الفصل 45
ولما كان المساء، ذهب شاروبيم إلى النادي الذي يقيم فيه الكونت الروسي، فخلا به وقال له: أتذكر يا سيدي الكونت الرهان المعقود بيننا؟
– أذكره ولا أنساه.
– إنما أردت تذكيرك به لاعتقادي أني كسبته.
فقال له الكونت بسكينة: إني أهنئك بفوزك، ولكني لا أقنع إلا بالبرهان.
– إذا كنتَ تعرف خط باكارا فاقرأ هذا الكتاب.
ثم أعطاه الرسالة التي وردت إليه في الصباح، فأخذها الكونت وتلاها ثم ردَّها إليه وهو يقول: إنك مخطئ فليس الخط خطها.
– ربما كنتُ مخطئًا، ولكن الرسالة إذا لم تكن من خطها فهي من إملائها، وفي كل حال فقد كسبت الرهان.
فقال الكونت: إن هذا البرهان غير كافٍ، ولا يسعني الاقتناع إلا حين أسمعها تقول لك: أحبك.
فذكر شاروبيم ما أوصاه به روكامبول، وقال له: إن هذا سهل ميسور، وذلك أنك تزورها في هذه الليلة ثم توهمها أنك انصرفت، وتعود فتختبئ في الغرفة المجاورة للقاعة أو المجاورة للغرفة التي تكون فيها، وليس ذلك عليك بعزيز، فإنك قادر على شراء الخدم بالمال، فإذا قبلت بهذا الشرط فاحضر الليلة.
– رضيت وموعدنا هذه الليلة.
– لا تنسَ أن تصحب معك المال.
فأجابه باسمًا: وسأصحب المسدس أيضًا.
فانحنى شاروبيم مسلِّمًا وقال: لقد أصبت، فلا نعلم لمَن يكون النصر.
ثم افترقا، فدخل شاروبيم إلى قاعة اللعب، وذهب الكونت إلى باكارا، ثم اجتمع شاروبيم بروكامبول، وأخبره بما جرى بينه وبين الكونت الروسي، وعند منتصف الليل، وقد دنا موعد اجتماعه بباكارا برح النادي وذهب إليها.
وكانت باكارا قبل ذلك بساعة مختلية مع الكونت أرتوف، فكانت تقول له: إني لم أكن أثق بالتنويم المغناطيسي فبات لي الآن به ثقة شديدة، وذلك لأني قد وقفت به على أسرار غريبة بفضل تلك الفتاة اليهودية التي ألقتها الصدفة بين يدي، فإني علمت منها منذ خمسة أيام أن شاروبيم قد ذهب إليك وفاوضك بأمر تجديد الرهان، ولولاها ما تمكَّنْتُ من إنقاذ ليون وفرناند الذي طالما أحببته، ولا بد أن تكون قد علمتَ الآن لماذا حكمتُ على شاروبيم منذ أول يوم لقيته فيه بأنه رجل خائن لا يستأهل الإشفاق. والآن فإني غير مستائة من هذا الرجل لأنه قد راهن عليَّ، فإن ماضي حياتي يستوجب مثل هذه الإهانة، إلا أنني علمت من هذا التنويم أنه يطارد امرأة شريفة، وأنه لا بد له من إعدامها إذا لم أتداركه، إلا أني لا أعلم شيئًا من قصده، وهو ما أذوب تلهُّفًا لمعرفته، ولا بد من معرفته مهما كلَّفَني الأمر.
– اطمئني فسنقف على حقيقة هذا السر.
– إن ذلك لا يتيسر لنا إلا إذا حملناه على شراء حياته.
– هو الحق ما تقولين، وسنرى في شأنه، لكني ألتمس منك إجابتي إلى سؤال، وهو أن تخبريني عن الرجل الذي نجا من قبضتنا أمس.
فتنهدت باكارا وقالت: إنه رسول جهنم على الأرض، وعندي أنه هو الذي يدير جميع هذه الفتن والدسائس، ولكني لم أجد سبيلًا إلى إظهاره، فإنه يبالغ في الخفاء والتنكر إلى حد يستحيل معه على الأبالسة نفسها أن تعرفه. وإنما كتمتُ أمره لأني لو بحت بسره لما صدَّقني أخوه ولا أحد من الناس، فقد اشتهر بتوبته الكاذبة، وبالغ بالمظاهرة في التزهد والتقشف، حتى بات يحسبه الجميع أنه مثال التقوى والصلاح، وما هو بالحقيقة غير شيطان بزي إنسان.
