الفصل 39
وَلْنَعُدِ الآن إلى السير فيليام أو السير أرثير أو أندريا، فإن هذا الرجل الهائل عندما برح منزل الكونت مايلي كما قدمناه، ذهب توًّا إلى روكامبول الذي كان ينتظره في منزله لتلقِّي أوامره، وأخبره روكامبول بجميع ما كان بين شاروبيم والمركيزة، وأظهر له ريبه من الفوز لما لقيه من عدم اكتراث المركيزة. فهزأ به أندريا وقال: إنها إذا كانت غير مكترثة به كما توهمت، لما سمعت جميع حديثه ولأوقفته عند أول كلمة قالها، ولكنك لا تزال غِرًّا جاهلًا حديث العهد بهذه المهنة.
– كيف نرجو الفوز ولم يَعُدْ لنا من الوقت سوى ستة أيام؛ لأن الهندية شربت السم أمس وإذا ماتت قبل فوزنا بإغواء المركيزة فكيف تظفر بالملايين، وإذا كانت لم تظهر إشارة حب لشاروبيم إلى الآن، فكيف نرجو أن نغويها، وفوق ذلك أن شاروبيم أخبرها أنه راحل عن هذه الديار، فكيف يتيسر له لقاؤها بعد هذا القول؟
– أما إغواء المركيزة فلا نريد به سوى الظاهر، وسيان تهتكت بحبه أم اقتصرت على ما هي عليه الآن من الرضى عنه والرأفة به، وإن الغرض الذي نسعى إليه وهو أن يباغت المركيز شاروبيم والمركيزة في غرفة واحدة، وأما اجتماع شاروبيم بها فهو أمر ميسور لديَّ.
– أين يجتمعان؟
– في منزل الأرملة وقد أوقفت المركيز على ما ينبغي، بحيث يكفيه أن يرى امرأته مع شاروبيم لإثبات خيانتها. فاطمئن واستعِدَّ للسفر.
ثم أخبره بجميع ما كان من أمر ليون، وأمره أن يتزَيَّا بزي سائق مركبة كي يسوق المركبة التي تسافر بليون والفيروزة، وأخبره بجميع ما ينبغي عليه أن يفعله.
وبعد ساعتين كانت المركبة واقفة على باب منزل الفيروزة وروكامبول ينتظر فيها بزي سائق، ثم أقبل مع الخادم كما تقدَّم، ولما رأته الفيروزة أسرعت إليه وتأبَّطَتْ ذراعه وسارت به إلى المركبة واندفع معها يقدِّم رجلًا ويؤخِّر أخرى، وكأنها خشيت منه عاقبة هذا التردد فجعلت تغازله وتكشف له كوامن حبها ما أنساه امرأته وولده، فصعد معها إلى المركبة وسارت بهما تنهب الأرض حتى خرجت من باريس واجتازت مسافة مسير ساعة في طريق نورمانديا.
إلا أن ليون ما لبث أن عادت إليه هواجسه، وذكر امرأته وولده، وعلم أنه يأتي أمرًا جنونيًّا لا يُقدِم عليه العاقلون، ثم تمثَّلَ له ولده وهو يناديه ويتبسم له ابتسام الملائكة فاتحًا ذراعيه لضمه، فثارت في فؤاده عواطف الأب وأفلت يده من يد الفيروزة وصاح بغتة بالسائق يقول: قِفْ فلا طاقة لي بارتكاب هذه الخيانة.
فخطر للفيروزة خاطر سريع، وقالت له: ليكن ما تشاء، أتريد العودة إلى باريس؟
– أجل.
– إذن، نفترق إلى الأبد.
واختلج ليون وجعل الواجب الشريف والحب الفاسد يتجاذبان فؤاده الضعيف، ولكن الواجب قد انتصر، فصاح أيضًا بالسائق وقال: قِفْ، فإني لا أريد أن أفارق ولدي.
فنادت الفيروزة السائق وأمرته أن يقف ثم قالت لليون: يعز عليَّ أن أفارقك، إلا أني لا أستطيع أن أدعك في هذه البراري المقفرة، فإننا نبعد خمس مراحل عن باريس.
– لا بأس، إني أعود ماشيًا على الأقدام.
– كلا، بل ترجع بك المركبة.
ثم أمرت السائق أن يرجع بهما إلى باريس.
وكان روكامبول قد سمع جميع الحديث فقال لها: إن الخيل قد تعبت يا سيدتي، ولا طاقة لها بالرجوع وقد دنونا من محطة قريبة، فإذا شئتِ وصلنا إليها واستبدلنا الجياد ثم نعود.
– إذن، فأسرع إلى هذه المحطة.
فدفع روكامبول الجياد وليون مطرق بعينيه إلى الأرض لا يجسر أن ينظر بهما إلى الفيروزة، حتى وقفت المركبة أمام فندق منفرد، فنادى روكامبول أصحابه وللحال فُتِح الباب وخرج منه فانتير وهو الخادم الذي وضعه أندريا في منزل الأرملة مالاسيس، وقد تزَيَّا بزي أصحاب الفنادق، فقال له روكامبول: أسرع وأعِدَّ لي جوادين قويين أعود بهما إلى باريس.
ثم أومأ إليه بخفة، فعلم فانتير المراد، وقال: لا سبيل للحصول عليهما قبل ساعتين.
وكان ليون والفيروزة يسمعان الحديث، فتظاهرت الفيروزة بالسرور وطوَّقَتْ ليون بذراعيها وهي تقول: إني سأتزود منك ساعتين.
