التوبة الكاذبة - الفصل 27 - بقلم بونسون دو ترايل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: التوبة الكاذبة
المؤلف / الكاتب: بونسون دو ترايل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 27

الفصل 27

وَلْنَعُدِ الآن إلى باكارا، فإنها بعد أن اشترت من الفيروزة منزلها القديم وأطلقت سراحها، بقيت وحدها في المنزل، كان أول ما فعلته أنها طردت جميع مَن كان فيه من الخدم، ولكنها أبقت خادمة غرفة الفيروزة، وهى تؤمل أن تعلم منها شيئًا من أسرار سيدتها، إلا أن أندريا كان يتوقع حدوث جميع ما مرَّ من الحوادث، فأحضر للفيروزة خادمة جديدة، فلما سألتها باكارا عن سيدتها القديمة أخبرتها جميع ما حدث بالأمس بينها وبين فرناند، وكيف أنها لبست بعد ذهابه لباس العاملات، وعزمت على مبارحة القصر والإقامة في غرفة صغيرة تعيش فيها من كسب أيديها، فلم تستفد منها باكارا شيئًا، ولكنها أبقتها في عملها وقالت لها: سيحضر غدًا فرناند، فمتى حضر أدخليه إلى قاعة الاستقبال، ولا تذكري له شيئًا من أمري. فامتثلت الخادمة، وأقامت باكارا طول ليلها ساهرة وهي تُعمِل الفكرة في طريقة تنقذ بها فرناند، وترد قلبه إلى زوجته وولده. ولما كانت الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، أقبل فرناند حسب اتفاقه مع الفيروزة، وفيما هو منتظِر إذ فُتِح الباب ودخلت منه باكارا وهي بالملابس التي كانت تلبسها في عهد غوايتها السابقة، فما صدَّقَ نظره حين رآها إلى أن أقبلت إليه تبتسم ومدت له يدها للسلام، فتلعثم لسان فرناند وقال: مَن أرى هنا، ألستِ مدام شارمت؟ لقد خدعَتْكَ عيناك، فإني كنت بالأمس مدام شارمت، أما اليوم فإني باكارا. ثم قدَّمَتْ كرسيًّا لفرناند وقالت له: أشكرك لأنك أول قادم يهنِّئني بالعودة إلى حياتي السابقة، وقد تفاءلت خيرًا بقدومك. فبهت فرناند وقال: ماذا أسمع، ألعلك جننت؟ فابتسمت باكارا وقالت: ألمثل هذا أتيتني في هذه الساعة المتقدمة من الصباح؟ فزاد انذهال فرناند ولم يعلم كيف يجيب، فقالت: ما هذا السكوت؟ ألعلك لم تكن تتوقع أن تراني هنا وأنت آتٍ لترى الفيروزة؟ فاضطرب فرناند وقال: ربما … – لقد ساء فألك؛ فإن الفيروزة قد باعتني هذا المنزل وبرحته منذ أمس. أَلَا تذكر هذا المنزل حين كان لي من قبلُ وكنتَ فيه؟ قال فرناند: كفى مزاحًا، وأوضحي لي هذه الألغاز. – إني لا أمزح. ولا ألغاز، فإن المنزل قد اشتريته والفيروزة برحته. فزاد انذهال فرناند وقال: أنتِ التي كنتِ مثال الفضيلة والطهارة أربعة أعوام، لا يذكرك الناس إلا بالخير والثناء، أتستطعين العودة إلى حياتك السابقة؟ فقهقهت باكارا ضاحكة: لا تكثر المواعظ والنصح؛ فقد تجد أولى مني بهما، بل أصغِ لهذا الحديث الذي أقصه عليك، فقد كان في سالف الزمن امرأة مكروهة ينظر إليها الناس نظرات الاحتقار لاسترسالها للغي والضلال، واتفق يومًا أنها رأت في السماء الزرقاء نجمة تضيء، وكانت هذه النجمة نجمة الحب، وكان الرجل الذي أحبته موظَّفًا فقيرًا ولكنه كان يحب فتاة طاهرة نقية، ويرجو الاقتران بها … فقاطعها فرناند وقال: كفى، لقد علمتُ مَن تعنين. – إذا كنتَ عرفته فسأقص الغرض من سرد الحكاية. فاعلم أن هذه المرأة ارتكبت جريمة من أَجْلِ مَن تحب، ثم ندمت على ما فعلَتْ فأنقذت مَن تحبه وسهلت له طرق الاقتران بالفتاة التي كان يحبها، ولما رأته سعيدًا بالقرب منها تابت إلى الله عن حياتها السابقة توبةً صادقةً، وخلعت عنها اسم باكارا فاستبدلته باسم مدام شارمت. فقال لها فرناند: أرأيت كيف أنك تمزحين، فإنكِ ما تزالين مدام شارمت. – لقد خُدِعت أيها الحبيب؛ فإن الحب قد ردَّنِي عن حياتي السابقة، وهذا الحب قد أعادني إليها، ولا تعجب لما أقول؛ فإني لما رأيتُ من قبلُ خصيمتي فيك كانت فتاة طاهرة رجعت القهقرى، ولبست حلة الفضيلة ولم تكن في الحقيقة غير حلة لليأس، أما وقد باتت تلك الخصيمة من بنات الهوى، وهي لا توازيني في شيء بل هي فتاة ساقطة لا أدب لها ولا شرف … فصرخ بها فرناند يقول: كفى، فإنك تهينين التي أحبها. أما باكارا فإنها لما سمعت إقراره وجف فؤادها، فوضعت يدها على جبهتها ولبثت صامتة وهي أشبه بالأموات، إلا أن فرناند لم يكترث لما حلَّ بها فقال: إذا كان هذا المنزل منزلك كما تقولين، فهل لكِ أن تخبريني أين ذهبت صاحبته القديمة؟ فقالت باكارا بعظمة: معاذ الله أن أكتم عنك محلها، فإنها تقيم في شارع بلانتين نمرة ١٧. ثم صرفته بإشارة من يدها، فانحنى مسلِّمًا ومضى. فلما أصبحت وحدها، وجعلت الدموع تسيل من عينيها وهي تقول: رباه، إني أردتُ إقناعه بالحجة والبرهان، فتغلَّبَتْ عواطف قلبي على عقلي.