ثم جعلت تقص عليه جميع ما مرَّ بنا من أحاديث أندريا في روايتنا الأولى، إلى أن أتت على ذكر جميع مكائده، فذعر الكونت وقال: أأنت واثقة من أن أسيرنا بالأمس كان هو بعينه؟
– كل الثقة، فإنه يتنكر على جميع الناس دوني؛ لأني أعرفه من عينيه، ولو بقي في قبضتنا أمس لذهبت به مكبَّلًا إلى أخيه، وجعلته يعترف أمامه بتوبته الكاذبة.
– لا تيأسي من الظفر به، فإن الأيام بيننا ولا بد لنا من القبض عليه متلبسًا بجناية من الجنايات، فنحمله على الاعتراف بجرائمه كرهًا، ونريح أخاه من مكره.
وفيما هما على ذلك إذ دقت الساعة مؤذنة بانتصاف الليل، وكان الكونت قد أخبرها بما دار بينه وبين شاروبيم، فدفعته إلى الغرفة المجاورة وقد سمعت وقع أقدام شاروبيم على السلم وقالت: هو ذا قد أتى، فاختبئ إلى أن نرى ما يكون؟
وبعد لحظة طرق الباب ودخل شاروبيم، فتظاهرت باكارا بالانذهال لرؤياه وقالت باسمة: كيف تزورني دون إذني؟
فاختلج فؤاد شاروبيم وخطر في باله ذلك الكتاب، وقد خشي أن يكون الكونت قد زوَّرَه ليبعث به ويظفر بالرهان دونه، ولكنه تجلَّدَ ودنا باسمًا من باكارا، فقبَّلَ يدها وهو يقول: ألعلي عصيت أوامرك؟
– نعم، ألم أقل لك أول أمس أني لا أريد أن تزورني قبل ثلاثة أيام، فكيف زرتني قبل انقضاء هذا الأجل؟
فجلس شاروبيم أمامها وقال: ما أجملك بهذا التصنُّع والتكلُّف؟
– أأنا أتكلف؟
– نعم، أليس هذا الكتاب منك؟
فأخذت باكارا الرسالة وقالت له بمنتهى السذاجة: ومَن كتب إليك هذا الكتاب؟
– أنتِ.
– كلا، فإني لم أخطَّ حرفًا منه.
– ولكنكِ أمليتِه.
فلم تردَّ وابتسمت، فكان ابتسامها نصف إقرار، فتنهَّدَ شاروبيم تنهُّدَ الفرح ووثق في الحال من كسب الرهان، وعند ذلك خطرت في باله زجاجة العطر التي أعطاه إياها روكامبول، فأخرجها من جيبه وقال أسألك أن تأذني لي بتقديم هذه الهدية العطرية، فإنها من خير العطور النادرة.
فأخذتها باكارا وجعلت تقلِّبها بين يديها على نور المصباح ثم قالت له: ما عسى أن يكون هذا العطر؟
– هو عطر هندي ذو رائحة عجيبة يندر وجود مثلها في هذه البلاد.
فداخل الريب باكارا في أمر هذا العطر، وخشيت أن يكون منوِّمًا، بل إنها تمادت في ظنونها وحسبته سمًّا زعافًا؛ لأن خيال أندريا قد تمثَّلَ لها في تلك الساعة، ولكنها كتمت ما أوجسته، ثم نهضت كأنها تحاول فتحها وجعلت تبحث عن آلة تفتحها بها، فلم تجد فقالت: ائذن لي هنيهة ريثما أفتحها وأعود إليك.
ثم خرجت بها إلى حيث يختبئ الكونت، فأومأت إليه بيدها أن يتبعها وذهبت به إلى الغرفة التي كانت فيها الفتاة اليهودية، فأجلستها أمامها ونوَّمَتْها التنويم المغناطيسي ثم قالت لها: إني آمرك أن تري مَن يوجد عندي في القاعة.
