الفصل 35
يذكر القراء أن روكامبول وعد شاروبيم أن يعدَّ له خلوة مع المركيزة، ففي مساء ذلك اليوم ورد إلى المركيزة كتاب من وكيل منزل صديقتها الأرملة، يخبرها فيه أن سيدته أُصِيبت بمرض فجائي باتت بعده في خطر الموت السريع، وأنه قد تجاسر على أن يكتب إليها لأن سيدته قد فقدت رشدها، ولم تَعُدْ تعي على شيء، فأسرعت المركيزة لزيارة صديقتها فرأتها على ما وصفها الخادم بحالة تقرب من الاحتضار، ولقيت الطبيب بقربها ينظر إليها نظر القانط.
وكان الطيبب ووكيل المنزل والأرملة وخادمتها من صنائع أندريا، وكل واحد يمثِّل الدور الذي أُمِر بتمثيله، غير أن الأرملة أتقنت تمثيل الاحتضار حتى كانت دموع المركيزة تسيل إشفاقًا عليها.
ولفَّقَ لها الطبيب ما شاء عن هذا المرض الفجائي، إلى أن أخبرها بيأسه من شفائها، ولكنه بقي له أمل وحيد بتغيير قد يحدث لها في الليل، فإذا لم يحدث لها شيء من ذلك فلا رجاء بحياتها، غير أنه يجب السهر عليها، فهاجت المروءة بصدر المركيزة وقالت: أنا أسهر على هذه الصديقة، فعسى أن ينقذها الله مما هي فيه. ثم دعت فانتر وهو وكيل المنزل فأعطته رسالة إلى زوجها المركيز أخبرته فيها بمصاب صديقتها، وأنها اضطرت إلى البقاء عندها هذه الليلة وطلبت إليه أن يحضر إليها في الصباح كي يعود بها، فأخذ الرسالة وانصرف ثم خرج في إثره الطبيبُ، بعد أن وصف لها دواء تستعمله متى عاد إليها رشادها.
وجلست المركيزة بإزاء سرير هذه الصديقة الكاذبة تنتابها الهواجس والأفكار، وكانت نوافذ الغرفة مقفلة بأمر الطبيب، فبينما المركيزة تجيل نظرها، رأت نور مصباح يضيء في إحدى غرف المنزل المجاور، فعلمت أن النور في منزل شاروبيم وأنه لا بد أن يكون فيه، فجعل فؤادها يضطرب اضطراب ذلك النور. ثم انطفأ النور وساد السكوت.
وبعد هنيهة سمعت وقع أقدام ووجف فؤادها، وحدَّثَها قلبها أن القادم هو شاروبيم، فما طال انتظارها حتى صدق ظنها، ورأت شاروبيم داخلًا وقبعته بيده، فأظهر الانذهال حين رآها، ثم دنا منها فحيَّاها باحترام وقال: إني عدت الآن إلى منزلي يا سيدتي فأخبروني أن مدام ملاسيس في خطر شديد، فلم يسعني إلا الإسراع للاطمئنان عنها، وكنت أرجو أن أرى خادمتها غير أني رأيت الأبواب مفتوحة، ولم أَرَ أحدًا فتقدَّمْتُ حتى بلغت غرفتها وأنا لا أعلم شيئًا حتى الآن، فاصفرَّ وجه المركيزة، وأوشك لسانها أن ينعقد مما تولاها من الاضطراب، غير أنها تغلَّبَتْ على عواطفها وقالت: أشكرك يا سيدي لاهتمامك بأمر صديقتي، وهي الآن نائمة كما ترى، وأرجو أن يكون نومها دليل خير.
فانحنى شاروبيم شاكرًا ثم قال: إذا كان الأمر كذلك، فَأْذَنِي لي يا سيدتي بالانصراف.
وقد قال هذا القول وهو يؤمل أن تستوقفه، غير أن المركيزة لم تحقِّق أمانيه، بل إنها ردت له التحية بأحسن منها، فمشى شاروبيم مِشية القَلِق المضطرب، حتى إذا وصل إلى الباب خطر له أن يعود، فأقفل الباب وعاد إلى المركيزة وهي تكاد تسقط من الاضطراب، وقال لها: عفوك يا سيدتي، فإني لا أستطيع الذهاب قبل أن أبوح لك بخطأ ارتكبته.
