الفصل 37
تركنا الفيروزة تعبث بفرناند وليون كما يشاء فيليام، وهي قد غادرت زوج سريز هائمًا مفتونًا لا يستقر على حال من يأسه، ويبحث عنها في كل مكان ولا يجدها، وتركت فرناند متولهًا بحبها، وهو يحسبها هائمة وأنها من فضليات النساء لإيثارها الفقر على الغنى، ورفضها ما كان لها من النعمة، غير أن فرناند لم يكن يطيق أن يراها تقيم في غرفة حقيرة، فما زال بها حتى أقنعها على سكنى القصور، فاشترى لها قصرًا بديعًا وفرشه بأجمل الأثاث، وأحضر لها المركبات وأصائل الجياد بحيث تكلَّف عليها نصف مليون أول دفعة من ثمن هذا الحب الشائن.
غير أن أندريا لم يكن غرضه الاقتصار على كسب مال فرناند، بل إنه كان يريد سلب ماله وشرفه وحياته، وقد بدأ بسلب المال والشرف، فبقي عليه سلب الحياة. وكان قد هاج مكامن الغرام في صدر ليون وفرناند وجعلهما يحبان امرأة واحدة ابتغاءَ إثارة الغيرة في قلب ليون، وحمله على قتل مزاحمه، ولهذا دفع الفيروزة إلى مقاطعة ليون والاحتجاب عنه، حتى أوشك أن يجن من يأسه، وجعل يبحث عنها كل يوم في جميع أنحاء باريس وهو لا يهتدي إليها لفرط مبالغتها في الاحتجاب، فلما رأى أندريا أن وقت الانتقام قد دنا، أمرها أن تمر بمعمل هذا الرجل كي يراها، ثم علَّمَها ماذا تصنع حين اجتماعه بها. فلبست أفخر ما لديها من الثياب، وركبت خير المركبات التي اشتراها لها فرناند، وأمرت السائق أن يسير الهوينا في الشارع الذي يوجد فيه معمل ليون، فامتثل السائق، ولما مرت المركبة بباب المعمل نظرت ليون جالسًا على كرسي، مطرقًا بنظره إلى الأرض، فمرت دون أن ينتبه إليها فاستمرت في مسيرها، ثم عادت فألقته واقفًا على الباب ينظر إلى المارين نظرات القَلِق المضطرب.
وقد استلفت نظره صوت المركبة، فنظر إليها وهي لا تزال بعيدة عنه عدة أمتار، فاستوقف بصرَه حُسْنُ رونقها، ولباس سائقها وجمال جيادها، فأطال النظر بها حتى مرَّتْ به، ورأى الفيروزة تنظر إليه دون اكتراث كأنها ما عرفته من قبلُ، ثم ذكر أنها كانت عاملة فقيرة ورأى ظواهر نعمتها فجُنَّ من الغيرة، وعلم أنها لم تصده إلا لانشغالها بسواه من الأغنياء، فأسرع يعدو وراء مركبتها، حتى عثر بمركبة مُعدَّة للأجرة، فركب فيها ووعد السائق بجزاء حسن إذا أدرك مركبة الفيروزة.
فاندفعت المركبة في إثرها حتى أدركتها حين دخلت إلى حديقة القصر، فاستوقفها ليون وأطلق سراحها، ثم ذهب إلى القصر الذي أقفل بابه بعد دخول الفيروزة، فطرقه بكلتا يديه وهو يود لو تمكَّنَ من كسره، فخرج إليه البوَّاب وقال له: ماذا تريد؟
– أريد أن أرى سيدتك في الحال.
– لا بأس في ذلك، غير أن سيدتي لا تستقبل إلا مَن تعرفه.
فذكر له ليون اسمه، فاستوقفه البوَّاب وذهب إلى الفيروزة يخبرها بأمره، ثم عاد إليه فقال: إن سيدتي لا تعرفك، ولكنها تستقبلك لتعلم ما تريد.
وطاش رأس ليون وقال في نفسه: إما أن أكون منخدعًا وإما أن تكون قد أنكرتني. ولكنه تبع الخادم حتى أوصله إلى غرفة الاستقبال وتركه فيها وانصرف، فجلس ليون يفكِّر تفكير المهموم، ثم نظر إلى ما يحيط به من مظاهر الثروة، وذكر أن الفتاة قالت حين عرض عليها اسمه إنها لا تعرفه، فخشي أن يكون منخدعًا وأن تكون تلك الفتاة قد تمثَّلَتْ له بالتي يحبها، وحاول أن يخرج من القاعة ويفر، إلا أنه ما لبث أن نهض عن كرسيه حتى فُتِح الباب ودخلت الفيروزة، فصاح صيحة الفرح المستبشر قائلًا: هي … هي بعينها. ثم أسرع إليها.
ولكنها تراجعت عنه ونظرت إليه نظرة إنكار وهي تقول: أأنت ليون رولاند الذي طلب أن يراني؟
فانقضَّ هذا الكلام عليه انقضاض الصاعقة، وسقط على كرسي وقد عُقد لسانه عن الكلام.
