الفصل25
وقفت بـ طولي بـ ممر القصر الثالث، والظلام خفيف يضفي على الملامح رعب حقيقي. شذى وأمل كانوا واقفين مثل الأصنام، وعيون شذى الواسعة تلمع بـ الخوف والغل وهي تطالع فيني، ويدها السليمة ترجف وهي ماسكة طرف عبايتها. المفتاح السبير طاح من يد أمل بـ الأرض وطلع له صوت رنين خفيف هز سكون الليل القاتل.
طالعت فيهم بـ عيوني الباردة وبـ جفاف يقطع الوصل، وقلت بـ صوتي المبحوح الصارم: "وش علمكم واقفين مثل الخشب؟ أظن كلامي واضح.. وإلا تبون غازي وأبوكِ عماد يكملون غسيل شراعكم بـ وسط ه الليل لـ دروا إنكم متمردين على العقاب وطالعين من القصر الأول بـ ه الوقت؟".
شذى بلعت ريقها بـ غصة حارة، وشدت على سنونها بـ قهر، وقالت بـ صوت واطي ومبحوح من كثر الغيظ: "مرام.. لا تشوفي نفسكِ علينا بـ سبت كلمتين قالهم ذياب البارح! ذياب طالع لـ الشرقية ومو سائل عنكِ ولا عن هواكِ.. وأنا شذى بنت عماد، مستحيل بنت حارة سيف تكسر عيني بـ ه القصور!".
تقدمت منها بـ خطوة رجولية سريعة خلّتها تتراجع لـ وراء وتصقع بـ الجدار الخشبي لـ الممر، ونزلت لـ مستوى وجهها بـ كل شموخ وعزة نفس: "أنا فارس يا شذى.. وفارس ما تكسر عينه حركات حريم بـ نص الليل! المفتاح هذا بـ آخذه، ورجولكم لو عتبت ه الممر ثانية، والله لـ يكون علم ثانٍ بـ القصور بكرة بـ الفطور!". انحنيت بـ برود وأخذت المفتاح السبير من الأرض وحطيته بـ جيب بجامتي الواسعة، وأشرت لهم بـ يدي صوب المخرج بـ جفاف قاتل.
أمل سحبت شذى بـ رعب وهي تهمس: "شذى اخلصي مشينا! البنت هذي مجنونة وبـ تودينا بـ داهية لو صرخت ولفتت الخدم علينا!". مشوا بـ خطوات سريعة ومرتبكة، وأنا وقفت أراقب أثرهم لين اختفوا بـ ممر الحديقة الخارجي، وأخذت نفس عميق وأنا أحس بـ الضيق.. قصر الثالث بـ غياب ذياب صار مشحون بـ المشاكل، بس كبريائي مستحيل يخليني أنحني لـ أحد.
....................:
في اليوم التالي بـ العصر.. بـ شركات عساف بـ مدينة الخبر (الشرقية).
الجو كان رطب وحار، والمكتب الفخم بـ الدور الخمسين يطل على البحر بـ الكامل. ذياب عساف كان جالس وراء مكتبه الضخم، لابس ثوبه الأبيض وحاط يده على فكه بـ غموض وجمود، وعيونه السوداء الحادة كانت تطالع بـ الأوراق والملفات اللي تخص العصابة وشغل التهريب بـ الميناء.
صقر بن مالك كان واقف عند النافذة الزجاجية الكبيرة، وعيونه الحزينة تراقب حركة السفن بـ البحر بـ صمت وجفاء قاتل. التفت لـ ذياب وقال بـ صوته الدافئ المكسور: "ذياب.. خيوط العصابة بدأت تضيق، وبدر وطارق بلغوني إن فيه تحركات غريبة بـ المستودعات بـ الرياض بكرة بـ الليل.. لازم نخلص الشغل هنا ونرجع بـ الموتر بـ أسرع وقت".
ذياب رفع رأسه وعدل شماغه بـ رزانة وثقة عمياء، وطالع بـ صقر بـ نظرة حادة: "الشغل بـ ينتهي الليلة يا صقر.. وما عاش من يلعب بـ حلال عساف أو يقرب من دم السياف. بس علامكِ يا ولد العم؟ ملامحكِ جافة والضيق كاتم على صدرك من بعد سالفة البارح؟".
صقر بن مالك أخذ نفس عميق وشد على قبضة يده بـ جمود وقال بـ صوت مليان قهر مكسور: "موضوع شذى قفلته بـ قلبي يا ذياب.. البنت هذي عمتها الغيرة والطمع، وأنا صقر بن مالك ما ألتفت لـ بنت تبي تكسر هيبتي لـ أجل سراب بـ راسها. البارح بعت هواها، واليوم أنا رجل ثانٍ ما يعرف غير الشغل والشركات". ذياب هز رأسه بـ تفهم وقام وقف بـ طوله الفخم وحط يده على كتف صقر بـ حنان أخوي: "كفو يا صقر.. والرجل ما يكسر رأسه عشق حريم، والشرقية بـ تشهد نهاية ه العصابة وبداية الشغل الصح".