فأجفلت المركيزة وسألته: أي خطأ؟
فقال شاروبيم بصوت تكلَّفَ فيه لهجة الاضطراب: خطأ كذبي عليك الآن، نعم يا سيدتي فلقد كذبت عليك. ثم سكت وجعل ينظر إليها كي يعلم ما يكون من تأثيرها، فرآها قد سقطت على كرسيها كأن رجليها لم تَقْوَيَا على حملها، غير أنها ما لبثت أن استقرت على الكرسي حتى هبت لها قوة من لدن السماء، فتمكَّنَتْ من إخفاء اضطرابها وأجابته بسكينة: لا أعلم يا سيدي أي كذب تعني، فتفضَّلْ بالجلوس وقُلْ ما تشاء؛ فإني مصغية إليك.
فلبث شاروبيم واقفًا وقد تلبَّسَ بلباس الحزن والسويداء، وقال: إني عدت إلى منزلي وعرفت بمرض جارتي الآن كما قلت لكِ، غير أني ما أتيت لمنزلها بغية السؤال عنها، بل لدافع أشد وهو أني علمت يا سيدتي من بوَّاب المنزل أن مدام ملاسيس مريضة وأنك عندها.
فحاولت المركيزة أن تعترضه وتوقفه عند حده، فقال لها شاروبيم بصوت الملتمس: بالله يا سيدتي ألا ما أصغيت لي إلى النهاية، فإني اختلائي بك بعد الآن محال، وإذا لم أخبرك بأحزاني، وأبوح لك بما أقدمت عليه من الجرأة، فلا أستطيعه بعدُ؛ لأني سأودع باريس بل أوروبا بأسرها وداعًا أبديًّا بعد ثمانية أيام.
فوجف فؤاد المركيزة وقالت: أتسافر؟
– نعم، ولا أحمل في قلبي غير حب واحد قد تزول حياتي ولا يزول، وإن تلك السيدة التي أحببتها لا يفصل بيني وبينها غير تلك الهوة العميقة، وهي طهارتها وفضيلتها لأنها غير مطلقة القياد.
ثم دنا خطوة منها فركع أمامها وقال: سيدتي، إني لن أراك بعد الآن، وقد ينقضي العمر ولا يُذكَر اسمي أمامك، غير أنك إذا خطر لك في ساعات خلوتك خاطرُ حزنٍ، فاذكري بين هذه الأحزان ذلك الرجل التعس الجاثي أمامك، لا يسألك غير أن تأذني له بلثم أطراف ثوبك.
وكان شاروبيم يرجو أن تُنهِضه بعد هذا الاعتراف، غير أنها سمعت حديثه إلى النهاية دون أن تخونها عواطفها، وهي تجد منه أشد الوَجْد، غير أن الله الذي يصون الطاهرات أرسل إليها روحه الأمين، فصانها من مواقف الزلل، فنهض شاروبيم وانحنى مسلِّمًا، ثم خرج يمشي بطيئًا إلى أن توارى عنها؛ فتنهَّد تنهُّد مَن سلم من خطر شديد، وسرت لتصاممها عن صوت قلبها وانصرافها إلى سماع صوت الواجب الشريف، ولبثت جديرة بأن تحمل اسم زوجها. أما الأرملة فإنها لم يفتها حرف من ذلك الحديث، ولكنها كانت متظاهرة بالنوم.
وَلْنَعُدِ الآن إلى باكارا؛ فإنها بينما كان شاروبيم يحاول إغواء المركيزة، كانت باكارا في منزل صديقها الكونت الروسي، وقد أرسلت إليه خادمتها الفتاة اليهودية، فلما وصلت استأذنت من الكونت وخلت مع الفتاة فأنامتها النوم المغنطيسي، ثم أدارت وجهها إلى جهة منزل شاروبيم وقالت للنائمة: أريد أن أعرف ما يفعل هذا الرجل الآن.
ثم خرجت بها بعد أن أيقظتها إلى حيث كان ينتظرها الكونت، فقالت له: إني عائدة الآن إلى المنزل لأن شاروبيم سيزورني، فعُدْ إليَّ في الغد.
فانذهل الكونت وقال: كيف عرفتِ أنه يزورك؟
– سيزورني بعد ساعة. ثم قالت له باسمة: لقد عرفت ذلك؛ لأني أشتغل بالكهانة والسحر.