشبهه أتم الشبه، فدخلت إلى غرفة ملابس المركيز دون أن يشعر بها، وأخذت ذلك الخاتم ووضعت مكانه الخاتم الذي يشبهه، ثم عادت به إلى باكارا فأعطتها إياه. فقالت لها باكارا: بقي أمر واحد يا سيدتي، وهو أنه لا بد لك الآن من مغادرة هذا المنزل والذهاب معي إلى منزلي إلى أن أكشف تلك الأسرار في الغد. ودهشت المركيزة وقالت: كيف أبرح منزلي في منتصف الليل؟ وماذا عسى أن يقول المركيز؟ – ليقل ما شاء، فإن حياتك في خطر، وذلك أن الهندية لا بد أن تقول للمركيز بأنك ستقابلين شاروبيم في الساعة الثامنة من مساء الغد. – ولكني لا أذهب إلى هذا اللقاء المشئوم. – لقد أصبتِ، ولكنكِ لم تعرفي بعدُ أخلاق الرجال، فقد تهيج الغيرة في صدر زوجك فيقتلك قبل أن يقف على البرهان، ثم يقتل نفسه كي يستريح. وارتعدت المركيزة وقالت: إذن إني أذهب معكِ حيث تشائين. ثم خرجتا وذهبتا إلى منزل باكارا دون أن يشعر بهما أحد غير وصيفة المركيزة، غير أن المركيزة كانت تثق بهذه الوصيفة، فأمرتها أن لا تذكر أمام المركيز شيئًا من زيارة باكارا، وأمرت الخادم مثل هذا الأمر قبل انصرافها. وبينما كانت باكارا عند المركيزة، كان السم قد أثَّر بشاروبيم فجعل يبوح للكونت أرتوف بجميع أسرار حياته وهو يضحك ويتعب شأن السكارى، ودام على ذلك مدة ساعة إلى أن باح بجميع مكنونات فؤاده، ثم استحال هذا الزهو والسرور إلى انقباض شديد عقبه نزاع أليم وصراخ شديد، فما طال به الأمر حتى سقط صريعًا على الأرض، فعلم الكونت أن الفتاة اليهودية قد صدقت بجميع ما قالت، وأن الزجاجة لم يكن عطرها غير سم هائل. فلما عادت باكارا والمركيزة وعلمتا من الكونت أن شاروبيم قد مات من السم، قالت باكارا للمركيزة: إننا قد صفحنا عن حياته، ولكن الله أراد أن يرميه بالفخ الذي كان يريد لي الموت فيه، فَلْنستغفر الله. ثم ركعتا بالقرب منه وجعلتا تصليان عن نفس هذا الأثيم المنكود.