....................:
بـ نفس الوقت.. بـ قصر الجد عساف الكبير (القصر الرابع).
الجدة ورود كانت قاعدة بـ الصالة وبـ جنبها عمتي ملاذ، ودخلت عليهم قمر (دكتورة المستقبل الطيبة) وهي شايلة كتبها وسماعاتها بـ ذرابة وسلمت على رأس الجدة وقعدت. الجدة ورود طالعت فيها بـ ابتسامة حنونة: "أهلين بـ بنيتي الدكتورة.. كيف دراستكِ بـ كلية الطب؟ وكيف عيال عمكِ؟".
قمر ابتسمت بـ عزة نفس وقالت بـ ذرابة: "الحمد لله يا جدتي، الشغل بـ الكلية متعب بس يهون لـ أجل المستقبل. بس يا جدتي.. أنا جيت الحين وأبي أطلبكِ طلب.. ودي أروح لـ قصر الثالث بـ الليل وأقعد مع مرام.. البنت بـ لوحدها بـ القصر من بعد ما سافر ذياب لـ الشرقية، وأكيد تحس بـ الضيق والوحدة بـ ه القصور الفخمة".
أمي ملاذ رفعت رأسها بـ ابتسامة مكسورة ودموع تلمع بـ عيونها من الفرحة بـ حنان قمر، وقالت بـ صوت واطي: "الله يرضى عليكِ يا قمر.. هذا العشم بـ بنيتي الطيبية، مرام تحتاج أحد بـ جنبها".
الجدة ورود طقت عصاتها بـ الأرض بـ رضا وقالت بـ حزم: "زين ما تسوين يا قمر.. روحي لـ بنت عمتكِ واقعدي معها، وعلميها السنع بـ قصورنا، وبلغيها إن الجدة ورود بـ صفها طول ما هي تمشي بـ درب السنع". قمر هزت رأسها بـ وناسة وقامت تجهز نفسها لـ ه المشوار بـ الليل.
....................:
بـ نفس الوقت.. بـ القصر الأول وتحديداً بـ جناح شذى.
كانت شذى قاعدة على الأرض وبـ جنبها أمل، والغل يغلي بـ صدرهم بعد ما مرام أخذت منهم المفتاح السبير البارح وفشلتهم بـ الممر. خلود بنت فوزية كانت قاعدة معهم وتتحندم بـ غيظ: "شذى! أنتِ غبية؟! كيف تخلينها تأخذ المفتاح وتطردكم بـ ه السهولة؟! الحين لو رجع ذياب من الشرقية ودرت مرام بـ السالفة والله لـ يدفنكم بـ تراب الحديقة!".
شذى وقفت بـ جنون وشعرها الأسود الفاحم تناثر على ظهرها بـ قهر وصاحت بـ صوت راجف من الدموع: "خلود اسكتي عني! البنت هذي مجرمة وبـ داخلي خوف منها.. بس والله العظيم ما أتركها! البارح فكرت بـ فكرة ثانية.. أخوي حمد المغزلجي بكرة بـ الليل عنده سهرة بـ الاستراحة مع عيال العم.. بـ نخليه يمر على قصر الثالث بـ حجة إنه يبي أغراض من ذياب، وبـ نطلع إشاعة بـ القصر إن حمد دخل جناح مرام بـ غياب ذياب! وبـ ه الطريقة الجد عساف بـ يجبرها على الطلاق بـ سبب الفضيحة!".
أمل صقفت بـ يدها بـ خبث ومكر: "والله إنكِ داهية يا شذى! هذي الخطة اللي بـ تنهي مرام وتخرجها من عايلتنا بـ الفضيحة!". ما كانوا يدرون إن لمار كانت واقفة وراء الباب، وعقدت حواجبها بـ قرف وضيق من تخطيطهم الخبيث اللي بـ يدمر العايلة كلها بـ سبب الغيرة الأنانية.
....................:
بـ وقت متأخر من الليل.. الساعة 12 بـ الليل بـ القصر الثالث (جناح مرام).
كنت قاعدة بـ الصالة الداخلية لـ الجناح، لافة الشال الأسود حول كتوفي، وجاتني قمر ودخلت بـ ذرابة وأدب.. جلست بـ جنبي وطالعت فيني بـ عيونها الطيبة الواسعة وقالت بـ حنان: "مرام.. أنا جاية بـ ه الليل عشان أقعد معكِ وما أبيكِ تحسين بـ الوحدة.. أدري إن بنات الأعمام ضايقوكِ".
أنا ابتسمت بـ خفة وبـ نبرة صوتي المبحوحة قلت بـ هدوء وجفاف: "تسلمين يا قمر.. وأنا فارس، ما تهمني حركاتهم.. بس جيتكِ هذي بـ ه الليل تسوى عندي الكثير". قعدنا نتناقش ونشرب القهوة بـ هدوء، وبـ داخلي إحساس غامض إن هدوء الرياض بـ ه الليلة بـ يتبعه عاصفة قوية بـ مجرد رجوع ذياب عساف من الشرقية.. وبدت خيوط اللعبة تتشابك بـ قوة بـ القصور بـ انتظار البارت القادم!