فأطرق ليون، وقد أخذت تلك العواطف الفاسدة تتغلب على فؤاده، فمسكت الفيروزة بيده وصعدت به إلى الدور الأول يتقدمهما صاحب الفندق وهو خادم الأرملة، وأعَدَّ لهما غرفة خاصة وأمرته الفيروزة أن يحضر لهما ما يأكلان ويشربان، فخرج مُسرِعًا وعاد يحمل طعامًا باردًا وزجاجة مختومة من الخمر، فوضع الطعام على مائدة وأخذ يفض ختم الزجاجة، وهو يشير بطرف خفي إلى الفيروزة، فعلمت أن في الزجاجة مخدِّرًا أخبرها عنه روكامبول.
وهذا المخدر الغريب في بابه، أحضره معه أندريا حين كان في البلاد الأميركية، وهو مسحوق نبات يُمزَج بالشراب فلا يغيِّر طعمه ولونه ورائحته، فإذا شربه المرء تخدَّرَتْ حواسه جميعها ما عدا حاسة السمع، بحيث يسمع جميع ما يقال أمامه دون أن يرى أو يستطيع حراكًا مدة يوم كامل.
فلما أتَمَّ الخادم فتح الزجاجة، وضعها على المائدة وخرج، فأخذتها الفيروزة وصبَّتْ منها في كأسين وجعلت تنادم ليون وتشاغله عن امرأته وولده بأطيب الحديث، وتذكر له ما ستلقاه من لواعج الوجد بعد فراقه، ثم سقته ما بالكأس فشربه جرعة واحدة، وأدنت كأسها من فمها ثم أرجعته نافرة منه ورمته مدعية أنها وجدت فيه ذبابة، واستدعت صاحب الفندق فأمرته أن يحضر لهما زجاجة غيرها، فلما أحضرها جعلت تشاركه بشربها لخلوها من المخدرات.
وما مضى على ذلك هنيهة حتى أحس ليون بفتور في جميع أعضائه، ثم تثاقلت عيناه فجعل يتثاءب تثاؤبًا شديدًا، وهي تتظاهر بالانذهال من نعاسه حتى أطبق جفنيه وسقط لا يعي، فأسرعت إلى نداء صاحب الفندق وأحد خدَّامه، وقالت لهما وهي تعلم تأثير المخدر وأنه يسمع جميع ما تقول: احملا الزوج العزيز إلى سرير، واحذرا من أن تزعجاه فإنه منذ يومين لم يَنَمْ.
فحملاه ووضعاه على السرير، فأخذت كرسيًّا وجلست بإزائه وجعلت تناغيه بألطف الأصوات وتودعه بأرق العبارات، كأنها تحاول أن تسافر وتتركه نائمًا كي تهرب، فكان يسمع كل ما تقول لكنه لا يستطيع أن يبدي حركةً لتأثير هذا المخدر القوي.
وفيما هما على ذلك إذ سمع من خارج الغرفة صوت رجل شديد يسأل صاحب الفندق بلهجة السيادة، فيقول: ألم تمر بك مركبات في هذه الليلة؟
– نعم، لقد مرت بنا مركبتان إحداهما لرجل إنكليزي، وقد استراح هنيهة وسافر، والثانية لرجل وسيدة وهما بائتان عندنا في هذه الليلة.
فصاح هذا الرجل صيحة فرح، ثم استتلاها بالشتائم والسباب وقال: إن جهنم قد بعثت بي إلى هذا المكان لأعاقب الخائنين.
أما الفيروزة فإنها أجفلت حين سماعها هذا الصوت وقالت: يا ويلتاه! إنه يطاردني فما عساه به وبي يصنع؟
وكان ليون رولاند سامعًا فخاف خوف الفتاة وأفظع؛ إذ لا يطيق الدفاع وهو كما علمت لا صاحيًا ولا يهجع.
أما صاحب الصوت فإنه استدل من صاحب الفندق على الغرفة التي يقيم الرجل والمرأة، فركض إليها مسرعًا ورفس بابها برجله فانكسر الباب، وخرج منه دوي شديد، ودخل الرجل حتى إذا رأى الفيروزة هجم عليها وقبض على شعرها وهو يقول: أين المفر الآن وأنتِ في يدي؟
فركعت الفيروزة وقالت: رحماك! أشفق عليَّ.
– لا رحمة ولا إشفاق، فلا بد من قتلك وقتل هذا الرجل الذي تخونيني من أجله.
– رحماك، وإذا لم تُرِد الإبقاءَ عليَّ، فأبقِ عليه.
– كلا، بل تموتين وإياه.
ثم هجم كأنه يريد قتل ليون، وهو يقول: سيسيل دمه على يديكِ، ثم تموتين بعده شر موت.
غير أن الفيروزة حالت بينه وبين ليون كأنها تريد الدفاع عنه أو الموت قبله، وجعلت تستعطفه وتتملقه، فلا يزيد إلا عتوًّا. كل ذلك وليون سامع جميع الحديث، ولا يستطيع أن يبدي حراكًا كالنائم يصاب بالكابوس، ولكنه كان ينتظر الموت في كل لحظة.
وكان هذا الرجل قد لان فؤاده لاستعطاف الفيروزة، لا سيما حين قالت له: إني أتبعك حيث تشاء، وأحبك حبًّا أكيدًا إذا أبقيت على هذا الرجل إذ لا ذنب له.
– أتقسمين على ذلك؟
– أقسم لك بإله السماء والأرض أني أكون لك أتبع من ظلك وأطوع من بنانك، بشرط أن لا تتعرض له بأذى.
– إذن هيا بنا نعود إلى منزلك في باريس، والويل لكِ إذا خطرت لك الخيانة في بال أو حنثت باليمين.
ثم أخذها بيدها، وخرجا من تلك الغرفة إلى قاعة الفندق في الدور الأول.