فقالت الفتاة لفورها: يوجد فيها رجل ينتظرك.
– مَن هو هذا الرجل؟
– هو الذي يقيم في المنزل المجاور لمنزل الأرملة.
فعلمت باكارا أنها تريد به شاروبيم، وعرضت عليها زجاجة العطر وقالت لها: مَن أعطاني هذه الزجاجة؟
– هو.
– ما يوجد فيها؟
فضغطت الفتاة على الزجاجة بيدها، ثم أدنتها من جبهتها ولبثت هنيهة تتأمل، ثم ردتها منذعرة وهي تقول: إن فيها سمًّا قاتلًا.
– أيقتل في الحال؟
– كلا، بل إن مَن يشربه أو يشمه يصيبه ما يصيب السكارى، فيبتدئ بإباحة جميع أسراره ثم يجعل يهذو هذيانًا شديدًا، ثم يموت شر ميتة بعد عذاب شديد.
فاكتفت باكارا بما سمعته، ثم أيقظتها وقالت لها: اذهبي فنامي نومك الطبيعي.
وخرجت مع الكونت إلى الغرفة التي كان مختبئًا فيها وقالت له: ابقَ فيها على حذر، وأنا داخلة إلى هذا القاتل.
ودخلت إلى شاروبيم ولكنها خبَّأت الزجاجة في صدرها وجلست أمامه على كرسي وقالت له: إذن فقد خُدِعت وسقطت في الفخ.
وكانت تقول له هذا القول بلهجة المتهكم، وقد هرب الابتسام من شفتيها، فاختلج فؤاد شاروبيم وسألها: أي فخ تعنين؟
– أريد به الرسالة التي قادتك إلى هنا، إلا إذا كانت من مخترعاتك.
– ألستِ أنتِ إذن التي كتبتها؟
فقهقهت ضاحكة وقالت: لقد بلغت البلاهة منكم معشر الرجال أنكم تحسبون أن نظرة واحدة منكم تكفي لافتتان النساء بكم.
– ولكنكِ ألم تأذني لي بزيارتك؟
– أتريد أن أكلمك بحرية وجلاء؟
– لا أحَبَّ لديَّ من هذا.
– إذن فاسمع … أتعلم لماذا قبلتك في منزلي بدلًا من أن أطردك كما تستحق لتجرُّؤِكَ ومراهنتك عليَّ كما يتراهنون على الجياد؟ ذلك لأني كنتُ أعرف عنادك وثقتك من نفسك، فعلمت أنك مائت لا محالة، فإذا أصررتَ على الرهان وأردتُ إنقاذك من الموت … انظر إليَّ أترى بين ملامحي ما يدل على الشر والتلذذ بقتل الناس؟ إن باكارا لا تطيق أن يقتتل رجلان من أجلها؛ ولهذا فقد أذنت لك أن تزورني وبالغت في ملاطفتك كي أحملك على الرجوع عن هذا الرهان الشائن الخطر، فإن الكونت أرتوف يقتلك دون إشفاق لو تم عقد هذا الرهان وكان الفائز فيه، بل كان ينوب في قتلك عن العدالة، فإنك تجرأت على إهانة امرأة ليس لها أخ ولا أب ولا زوج يحميها.
فطاش رأس شاروبيم مما سمع وقال: إذن فأنتِ لا تحبينني؟
فضحكَتْ ضحك الهازئ وقالت: لا شك أنك مجنون.
ثم دفعت يده التي كان يقدِّمها لها بأشد احتقار، وعند ذلك فُتِح باب الغرفة المجاورة وطلع منه الكونت أرتوف طلوع القضاة، فكان كالصاعقة انقضت على رأس شاروبيم، فصاح صيحة القانط وجعل يتراجع منذعرًا لمرآه حتى استند إلى الجدار.
وكان بيد الكونت مسدس، فمشى به إلى شاروبيم وقال له: إني يا سيدي قد أحضرت معي المال كما طلبتَ، وأحضرتُ معه هذا المسدس فاستعدَّ للموت حسب الاتفاق، فإنك لم تَفُزْ بقلب باكارا.