X اكـــس - العودة - بقلم زينب الكولالي | روايتك

اسم الرواية: X اكـــس
المؤلف / الكاتب: زينب الكولالي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: العودة

العودة

اندفعت إلينا وإيفا عبر الشارع بخطوات سريعة بينما كانت أصوات السيارات تختلط بأبواق الزحام خلفهما. الهواء المسائي البارد اصطدم بوجهيهما بقوة خفيفة، ومع كل خطوة كانت حقيبة السفر الصغيرة ترتطم بساق إلينا بإيقاع متكرر. في النهاية توقفت سيارة أجرة أخرى قرب الرصيف. هذه المرة لم تضيع إلينا الوقت. فتحت الباب الخلفي بسرعة ودخلت أولاً، تبعتها إيفا وهي ما تزال تلتقط أنفاسها. — "إلى مطار إشبيلية… وبأقصى سرعة." هزّ السائق رأسه فوراً وانطلقت السيارة وسط الطرق المزدحمة. ®®® بعد دقائق طويلة بدت وكأنها ساعة كاملة… ظهر المطار أخيراً. الأضواء البيضاء والزجاج العملاق انعكسا تحت السماء الليلية الصافية، بينما كانت السيارات تتحرك باستمرار أمام البوابة الرئيسية. توقفت سيارة الأجرة بعنف خفيف. فتحت إلينا الباب فوراً ونزلت أولاً، ثم سحبت الحقيبة بسرعة قبل أن تلحق بها إيفا. الأبواب الزجاجية انفتحت تلقائياً أمامهما. وفور دخولهما… ضربتهما أجواء المطار مباشرة. أصوات خطوات متواصلة. حقائب تُجر فوق الأرض اللامعة. نداءات الرحلات تتردد عبر السماعات. وأضواء الشاشات الإلكترونية تنعكس فوق الوجوه المتعبة والعجولة. كان المكان حياً بشكل غريب. رجال أعمال يتحركون بسرعة. أطفال يركضون خلف عائلاتهم. مسافرون يقفون في الطوابير الطويلة بملامح مرهقة. ومضيفات طيران يعبرن الممرات بكعوبهن المنتظمة ونظراتهن الحادة. أما إلينا… فكانت تتحرك وسط كل ذلك بهدوء ثابت. وجهها خالٍ من التوتر تقريباً رغم السرعة. المعطف الأسود الطويل يتحرك خلفها بخفة مع خطواتها، بينما بقي شعرها الأسود منسدلاً فوق كتفيها بشكل مرتب رغم الفوضى حولها. كانت تسير بخط مستقيم دون تردد، وكأنها تحفظ المكان عن ظهر قلب. إيفا من جهتها كانت تلتفت حولها بين الحين والآخر بتعب واضح. — "أقسم أنني سأفقد ساقي اليوم." همهمت إلينا دون أن تنظر إليها: — "ما زلتِ قادرة على الصراخ، إذن أنتِ بخير." ضيقت إيفا عينيها بانزعاج خفيف. — "تملكين وقاحة مقلقة أحياناً." رفعت إلينا زاوية فمها بابتسامتها المقلوبة المعتادة. ثم واصلت السير. مرّتا قرب صف طويل من المسافرين، بينما كانت أصوات عجلات الحقائب تحتك بالأرض باستمرار. وفي اللحظة التي اقتربتا فيها من البوابة الإلكترونية… دوّى صوت عبر السماعات في أنحاء المطار: — "النداء الأخير للمسافرين إلى إيطاليا…" رفعت إلينا رأسها مباشرة نحو الشاشة الإلكترونية. ثم أمسكت حقيبتها بإحكام وقالت بهدوء حاد: — "أخبرتكِ أننا سنتأخر." زفرت إيفا وهي تعدّل معطفها بسرعة. — "تحركي فقط." ®®® بعد دقائق… كانتا تعبران الباب الخارجي