الفصل 20
بينما كانت باكارا عائدة إلى منزلها، وهي تدعو الله في ضميرها كي ينصرها على أندريا، كان أندريا جالسًا قرب منضدة في منزل روكامبول، وهو يتداول مع تلميذه بشأن العصابة، وقد أخبره بجميع ما فعل وبزيارته لباكارا وإطلاعها على حب فرناند؛ فأجفل روكامبول ثم سكن روعه ووقف أمام رئيسه وقفة الاحترام وقال: أتأذن لي أن أسألك عمَّا أشكل عليَّ فهمه من أعمالك؟
فابتسم له أندريا وقال: قُلْ ما تشاء.
– إنك استكتبت الفيروزة رسالتين، واتفقت مع الكونت مايلي والأرملة مالاسيس، فكأنك قد أخبرتهم بأسرار جمعيتنا وأخبرتهم بحقيقة فرناند، فأي قصد تريد من إظهار هذه الحقيقة التي يجب أن تبالغ في كتمانها، أليس في ما فعلتَ خطر علينا؟
فقال أندريا ببرود: أي خطر تعني؟
– أولًا أنك قلتَ الحقيقة بتمامها ومهَّدْتَ لأخيك الكونت السبيل الذي نسعى إليه.
– وبعد ذلك؟
– ثم إنك أوقفت الفيروزة على بعض سرنا، وهي إنما ينبغي أن تكون آلةً صماءَ في أيدينا.
فقاطعه أندريا وقال: كفى! إنك لا تزال جاهلًا لدقائق أسرار الصناعة؛ فأصغِ إليَّ الآن لتعلم حقيقة هذه الخطة التي أشكلَتْ عليكَ؛ فإن هذه الجمعية السرية مؤلَّفةٌ من رئيس وهو أنا، ونائب وهو أنت، وأعضاء يُعَدُّون بمثابة الآلات العاملة كالفيروزة والأرملة والماجور والكونت وغيرهم، ولكل جمعية سرية في الأرض من الماسونية إلى جمعيتنا سر دقيق يكون خاصًّا بالرئيس المدبِّر، وقد يُطلِع هذا الرئيس نائبه على نصف هذا السر، ويُوقِف الأعضاء على ربعه، ولكن السر بجملته يبقى مكتومًا في صدره. أما الفيروزة والأرملة والكونت دي مايلي فإنهم لا يعلمون شيئًا من أسرارنا، فإن هذا الكونت يعتقد بخداعه لهرمين وإغوائها أنه ينتقم لرجل شريف، وهو لم يخابر بذلك غير السير أرثير الإنكليزي، وأين له أن يعلم أنني والإنكليزي واحد. وفوق ذلك فإنه رجل نبيل وقد أقسم بشرفه أن لا يبوح باسم السير أرثير، وأما الأرملة فإنها لا تعرف أحدًا منا غير خادمها فانتير، وبيدنا من رسائلها ما يجعلها أطوع لنا من ظلها، لا سيما وهي لا تزال طامعة بزواج الدوق، ولا تجهل أن رسالة واحدة من هذه الرسائل يقف عليها الدوق تحبط جميع أمانيها، وفوق ذلك فهي لا تعلم شيئًا من أسرارنا، ولو علمتها وأرادت أن تبوح بها فإنها لا تستطيع أن تتهم أحدًا غير ذلك الخادم، ولا خطر علينا من اتهامه. وأما الفيروزة فإنها لا تعلم من أسرارنا سوى أننا نريد استخدامها في سلب أموال فرناند، وهي التي ستتولى سلبه بإرشادنا، فهي شريكة لنا ومثل هذه البغي الفقيرة لا تخوننا وهي تطمع بتلك الملايين.
– بقي عليَّ أن أُجِيبك على اعتراضك الثاني، وهو كيف أني أَطْلَعتُ أرمان وباكارا على الحقيقة، وذلك لأنه سيعتمد عليَّ بعد هذا، لا سيما إذ حقق ما أخبرته به ووجده صحيحًا لا ريب فيه، فنأمن بوليسه السري، لأني أديره كيف أشاء، وأنا لم أخبره بعدُ إلا بحب فرناند لتلك الفتاة، وهو أمر لا بد من أن يظهر. وأما باكارا فلأنها ستخدمنا بعد ذلك أجلَّ خدمة دون أن تريد.
فبهت روكامبول وقال: كيف ذلك؟
– ذلك أن باكارا سيكون أول ما تجريه أنها تقابل الفيروزة، وتحاول إرجاعها عن فرناند، وقد علَّمْتُها ما تقول. ثم تذهب إلى فرناند وتحذِّره من تلك الفتاة مُظهِرة له أنها لا تريد غير الاحتيال على سلب أمواله، فيزيد فرناند حبًّا بخليلته؛ لأنه يرى أنها لم تقبل منه هدية إلى الآن، وأنها غير طامعة بشيء من ماله، فيعلم أن باكارا قد غارت منها وأنها تتهم تلك الفتاة.
