الفصل 32
وكان في ذلك النادي كثيرون من أصدقائهم، وبينهم روكامبول باسم الكونت كامبول، وشاروبيم باسم البارون دي فرني وغيرهما، فلما دخلا إلى النادي وجدا أعضاءه، وكلهم في مقتبل الشباب، يتحدثون بشأن باكارا ورجوعها عن توبتها، وهم بين مصدِّق ومشكِّك. فكان أحدهم يقول: إني رأيتها اليوم في غابات بولونيا مع إحدى بنات الهوى. فيناقضه آخَر ويقول: أنَّى ذلك! وقد شُبِّهَتْ لكَ. ثم يقول آخَر: قد تكون صحبت تلك المرأة لغرض من الأغراض.
وما زالوا بين مصدِّق ومكذِّب إلى أن دخل البارون دي مينرف والكونت أرتوف الروسي، فلما سمعهم البارون يتجادلون، وكان روكامبول من فريق المنكرين، قال له: إنك مخطئ في اعتقادك، فقد رأيت باكارا بعيني وكلَّمْتُها.
فظنَّ روكامبول أن لأندريا يدًا في رجوعها إلى حياتها السابقة، وسكت عن الاعتراض، فقال معظم الحاضرين: ولكن كيف رجعت عن توبتها؟ وهل هي غنية؟
– لا أعلم، ولكنها إذا لم تكن غنية فسيكون لها من أموال صديقي الكونت ما تشاء.
وأشار إلى الكونت الروسي، فقال الكونت: قد تنال مني ما تريد، ولكني لم أقرِّرْ شيئًا بعدُ بشأنها.
فقال له شاروبيم: حسنًا فعلت.
– لماذا؟
– لا بد لي قبل ذلك أن أخبرك بشيء من أحوالي وماضي حياتي ومهنتي. فاعلم أني إسباني الأصل، أميركي المولد، باريسي الموطن، غير أن نسبي يتصل بالدون جيان، ومهنتي غواية النساء كما كان يصنع جدي الذي أنتسب إليه.
فضحك الحاضرون لمزاحه، أما شاروبيم فإنه عاد إلى حديثه فقال: ولقد خدعتُ كثيرًا من النساء، ولكني لا أزال طامحًا إلى غواية اثنتين، إحداهما كليوباترا ملكة مصر.
فضحك الجميع ضحكًا شديدًا، ثم طلبوا إليه أن يخبرهم باسم الثانية، فقال: هي باكارا المعروفة بأنها دون قلب، إلا أنه كان يفصلني عن كليوباترا ما بيني وبينها من الأدهار، وكان يفصلني عن باكارا عيشتها الطاهرة وتوبتها التي لم يكن يشك أحد بصِدْقها، أما وقد عادت إلى العيش، فلا يفصلني عنها شيء بعد الآن.
فقال له البارون صديق الروسي: إنك ستضيع وقتك عبثًا، فإن باكارا لا تحب سوى الذهب، ومهما بلغ من جمالك فإنك لا تبلغ شيئًا من قلبها، ولو تلبَّسْتَ بلباس جدك الدون جيان؛ لأنها دون قلب، ومَن كان مُفلِسًا فإن الملوك أنفسهم لا تستطيع نيل حق منه.
– ولكني سأعرف أين أجد منها حقوقي.
فانبرى له عند ذلك الكونت الروسي وقال له: أتأذن لي بكلمة؟
– بل بعشرين.
– إنك تدَّعِي أنك قادر على غواية باكارا.
– لا أدَّعِي ذلك ادِّعَاءً، بل أعتقده اعتقادًا.
– ألعلك واسع الثروة؟
– كلا، فإن إيرادي لا يتجاوز ثلاثين ألف فرنك في العام.
– أما أنا، فإن إيرادي يبلغ عشرين مليونًا، وربما تجاوز هذا القدر، وقد عزمت على أن تكون لي.
– إذن فستفعل فِعْلِي.
– نعم، فهل لكَ أن تعقد رهانًا بسيطًا؟
– أجل، بملء الرضى.
– إني أُمهِلك خمسة عشر يومًا، فإذا ظفرتَ بفؤادها وحملْتَها على حبك، فإني أدفع لك خمسمائة ألف فرنك في هذا المكان الذي نحن فيه.
– أقْبَلُ.
فصاح الجميع قائلين: وإذا خسر الرهان؟
فأجاب الروسي ببرود: إنه ليس بغني أراهنه على المال، ولكنه إذا لم يَفُزْ بحمل باكارا على حبه بعد هذا الأجل المعين، فإني أقتله.
فأجفل الحاضرون، وقد رأوا من ملامح الكونت الروسي أن وجهه يتجهم من الغضب، وأنه لم يمزح فيما يقول، وقالوا لشاروبيم: ماذا تقول في هذا الاقتراح؟
– إنه شرط صعب يقتضي له الإمعان والتفكير.