وقالت له: يظهر أنك قد غلطت بي يا سيدي!
– كلا، يستحيل أن يخلق الله فتاتين تتشابها إلى هذا الحد، وأنتِ أوجيني ابنة غارين التي طالما أظهرَتْ لي حبَّها وأظهرتُ لها حبي.
فأظهرت الفيروزة عدم الاكتراث ثم قالت: أعيد عليك القول يا سيدي، إنك مخطئ فإني لا أُدعَى الآنسة أوجيني، بل أُدعَى مدام دولار.
فجثا ليون على ركبتيه وقال لها: بالله كفِّي، فإني أبحث عنك منذ ثمانية أيام، ولا تخدعيني إلى هذا الحد. إني لا أعلم ما أصبحتِ عليه الآن، ولكني أعلم أنك ابنة غارين التي كان أبوها عاملًا عندي، وأني أحببتك ولا أزال مفتونًا بكِ بعد احتجابك، وجعلت أعدو في إثر مركبته كالمجانين حتى عرفتُ منزلك ووصلت إليك، فلا تقطعي قلبي بهذا الإنكار.
وكانت الفيروزة تصغي إليه صامتة، حتى إذا فرغ من حديثه قالت له بإشفاق: انظر إليَّ جيدًا تعلم أنك مخطئ.
– كلا، إن الله لا يخلق مثلك؛ لأنك تكفيه لفتنة عباده.
فهزَّتِ الفيروزة رأسها وقالت: قُلْ لي شيئًا عن تلك الفتاة التي تحبها.
– إنها ابنة أحد عمالي، وهي فتاة عاملة.
– إذا كان ذلك فانظر بما يحيط بك من النعمة، أيمكن أن يكون للعاملات مثل هذا الرِّيَاش؟
فأطرق ليون برأسه لأن البرهان قد غلبه، فلم يعلم ماذا يقول، وأنَّ أنينَ المتوجِّع، فقالت له: خفض عليك، وأصغِ إليَّ فإني سأزيل هذا الاعتقاد الراسخ في ذهنك، وَلْنفرض الآن أني أنا هي تلك الفتاة العاملة التي تحبها والتي احتجبَتْ عنك كما تقول.
فصاح ليون: نعم، أنتِ هي.
فأجابته باسمة: لنفرض أني أنا تلك الفتاة وأني كنت عاملة فقيرة حين كنت تحبني، فلا بد لي إذن أن أكون من بنات الجن، وإلا فكيف تتبدل حالي من الفقر المدقع إلى أقصى درجات الغنى في مدة ثمانية أيام. وإذا كنتَ لا تزال بعد هذا على اعتقادك فَلْندخل في باب الافتراض، فإنه باب واسع، وَلْنفرض أولًا أن والدي غارين كما تقول كان له أخ، وأن هذا الأخ قد سافر إلى البلاد الأمريكية ثم عاد في هذه الأيام وهو من أصحاب الملايين، فأقام ابنة أخيه في هذا القصر.
فهزَّ ليون رأسه وقال: هذا مستحيل.
– إذن لنفرض افتراضًا ثانيًا، وهو أن هذه الفتاة العاملة حين احتجبت عنك لقيت غنيًّا هنديًّا أو أميرًا روسيًّا، فأحبها وخرجت منك إليه.
فعضت الغيرة قلب هذا المسكين، ووثب عن كرسيه يصيح: هو ذاك، أرأيتِ الآن كيف أني لم أخطئ؟
– لا تَنْسَ يا سيدي أني أفترض افتراضًا، ثم إنه إذا كانت ثروتي قد تغيَّرَتْ بثمانية أيام، فإن آثار العمل لا تزول من يدي في هذا الزمان الوجيز، انظر إلى يدي أَتَرَى عليها آثارَ الاشتغال بالصناعة؟
وأطرق بنظره إلى الأرض دون أن يجيب، فقالت الفيروزة: لنفترض أيضًا فرضًا ثالثًا، وهو أن ابنة غارين لم تكن ابنة غارين، ولم تكن عاملة حين عرفتها، بل كانت على ما أنا عليه الآن.
– كلا، إن هذا محال.
– إذن، اختر ما تشاء بين أن أكون ابنة غارين العاملة، أو مدام دلاكور التي تراها الآن.
فغطَّى ليون عينيه بيديه وقال: رباه! أحقيقة ما أراه أو حلم من الأحلام؟
– اسمع بقية الافتراض، إن هذه الفتاة كانت من أشد بنات الهوى دلالًا، ولكنها كانت تحب الحوادث والأسرار والغرائب، وقد اتفق أنها رأتك يومًا فشغفت بك؛ وذلك لأن الحب كثير العجائب، فقد يحب المرء بنظرة واحدة، فتَزَيَّتْ بزي عاملة فقيرة حتى يحبها هذا العامل الفقير؛ لأنها لو بدت له بمظاهر ترفها لأحجم عنها، ثم لما عاشرته علمت أنه رجل محتهد شريف وأن له امرأةً تحبه وطفلًا صغيرًا.