فلما أتمَّ أندريا كلامه قال لروكامبول: أفهمتَ الآن؟
– نعم، قد فهمتُ كلَّ شيء.
– إذن فأصغِ إليَّ الآن لتعلم ما يجب أن تعمله في الغد، ذلك أنه يجب أن تمتطي حصانًا وتذهب عليه إلى الشانزليزه في الساعة الثانية بعد الظهر، فتجول حول المنتزه. وبينما أنت سائر الهوينا تمر بك مركبة فيها رجل وامرأة هما الفيروزة وفرناند، فتدنو بجوادك من المركبة فتنظر إلى المرأة نظرة احتقار وتحيي فرناند تحية احترام، ثم تقول له: أعرفتني يا سيدي؟ فيُجِيبك هو لا ريب بالإيجاب؛ لأنه لم ينسَ مبارزتك بعدُ، وعند ذلك تقول له: إنني عندما بارزتك يا سيدي، وجُرِحت بعد منتصف الليل أُغمِيَ عليك فارتأيت بالاتفاق مع الشهود عدم حملك إلى منزلك كي لا تصاب زوجتك بسوء عندما تراك على تلك الحال، ورأينا أن نحملك إلى منزل تلك الفتاة المجاور لمحل الحادثة.
أما هذه الفتاة التي حملتك إلى منزلها، وهنا تشير إليها باحتقار، فقد كانت عشيقةً لي وقد خُدِعت بها وارتكبت خطأ حبها، فاشتريت لها ذلك المنزل الذي تقيم فيه وفرشته لها بأحسن الرياش كما رأيتَ حين كنتَ فيه، وجعلت لها المركبات والخيول المطهمة إلى غير ذلك مما يفعله كل شاب يغترُّ مثلي بجمال هذه الحظايا وزخارف أقوالهن الكاذبة، وقد سافرت على إثر مبارزتي وحملتك إلى منزلها. فلمَّا عُدْتُ اليوم من سفري علمت أنك خلفتني في قلبها وفي منزلها، وأن لك وحدك الحق في الركوب معها في هذه المركبة التي اشترتها بأموالي.
فأجفل روكامبول وقال: ألعلك تريد بذلك أن فرناند يتحمس فيدفع لي ثمن المنزل والفرش والمركبات والمجوهرات، وجميع ما تقتنيه تلك الفتاة؟
فأجابه أندريا بلهجة الساخر: لقد علمت بعض الشيء، فإن الفيروزة ستغادر هذا القصر بعد هذه الحادثة كما علَّمْتُها، فتستأجر غرفةً حقيرةً تقيم فيها وهو ما يرضاه فرناند، ولكنه يثق بعد ذلك من حبها ويُكرِهها على قبول جميع ما تحتاج إليه من قصر جديد ومجوهرات ومركبات جديدة، إلى غير ذلك مما سيكلِّفه نصف مليون على الأقل.
– وهذا المال؟
– نعطي الفيروزة ٥٠ ألف فرنك منه، ويدخل الباقي لصندوق الشركة تحت الحساب … وَلْنَعُدِ الآن إلى فرناند، فإن حديثك معه على ما تقدَّمَ لا بد أن يدعو إلى مبارزة بينكم، ولكن الفيروزة تصلح بينكما لأنه سيكون لها أطوع من بنانها.
فأظهر روكامبول إشارة الامتثال وقال: أهذا كل ما تريد مني؟
– كلا، بل بقي لي حاجتان: إحداهما أن توصل كتابي هذا (وأعطاه رسالة ضخمة) إلى أدايي ناتها الهندية وتحمل إليَّ جوابها. والثانية أن تذهب غدًا إلى معلم السلاح المعروف في شارع رشوات نمرة ٤١، وتطلب إليه أن يعلِّمَك ضربة السيف المعروفة باسم «مائة ريال»، فإنها سُمِّيَتْ بهذا الاسم لأن أجرة تعليمها مائة ريال.
– وما الفائدة من تعليمها؟
– إنك متى أتقنتها تستطيع أن تطعن خصمك طعنةً تقتله قتلًا بطيئًا بحيث يستطيع أن يكتب وصيته قبل أن يفاجئه الموت.
فذعر روكامبول وقال: أَقُضِيَ عليَّ أن أقتل أحدًا؟
– أجل.
– متى؟
– ربما كان ذلك بعد خمسة عشر يومًا.
– مَن هو هذا الرجل المنكود؟
– هو الذي سأتزوج أرملته.
فأحنى روكامبول رأسه وهو يقول: مسكين أرمان دي كركاز.
أما أندريا فلم يحفل بكلامه، ولكنه قام فودَّعه على أن يراه بعد يومين، وذهب ليجتمع مع أخيه وباكارا في الساعة العاشرة، غير أنه بينما كان ذاهبًا إلى منزل أرمان وهو يَعُدُّ له وسائل الموت، كانت باكارا عائدة من ذلك المنزل وهي تَعُدُّ لصاحبه وسائل الحياة.