المؤدي إلى الطائرات. الهواء الليلي كان أبرد هناك. أقوى. ممتلئاً برائحة الوقود وصوت المحركات البعيدة. الأضواء الزرقاء الصغيرة الممتدة على أرض المطار جعلت المكان يبدو كأنه مدينة أخرى منفصلة عن العالم. موظفو المطار يتحركون بسرعة. أصوات اللاسلكي. عجلات الحقائب. ومحادثات بلغات مختلفة تمر من حولهما دون توقف. إنجليزية. إسبانية. إيطالية. وأحياناً كلمات متقطعة بلغات لا تُفهم. كان الدرج الطويل المؤدي للطائرة ممتداً أمامهما تحت الأضواء البيضاء، بينما ظهر هيكل الطائرة الضخم ساكناً بشكل مهيب وسط الليل. صعدت إلينا الدرج بخطوات ثابتة. لا استعجال. لا توتر. فقط هدوء بارد اعتادت عليه. أما إيفا فكانت تتنهد كل بضع درجات وكأنها تلعن الرحلات الليلية كلها في سرها. عند باب الطائرة، رحبت بهما المضيفة بابتسامتها المهنية الهادئة. دخلتا بعدها إلى الداخل. الإضاءة الخافتة أعطت المكان دفئاً مريحاً، بينما اختلط صوت المكيفات بذلك الهدير العميق لمحركات الطائرة. بعض المسافرين كانوا قد ناموا بالفعل. آخرون يضعون سماعاتهم. وطفل صغير كان يبكي في المقاعد الخلفية قبل أن تهدئه والدته سريعاً. جلست إلينا قرب النافذة كعادتها. أما إيفا فجلست بجانبها وهي تتمتم: — "إذا نجوتُ من هذا اليوم، فسأعتبره معجزة." رفعت إلينا زاوية فمها قليلاً دون تعليق. ثم وضعت سماعاتها السلكية في أذنيها. ®®® بعد مدة… كانت الطائرة قد قطعت تقريباً نصف المسافة بين إسبانيا وإيطاليا. الهدوء أصبح أعمق. أغلب الركاب نائمون الآن. الأضواء خافتة. وصوت الهواء الذي يضرب جسم الطائرة في الخارج خلق ذلك الإحساس الغريب… إحساس العزلة فوق العالم كله. كانت إلينا مستندة برأسها إلى النافذة. شعرها الأسود ينسدل فوق كتفها بهدوء، بينما انعكس ضوء القراءة الخافت فوق صفحات الكتاب الذي تمسكه. في يدها الأخرى، استقر كوب قهوة سوداء دون سكر. كالعادة. أخذت رشفة صغيرة دون أن ترفع عينيها عن الكتاب. أما داخل سماعاتها… فكانت أغنيتها المفضلة تعزف بهدوء. تلك الأغنية التي تعود إليها دائماً دون سبب واضح. أحياناً لأنها تحبها. وأحياناً لأنها تجعلها تفكر أقل. رفعت عينيها قليلاً نحو النافذة. الظلام في الخارج كان بلا نهاية تقريباً. فقط بعض الأضواء البعيدة جداً تحت الطائرة، كأنها نجوم سقطت فوق الأرض. تنهدت بخفة. ثم عادت لكتابها من جديد. ®®® بعد ساعات… هبطت الطائرة أخيراً في إيطاليا. المدينة كانت شبه نائمة في ذلك الوقت المتأخر. الهواء أبرد من إسبانيا، والشوارع أكثر هدوءاً. استقلتا سيارة أجرة نحو الحي. ومع اقترابهما… بدأت الأنوار الصفراء القديمة للمباني تظهر واحدة تلو الأخرى. لكن أغلب النوافذ كانت مظلمة. الناس نائمون بالفعل. لهذا لم يرهما سوى قلة قليلة من سكان الحي. رجل عجوز يدخن قرب نافذته. وشاب يعبر الشارع بنعاس. وفي الجهة