الفصل 24
وَلْنَعُدِ الآن إلى روكامبول، فإنه بعد أن ترك فرناند والفيروزة على ما تقدَّم برح الشانزاليزه وذهب إلى معلم السيف ليدرس عليه الأمثولة التي أمره أندريا بتعلُّمها، وبعد ذلك ذهب إلى منزل الهندية يحمل إليها كتاب أندريا، فلما قابلها دفع الكتاب إليها، نظرت إلى عنوانه أنه من السير فيليام، اتقدت عيناها وفضَّتِ الغلاف فقرأت الكتاب مسرعة كأنها تريد أن تلتهم سطوره.
ولم يُعلَم ماذا دار بين هذه النمرة الهندية وبين هذا الأسد الباريسي من الحديث، غير أنهما بعد أن تباحثا مباحثة طويلة غادرها، فركب مركبة وذهب إلى قصر المركيز فان هوب، فدخل وسأل عن المركيز فقيل له إنه لم يَعُدْ، ولكنه علم أن المركيزة في المنزل، فأمر الخادم أن يخبرها بقدومه وتبعه إلى قاعة الاستقبال، فقام ينتظر فيها، وبعد حين أقبلت المركيزة فحيَّتْه مبتسمة، ولكنها لم تتمالك من إظهار انقباضها؛ لأنها ذكرت حين رأته أنه عدو شاروبيم، ولكنها لم تجد بدًّا من مجاملته ومحادثته، وما زالت وإياه يتباحثان في الأحاديث المألوفة حتى أتى المركيز، فذهب بروكامبول إلى غرفة أشغاله كي يخبره بالسبب الذي أتى من أجله.
ولما اختليا ولم يكن روكامبول قد زار المركيز غير مرة واحدة، فعرَّفَه بنفسه وقال له: عفوك يا سيدي، فإني ما أتيت إلا لشأن خطير قد يثقل عليك، ولكني لا أجد بدًّا من إخبارك به، ثم أني لا أجد بدًّا لإطلاعك على ما أتيت لأجله من أن أخبرك بشيء من تاريخ حياتي لشدة علاقته بهذا الشأن.
فأظهر المركيز الانذهال وقال: قُلْ ما تشاء، فإني مصغٍ إليك.
فقال روكامبول: كنتُ يا سيدي منذ عام في مدينة نيويورك، وليس لي من العمر غير أربعة وعشرين عامًا، فكان لي من الجرأة والإقدام والمطامع ما ينطبق على هذه السن، وقد لقيت في هذه المدينة العظمى فتاةً غريبةَ العادات والأخلاق بارعةَ الجمال، وهي تسمى باسم أسرتك لأنها تُدعَى مسز دابي ناتها فان هوب.
فدهش المركيز وقال: إنها ابنة عمي، وقد مات أبوها في الهند، فكيف هي في نيويورك؟
– لقد كانت فيها، أما الآن فهي هنا في باريس.
– ألعلك قادم من قِبَلها؟
– نعم، هي التي أرسلتني إليك، ولكنكَ وعدتني يا سيدي أن تسمع حديثي.
– نعم، وها أنا مصغٍ إليك.
فقال روكامبول: إني عندما لقيتها في نيويورك بذلت جهدي مع كثيرين غيري من أعيان تلك العاصمة للتعرُّف بهذه الهندية، فكنتُ الفائز دون سواي، وبلغ من جسارتي أني كاشفتها بغرامي، فكانت تصغي إليَّ وتبتسم ابتسامًا حزينًا لا يظهر إلا على شفتَيْ مَن لقي عناءً شديدًا في جهاد الحياة، وقالت لي: إن القلب الكريم لا يحب غير مرة واحدة، وقد أحببت هذا الحب. فاضطرب المركيز عند سماع هذا القول، غير أن روكامبول تظاهَرَ أنه لم ينتبه إليه واندفع في حديثه فقال: ولكني لم أقتنع بجوابها، وتردَّدْتُ عليها كثيرًا وكل يوم أكاشفها بهذا الغرام، فلم تكن تحتفل بي إلى أن مَدَّتْ لي يدها يومًا وهي تقول: أتريد أن تكون صديقًا لي؟ فقبَّلْتُ تلك اليد وقلتُ لها: سأكون ما تشائين فدعيني أرجو على الأقل. فهزَّتْ رأسها وقالت: لعلك ترجو رجاءً باطلًا، فلقد مات الحب في قلبي.
ثم نظر روكامبول إلى المركيز وقال له: أسألك العفو يا سيدي، فإني لم أذكر لك جميع هذه التفاصيل إلا لغرض واحد، وهو أن أُظهِر لك أن ابنة عمك كانت تحب حبًّا قديمًا برح بها وألقى في قلبها اليأس.
