الفصل 22
وطال حديث العاشقين، فكانت تسأله وتلح عليه أن يسلوها وهو لا يزداد بها إلا تعلُّقًا وهيامًا ويدفع البرهان، إلى أن تظاهرت بأن حبه قد تغلَّب عليها، فقالت: إني أرضى أن أعيش وإياك، إذا قبلتَ شروطي.
فطار فؤاده فرحًا وقال: سَلِي ما تشائين فإني أقبل كل شرط.
فتنهدت طويلًا وقالت: إصغِ إليَّ يا فرناند، إني قد شُغِفت بحبك وأحببتك حبًّا أكيدًا صالحًا، فصغرت في عين نفسي وتمثَّل ماضي أيامي الأثيمة بشكل رائع مخيف سئمتُ لأجله الحياة، ولكني قبل أن أُلقِيَ تلك النفس إلى هاوية الغواية، كنتُ فتاةً طاهِرةً شريفةً. فإن أهلي زوَّجوني بالرغم عني بشيخ عجوز حملني لسوء طباعه على الفرار منه، وأنفق جميع مهري على السكر والمجون، بحيث لم يَبْقَ لي من ذلك المهر سوى عشرة آلاف فرنك، ولا تزال هذه الأموال لديَّ أحترس عليها؛ لأنها وصلت إليَّ من أشرف مورد، وقد زادت من رباها إلى الآن ألفي فرنك.
فقال فرناند وهو لم يدرك قصدها: ما تريدين من هذا القول؟
قالت: أريد أن أعيش من ربا هذا المال، ومن شغل يدي كما تشتغل العاملات.
فأجفل فرناند وقال: أنتِ تعيشين هذه العيشة التعيسة وأنا أغنى الأغنياء؟
– نعم، ولا أكون منكودة بل أكون من أسعد النساء. ويكفيني من نعيم الحياة أن فرناند يحبني وأنا أحبه.
فحاول فرناند الاعتراض، ولكنها أسكتته بما اتَّخَذَتْه من مظاهر الحب، وقالت: هذا هو شرطي الذي وعدتَ أن تقبله مني كيف كان؛ فاعلم الآن أنك مُخيَّر بين الرفض والقبول، وأني لا أرجع عن هذا الغرام.
فأطرق فرناند إطراق المتأمل، وجعل ينكث الأرض بعصاه فقالت: على ماذا عولت؟
– لا يسعني إلا الامتثال لما تريدين.
– أتخضع لي في كل ما أريد؟
– أجل.
– إذن قُمِ الآن واذهب إلى زوجتك، فإنك لم ترها منذ يومين، ولا تَعُدْ إليَّ إلا في صباح الغد.
فحاول فرناند أن يعترض، ولكنها ضربت بيديها مغضبة على منضدة، وقالت: لقد وعدتني ألَّا تخالفني فيما أريد.
فامتثل فرناند وخرج مطأطئ الرأس، والحب ملء فؤاده، فوقفت ترمقه من النافذة حتى إذا رأته يسير في الشارع سير المخبول قهقهت ضاحكة، وقالت: لقد بلغت من قلبه ما رجوت، وسأبلغ من ماله ما أريد، فما أجهل الرجال!
ثم غيَّرَتْ ملابسها فتزَيَّتْ بزي العاملات وانصرفت إلى غرفتها الحقيرة لتمثِّل دورها الثاني مع ليون رولاند.
وكان ليون قد فُتِنَ بها حتى لم يَعُدْ يطيق صبرًا على فراقها، وقد أرسل أباها إلى المستشفى كي يخلو له الجو معها، وهو يعتقد أنها عاملة وأن ذلك الأعمى أبوها، وكانت الفيروزة قد مدَّتْ له حبل هواها، حتى حسب أنها باتت رهن حبه وطوع إشارته، فلما رأى أندريا أن خدعته قد نجحت وأن الهوى قد برح بذلك العامل المسكين، أمر الفيروزة أن تقاطِعه وتهرب منه على ما علَّمَها. فذهبت إلى غرفتها وكتبت إليه كتابًا تخبره فيها أنها لم تَعُدْ تحتمل الإقامة معه لأن شكوى زوجته قد بلغت إلى قلبها، فهي تودِّعه وداعًا أبديًّا، وتبرح تلك الغرفة إلى غيرها في شارع لا تسميه، حذرًا من أن يتبعها.
فلما انتهت من الكتاب نادت البوابة، وكانت مدام فيبار التي عرفها القراء في القسم الأول من هذه الرواية، فأعطتها الكتاب وقالت لها أن تعطيه لليون حين حضوره، ثم أخبرتها أن تقول له إنها رأتها في مركبة بديعة مع شاب عليه مظاهر النعمة، وانصرفت عائدةً إلى منزلها كي تهتمَّ بأمر فرناند تاركةً أمر النظر في إتمام مسألة ليون لرئيسها السير فيليام.