المقابلة… كانت امرأة ممتلئة قليلاً ذات شعر بني مجعد تحاول إغلاق متجر البقالة الخاص بها وهي تتذمر بصوت مرتفع. — "أقسم أن هذا الباب يكرهني شخصياً!" ثم دفعت الباب بكتفها بقوة. "طاخ!" التفتت بعدها بالصدفة… وتجمدت فوراً. — "إلينااا؟!" رفعت إلينا يدها بهدوء. — "مساء الخير يا بريندا " وضعت المرأة يديها على خصرها بصدمة كوميدية واضحة. — "مساء الخير؟! تختفين أسبوعاً كاملاً ثم ت عودين هكذا؟!" ثم ضيقت عينيها وهي تشير إليها: — "وأنتِ… لماذا تبدين وكأنكِ خرجتِ من فيلم عصابات؟" تنهدت إلينا بهدوء. — "لأنني تعبت فقط." أما بريندا… فأشارت إليها بإصبعها مباشرة: — "كاذبة." وفي الخلف، بدأت إيفا تضحك لأول مرة منذ ساعات طويلة. بعد دقائق… وصلتا اخيرا للبيت نزلت إلينا أولاً وهي تحمل حقيبتها بيد واحدة، بينما كانت إيفا خلفها تتنهد بتعب واضح بعد الرحلة الطويلة. الحي كان هادئاً بشكل شبه كامل. النوافذ المظلمة. أعمدة الإنارة الصفراء. وصوت الرياح الخفيفة التي تمر بين الأزقة القديمة. أخرجت إيفا المفتاح وفتحت الباب بهدوء. دخلتا إلى الداخل. دفعت إلينا الحقيبة جانباً، بينما وضعت إيفا المفاتيح فوق الطاولة الخشبية القريبة من المدخل. وفي تلك اللحظة… خرجت فتاة من المطبخ بهدوء وهي تشير لهما بسرعة: — "ششش… بصوت منخفض، فـلارا نائمة." رفعت إلينا نظرها نحوها مباشرة. ملامحها بقيت هادئة في البداية. — "أين آنا؟" — "شششش… قلت لكِ بهدوء، فابنتي  نائمة." أومأت إلينا ببطء وكأنها فهمت. — "حقاً؟ لم أكن أعلم." ثم فجأة— ارتفع صوتها بقوة داخل المنزل: — "سألتكِ، أجيبيني… أين أختي؟!" تجمدت الفتاة مكانها. — "إنها أختي أنا أيضاً." وفي اللحظة التالية، أمسكت إلينا ياقة سترت اختهاورفعتها قليلاً للأعلى بعنف مفاجئ . اقترب وجهها منها مباشرة. وعيناها السوداوان امتلأتا بحدة باردة. — "والآن… ستجيبينني. أين أختي؟" — "إلينا!" صرخت إيفا بسرعة وهي تتقدم نحوهما. — "كفى! لقد وصلنا للتو، ما هذا الصراخ؟!" أغلقت إلينا عينيها للحظة، ثم بدأت تمسح جبينها بقوة محاولة تهدئة نفسها. تنهدت إيفا وهي تنظر إلى ابنتها الكبرى بتوتر. — "صوفيا … أين آنا؟" أنزلت صوفيا يديها ببطء، ثم أمسكت كفيّ إيفا وهي تقول بهدوء متردد: — "أمي… أنتِ تعرفين تعلق آنا بعالم الموضة والأزياء." أومأت إيفا بخفة. — "نعم…" — "دخلت مع مجموعة لتصميم الأزياء، وقد تم قبول أعمالهم… لذلك سافرت إلى لندن." ساد الصمت. ثم— — "كيف؟!" قالتها إلينا وإيفا في اللحظة نفسها. تراجعت إيفا خطوة بصدمة. — "ك… كيف؟ ومتى؟ أنا لا أفهم شيئاً." أما إلينا… فتقدمت ببطء. هادئة بشكل مخيف. — "مهلاً… أفهم من كلامكِ أن أختي ذهبت إلى لندن وهي في السابعة عشرة فقط؟" — "لم تذهب وحدها… سافرت مع المجموعة." ابتسمت إلينا بسخرية باردة. — "حقاً؟ وهل جاءت تلك المجموعة إلى هنا وأخذتها من يدها إلى المطار؟ وهل يملكون تراخيص ومسؤولين؟ أجيبيني." صوفيا بدأت تنزعج من نظراتها. — "لا تنظري إليّ هكذا… أجيبي أنتِ، ألم تكوني دائماً تؤيدين على أعملها وعندما كانت تتحدث عن سفر وتحقيق تلك الاحلام كنت لا تسمحين انا بتحقيقها؟" رفعت إلينا حاجبها ببطء. — "أنا؟"  — "نعم. حين كانت تجلس في غرفتها ترسم التصاميم وتعلقها على الجدران وتقول انها يتحقق احلامنا … كنتِ دائماً تخبريها انها لا يسمح لها بسفر حتى تصير في 19 من عمرها." التفتت صوفيا نحو إيفا بسرعة. — "أمي، قولي شيئاً." ارتبكت إيفا للحظة. — "م… ماذا أقول؟" قالت إلينا فجأة: — "أمي، أنتِ...هل كنتِ تعلمين وأخفيتِ الأمر عني؟!" رفعت إيفا رأسها أخيراً وقالت بحدة خفيفة: — "ولماذا يجب أن آخذ رأيكِ دائماً؟ ابنتي لديها أحلام وردية، ليست مثلكِ… مليئة بالغموض والسواد." تجمدت إلينا مكانها. — "حقاً؟" — "نعم. أنتِ أيضاً كنتِ تحلمين بأشياء جميلة يوماً ما… ثم ماذا حدث؟" صمت قصير. ثم— — "كفى." قالتها إلينا بصوت منخفض. لكن إيفا لم تتوقف. — "لن أجعل آنا تكره أحلامها بسبب خوفكِ المبالغ فيه. أنتِ تتصرفين وكأنكِ أمها، وتنسين أنني أنا أمها." مررت إلينا يدها بين شعرها بعصبية واضحة. — "أمي… أنتِ لا تعرفين هذا العصر." ثم أكملت بحدة أكبر: — "فتاة صغيرة وحدها في بلد آخر؟ حرية كاملة؟ ألا تفكرين بما قد يحدث؟" اقتربت خطوة. — "ربما تتعلق بأحدهم… ربما تذهب مع أصدقاء إلى أماكن لا تعرفينها… ربما—" قاطعتها إيفا فوراً: — "أنا أعرف ابنتي جيداً." ضحكت إلينا بخفة باردة. — "تعرفين آنا اللطيفة فقط… لكن البشر يتغيرون حسب البيئة التي يعيشون فيها." ثم أشارت نحو الهاتف. — "والآن… ستتصلين بها وتطلبين منها العودة فوراً." — "لا." رفعت إلينا رأسها ببطء. — "ماذا؟" — "لن أفعل. لن أحطم حلمها بهذه الطريقة." أخذت إلينا نفساً عميقاً وهي تضغط على أسنانها. — "أمي… لا تجعليني أفقد أعصابي." صرخت إيفا هذه المرة: — "قلت لن أفعل!" ساد الصمت لثوانٍ. ثم قالت إلينا أخيراً… بهدوء حاد كالليل نفسه: — "جيد." رفعت عينيها نحوهما ببطء. — "لكن اسمعاني جيداً…" اقتربت خطوة واحدة فقط. — "لو حدث شيء بسيط لأختي…" توقفت للحظة. ثم أكملت بنبرة باردة أرعبت المكان: — "أقسم أنني لن أسامحكما… ولن أبقى دقيقة واحدة داخل هذا البيت." استدارت بعدها مباشرة واتجهت نحو غرفتها بخطوات سريعة. "طــاخ!" أُغلق الباب بقوة. ساد الصمت في المنزل. تنهدت صوفيا بهدوء، ثم اقتربت من إيفا تساعدها في خلع معطفها وتعليقه. — "لا تقلقي… إلينا تبالغ دائماً." أومأت إيفا ببطء وهي تنظر نحو باب الغرفة المغلق. — "أعرف…" ثم ابتسمت بخفة حزينة. — "هل يُعقل أن تتخلى آنا عن حلمها الذي تحبه منذ طفولتها… من أجل أشياء أخرى؟" أومأت صوفيا مطمئنة: — ". معك حق..مستحيل ."