وكانت تدعوني دائمًا إلى زيارتها، فما زلت اختلف إليها ستة أشهر حتى شعرت بأني أصبحت عاشقًا مفتونًا بها، ولكنها لم تشأ أن تقف معي إلا موقف الصديق، ثم طرأ عليَّ من الشئون ما دعاني إلى الرجوع إلى باريس، فعدتُ إليها منذ عام، وكأن ملاذ هذه العاصمة وزخارف الحياة فيها شفتني من ذلك الغرام، فنسيت كل ما مضى، إلا أني أصبحت اليوم وإذا بكتاب ورد إليَّ من ابنة عمك تقول فيه هذا القول المتقطع. ثم أطلعه على كتاب بخط الهندية يتضمن ما يأتي:
أنا في باريس. أسرع إليَّ، فلم يَبْقَ لي من الحياة إلا ساعات معدودة، وإني أعتمد على صداقتك.
فقرأه المركيز وعرف أنه خطُّ ابنة عمه، وصاح منذعرًا: بربك قُلْ لي ماذا أصابها، أهي ميتة أم لا تزال في قيد الحياة؟
– كلا، فإنها لم تَمُتْ بعدُ، فأصغِ إليَّ، إني عندما قرأت هذا الكتاب أصابني من الاضطراب ما أصابك، فأسرعت إليها فوجدتها جالسة على مقعد شرقي، وهي تبتسم حسب عادتها وليس بين ثنايا وجهها ما يدل على ما جاء في كتابها، فدهشت وحسبت أنها أرادت المزاح.
وكأنها علمت ما كان يجول في نفسي، فمَدَّتْ إليَّ يدها وقالت: إنك تراني في أتم عافية، إلا أنه لا يمر بي ثمانية أيام حتى أفارق هذه الحياة.
فذعرت وقلت: كيف ذلك؟
فأجلستني بقربها وقالت: أتعلم أيها الصديق السبب الذي رفضتُ من أجله هواك وقنعت بصداقتك؟ ذلك أنه ليس لي الآن من العمر إلا ثلاثين عامًا، ولكنني أحببت وأنا في الخامسة عشرة من عمري حبًّا بلغت به حد القنوط، ولم أكن أنظر وأنا في الهند إلا لهذه العاصمة الفرنسية التي دفنْتُ بها قلبي.
فدهشت لقولها وقلت: ألعل هذا الرجل الباريسي قد جُنَّ فتعامى عن هواك.
– كلا، ولكنه أحَبَّ سواي. ثم تبسمت وقالت: أتعلم أيضًا لماذا أتيت إلى باريس؛ إني أتيتها ورجائي أن أراه مطلق القياد، أو أراه مطلق القلب، ولكني علمت — وا أسفاه — أنه لا يزال يهواها، وعلمت أني لم يَعُدْ لي رجاء في الحياة.
فما تمالكتُ أن أخذت يدها وجعلت أغسلها بدموعي وأقول:
أَتَمُوتِينَ هَكَذَا فِي صِبَاكِحُلْوَةً يَفْتِنُ الْجَمَادَ هَوَاكِ
بالله سيدتي إلا ما رجعت عن هذا القصد السيئ، واشغلي نفسك عن ذلك الحب القديم.
– لقد فات الأوان وقُضِيَ الأمرُ. ثم أخذت زجاجة صغيرة فارغة كانت على منضدة أمامها قائلة: لقد شربت عند الصباح ما كان في هذه الزجاجة، وهو سم زُعَاف.
فوقف المركيز وهو لا يملك نفسه من الاضطراب، فأجلسه روكامبول وقال له: أصغِ يا سيدي لتتمة الحديث؛ فلقد قالت لي إن هذا السم بطيء التأثير، لا يُحدِث آلامًا ولكنه يقتل بعد ثمانية أيام، وليس لهذا السم إلا دواء واحد، ولكنه لا يوجد في القارة الأوروبية لعدم وجود هذا السم فيها، فهو لا يوجد إلا في الهند، وعلى ذلك فقد أصبح موتي محتمًا لأنه لا يمكن إحضار الدواء من الهند في هذا الزمن الوجيز. وقد دعوتك إليَّ كي أودِّعك وداعًا أبديًّا، ثم لأعهد إليك بقضاء مهمة أرجو أن لا يثقل قضاؤها عليك.
فقلت وأنا أجهش للبكاء: مُرِي سيدتي بما تشائين. قالت: أريد أن أبعث بك إلى الرجل الذي أحببته وأنا أموت من أجله؛ كي تلتمس منه أن يحضر إليَّ، فإني أحب أن أتزوَّدَ منه بنظرة قبل الموت.
فاصفرَّ المركيز اصفرار الأموات، وقال له: وبعد ذلك؟
– لا حاجة إلى أن أقول لك شيئًا بعد ذلك، فإن الرجلَ الذي أحبَّتْه وأقدمت على الموت من أجله هو أنت.
فوقف المركيز عند سماع كلمة روكامبول الأخيرة، ولكن رجليه وَهَنَا حتى أوشك أن يسقط، فأسند يده على الكرسي كي لا يقع.