وقال البارون دي مينرف: بل إن تنفيذه محال.
فقال الروسي: لماذا؟
– لأننا في فرنسا، وهي بلاد لا تأذن شرائعها لأحد ببيع النفوس وشرائها، فإذا قبل شاروبيم أن تقتله، فإن الشريعة الفرنسية لا تقبل.
– إني درست شرائع بلادكم، وأنا أعلم منها ما تعلمون. إلا أني أجد لهذه العقدة حلًّا بسيطًا يتيسر فيه بيع النفوس، وذلك أنه إذا خسر خصمي الرهان تبارزت وإياه بالمسدسات، إلا أن مسدسه يكون خاليًا من الرصاص ومسدسي محشوًّا، فيموت في عين الحكومة موت المبارِز، وفي عين الحقيقة موت الخاسر في وجميعكم من أهل النبل والشرف، فإذا قتلته على هذا الشكل، فإنكم تكتمون دون ريب حقيقة السبب في قتله.
وصاح الجميع: كلا إن هذا محال!
– إذن فَلْيرجع عن قصده.
فقال شاروبيم: كلا، إني لا أرجع عنه.
– إذن إنك تقبل شرطي، إلا إذا كنتَ تخشى الفشل بالرهان.
– أقبل بشرطك.
وأقبل الجميع على شاروبيم يسألونه التروِّي والإمعان، ولكنه بقي مصرًّا على ما قال، إلى أن رأى روكامبول أنه قد استفحل، وأن هزله قد انقلب إلى جد، فتقدَّمَ من الكونت الروسي وقال له: إن المسيو شاروبيم نسي حين راهنك يا سيدي على حياته، أنه مقيَّد بتعهُّد لا يستطيع الإفلات منه، ورجائي أن لا تعتبر هذا الرهان جديًّا إلا بعد أن أخلو هنيهة معه، وأخابره بشأن خاص.
– ليكن ما تريد.
فأخذ روكامبول شاروبيم ودخل به إلى إحدى غرف النادي وقال له: ويحك ماذا فعلت؟ أتخاطر بحياتك من أجل مبلغ من المال ستربح ضعفه دون عناء؟ وبعدُ فكيف تخاطر بحياتك وهي ليست لك!
فدهش شاروبيم وقال: إذا لم تكن حياتي لي، فلمَن تكون؟
– إنها لنا، أي للجمعية، فإذا لم يأذن لك الرئيس بعقد هذا الرهان فلا حق لك بعقده.
– ولو رفض هذا الريئس وأبيت الامتثال، فماذا يكون؟
– يكون أنك لا تنال الموت من مسدس روسي بل من خنجر فرنسي، ولا أعلم مَن يقتلك، ولكنك إذا أبيت الامتثال فإنك مائت لا محالة.
– ومتى يصدر أمر الرئيس؟
– في الغد.
– إذن أنتظر للغد.
وعاد به روكامبول إلى القاعة وقال للروسي: لقد قُضِي الأمر يا سيدي.
– كيف؟ أبالرفض أم بالقبول؟
– لا هذا وذاك، ولكنه سيتمعن في هذا الشأن إلى الغد.
– إني أمهله إلى الغد، بشرط أن يحق لي زيارة باكارا في المساء.
– يحق لك ذلك.
فأخذ الروسي يد صديقه البارون ثم حيَّا الحاضرين وانصرف.
وبعد ذلك خرج روكامبول وشاروبيم، ثم افترقا على أن يحمل إليه روكامبول جواب الرئيس في الغد، فذهب روكامبول إلى منزله فوجد أندريا ينتظره فيه، فسُرَّ روكامبول لرؤياه وقال: لديَّ أمور خَيِّرة يجب إطلاعك عليها.
– ما هي؟
– أولًا، إن باكارا خلعت ثوب التوبة وعادت إلى حياتها القديمة.
– عرفتُ ذلك فما لديك أيضًا؟
– شاروبيم يريد أن يراهن على حياته، وقد أوقفت هذا الرهان إلى أن أستشيرك.
ثم أخبره بجميع ما حدث، فقطَّبَ أندريا جبينه ثم خاض في تأملات عميقة إلى أن استقر على رأي، فقال: ليعقِدْ هذا الرهان، فلا ضرر فيه علينا.
فدهش روكامبول وقال: كيف ذلك؟
– ذلك أنه قبل أن تحضر كنت أفكر في طريقة لقتل باكارا، فلما أخبرتني بهذا الرهان وجدت الطريقة.
ثم أمره أن يخبر شاروبيم أن الرئيس يأذن له بقبول الرهان، وانصرف تاركًا روكامبول في أشد الانذهال لما يحيط به من الأسرار.