فصرخ ليون بسرور كاد يقتله: إذن أنتِ هي، ولا سبيل بعدُ للإنكار.
فابتسمت الفيروزة وأجابته: ربما.
فحاول ليون أن يركع أيضًا أمامها، ولكنها نظرت إليه نظرة اضطراب لها، ولبث في مكانه فأتمت حديثها تقول: إن ما تريده المرأة يريده الله، وهو مثل صادق، ولهذا فإن تلك الفتاة تزَيَّتْ بزي العاملة كي تحملك على حبها، ففازت بك وبلغت منك ما تريد، إلا أنه لنكد الناس أن لكل شيء نهاية، وعلى هذا فإن الحب مهما اشتد فإنه يزول عند حدوث طارىء، وقد كان هذا الطارئ أن تلك الفتاة ذكرت أنها تسيء إلى رجل شريف، وأنها من بنات الهوى الشهيرات، وأنها تُلقَّب بالفيروزة، ولكنها كانت تحب هذا العامل حبًّا شديدًا، فآثرت أن تعيش تعسة منكودة بالبعد عنه، وقاطعته كي لا تسيء إليه بحمله على الافتتان بها، لأنها تحبه حبًّا أكيدًا، ولكنه متزوج وله طفل صغير أولى بحبه منها، فإذا جفته فقد ينساها بتقادم الأيام، دون أن تغادر في فؤاده أثرًا من الاحتقار.
وكانت تقول هذا القول وهي تتظاهر بالتأثر الشديد، حتى إن ليون نظر إليها فرأى دمعة قد سقطت على وجهها، ولم يستطع أن يضبط نفسه بل أكَبَّ عليها يُقبِّلها، وهو يقول باكيًا: أنتِ هي … لا تنكري بالله وكفاني ما صبرتُ.
فجعلت تبكي لبكائه وتقول: أنا، أجل أنا هي … أنا التي أحبتك وخدعتك، ولا تريد أن تراك … اذهب عني فقد عرفت الآن مَن أنا، وعرفت أنك لا تستطيع أن تحبني.
– كيف أستطيع فراقك؟
– كيف تحبني وأنا امرأة ساقطة، أؤثر أن يقتلني الغرام على أن تحتقرني، فانساني ولا تفتكر بغير امرأتك وولدك، فإني مسافرة إلى البلاد الأمريكية.
– إني أسافر معكِ، ولو ذهبتِ إلى أقصى المعمورة.
– كلا، بل أسافر وحدي لأنك مقيَّد بحب سواي.
فركع ليون أمامها وقال: إني لا أحبك حبًّا بل أعبدك عبادة، وسأكون لك أتبع من ظلك وأطوع من بنانك.
– لا ريب عندي في حبك، ولكني أخشى أن تحتقرني لأني من بنات الهوى.
– أقسم لكِ بكل عزيز في الأرض ومقدَّس في السماء أني أنسى الماضي وأحترمك أجلَّ احترام.
– إذن فَلْنهرب وَلْنَدَعْ هذه العاصمة السوداء التي لا يلقي فيها المرء سوى الخجل والذنوب، إلى بلاد نجني فيها ثمرات الحب دون رقيب.
فجُنَّ هذا المنكود من فرحه وقال: لنسافر حيث تشائين.
ولكنه ما لبث أن تفوَّه بهذا القول حتى مرت بخاطره امرأته سريز، وتمثَّلت له حاملة على ذراعها طفله الصغير وهو يبتسم له ابتسام الملائكة الأطهار، فتنبَّهَتْ منه عواطف الأب وأجفل وهو يقول: ولدي!
فتراجعت الفيروزة إلى الوراء وقد اصفرَّ وجهها وقالت: أرأيت كيف أنه يجب أن نفترق فراقًا أبديًّا لأن لكَ امرأة وولدًا؟
ثم تركته مسرعة، فبرحت القاعة وأقفلت بابها، فبقي المسكين وحده وهو لا يعلم ما يعمل. ولكنه لم يَطُلِ انتظاره حتى فُتِح الباب ودخل خادم يحمل إليه رسالة، ففتحها وتلا فيها ما يأتي:
وإن لك امرأة وولدًا، سوى أنك إذا كنتَ تحبني كما أحبك، فلا ينبغي أن تحب امرأتك، بل خُذْ ولدَك وَلْنهرب به، فإني سأحبه كما تحبه أمه، وسأكون له خير أم. فاخْتَرْ بين أن تدعني أسافر وحدي، فلا تراني إلى الأبد، وبين أن تسافر معي، فإذا شئتَ السفر، احضر بولدك غدًا، بل هذه الليلة إذا أردت، ولا تكتب لي لأني لا أرجع عن هذا العزم.
فلما أتم ليون قراءة الرسالة وضعها في جيبه، وخرج من هذا المنزل الجهنمي بحالة تحمل على الإشفاق.