الفصل 24
ساد الصمت المشحون بـ الجناح، والأنفاس كانت مسموعة بـ وضوح بيني وبين ذياب. نظراته الحادة كانت تخترقني بـ قوة، كأنه يحاول يستوعب من وين ه البنت تجيب ه الجرأة كلها عشان تقف بـ وجه ذياب عساف وتتحدّاه بـ وسط قصرها وبـ عقر داره. شد على فكه بـ قوة لـ درجة إن عظام وجهه برزت، وتراجعت خطوة لـ وراء بـ كبرياء وهو يطالع فيني من فوق لـ تحت بـ نظرة غامضة مخلوطة بـ الغضب والتعجب.
عدل ياقة ثوبه الأبيض وقال بـ صوت هادي لكنه يحمل نبرة تهديد ترعب الصخر: "فارس.. البنت اللي عيشتيها بـ الخلا وحارات سيف، اجمعيها واقبري سيلها بـ ه الجناح.. لأنكِ الحين بـ قصر عساف، والكلمة هنا لـ ذياب وبس. بكرة بـ الليل طالع لـ الشغل بـ الشرقية مع صقر، وما ودي أرجع وألقى لسانكِ طايل على أحد.. فهمتِ يا بنت سيف؟".
أنا ما نزلت عيوني، طالعته بـ نفس الجفاف والبرود وقلت بـ نبرة صوتي المبحوحة الواثقة: "طريق السلامة يا شيخ ذياب.. وشغلك بـ الشرقية أو بـ غيرها ما يهمني.. اللي يهمني إن محد يجي صوبي، وطول ما هم بـ حالهم، أنا بـ حالي". صد عني بـ خطواته الثقيلة وخرج من الجناح وفقع الباب وراه بـ القوة اللي اعتاد عليها، يفرغ فيها قهر رجولته وكبريائه اللي انكسر قدام تحديي.
....................:
في اليوم التالي.. بـ وقت الظهر بـ القصر الأول (قصر عماد).
الجو بـ البيت كان كئيب وميت من بعد مصيبة البارح بـ المجلس. شذى كانت منقبرة بـ جناحها، منسدحة على سريرها وتبكي بـ لوعة وقهر، وعيونها الواسعة متفخة وحمراء من كثر البكاء والسهر. أبوها عماد بن عساف غسل شراعها البارح بـ الكلام، وأخوها الكبير غازي (36 سنة) أخذ منها جوالها ومفاتيح سيارتها وعاقبها بـ الحرمات من الخروج لـ الجامعة بـ ه الأسبوع.
انفتح باب الجناح بـ هدوء ودخلت أمها (56 سنة، الطيبة الحنونة) وبـ يدها صينية الغداء.. حطتها على الطاولة وقربت من شذى ومسكت شعرها الفاحم بـ حنان: "شذى.. بنيتي.. لـ متى ه الدموع؟ اكيلي لكِ لقمة تغذي جسمكِ.. أبوكِ وأخوكِ غازي ما عاقبوكِ إلا من حرتهم، فشلتينًا قدام جيلكِ والأعمام، وذياب ولد السياف ما هو بـ لـ أحد، والجد كتب كتابة على مرام وانتهى الأمر".
شذى صرخت بـ غل وقهر وهي تدف اللحاف: "يمه!! لا تقولين مرام!! هذي البوية المجرمة أخذت ذياب مني، وأخذت هيبتي قدام البنات! والله العظيم يا يمه ما أتركها بـ حالها، وبـ أخليه يطلقها بـ الفضيحة لو كان هذا آخر شي أسويه بـ حياتي!".
بـ ه اللحظة، كانت أختها لمار (17 سنة) واقفة عند الباب وشايلة كتابها بـ برود كالعادة، طالعت بـ شذى بـ سخرية وجفاف وقالت: "والله يا شذى، عنادكِ هذا هو اللي بـ يوديكِ بـ داهية.. ذياب حذركم البارح بـ صوت زلزل القصر، وأنتِ لسه تفكرين بـ الانتقام؟ عيشي حياتكِ بلا حب بلا خرابيط، شوفي صقر ولد عمي مالك كان يموت في الأرض اللي تمشين عليها، والبارح طالع بـ أثرك بـ قرف وجفاء.. خسرتِ كل شي بـ سبت غروركِ!". شذى رمت عليها الوسادة بـ جنون ولمار سكرت الباب وهي تضحك بـ سخرية، ونسمة (12 سنة) كانت بـ الممر تسوي حركات بـ لسانها تقهر شذى زيادة ومطلعة قرونها!
....................:
بـ نفس الوقت بـ العصر.. بـ الحديقة المشتركة الكبيرة وتحديداً عند كشك قصر مالك (القصر الخامس).
كان صقر بن مالك (27 سنة) واقف مع أخوه مهاب (20 سنة) وحمد المغزلجي (25 سنة). صقر بن مالك كان لابس ثوبه ومستعد لـ السفر مع ذياب لـ الشرقية بـ الليل، بس ملامحه كانت جامدة بـ شكل مخيف، وعيونه الحزينة تحولت لـ قسوة وجفاف غريب.
حمد المغزلجي كان قاعد يأكل مكسرات ويطالع بـ جواله ويضحك، التفت لـ صقر بن مالك وقال بـ وناسة: "يا صقر.. أقولكِ اترك عنك الشغل بـ الشرقية الحين، تعال معي بـ الليل لـ الاستراحة عند الشباب! بدر وطارق وراكان مجهزين لنا عشاء حاشي يجنن، وذيب الدكتور يقول إنه بـ يذبح لنا ذبيحة بـ مناسبة تخرجه القريب.. فكنا من ذياب وهمومه وعيش حياتك مثل حمد!".
مهاب ضرب حمد على كتفه بـ خفة وقال بـ عتب: "حمد! اقصر حسكِ، صقر وذياب عندهم شغل كبير بـ شركات الشرقية، وبعد يراقبون خيوط العصابة اللي قتلت عمي السياف وزوجته، الموضوع ما فيه ضحك وخرابيط!".
صقر بن مالك التفت لـ إخوانه، وأخذ نفس عميق وشد على قبضة يده وقال بـ صوت دافئ ومليان قسوة مكسورة: "أنا طالع مع ذياب بـ الليل بـ الموتر لـ الشرقية.. وموضوع شذى قفلته بـ قلبي لـ الأبد يا حمد! البارح شفت أنانيتها وحقدها بـ عيوني، وبنت بـ ه الطمع ما تشرف قلبي.. بـ تقعد بـ القصر الأول وتندم على كل كلمة قالتها لي، بس وقتها ما بـ تلقى صقر اللي كان يذوب بـ هواها!". حمد ومهاب طالعوا بـ بعض بـ صدمة لأنهم يعرفون عشق صقر لـ شذى لـ وين كان واصل، وعاقدين حواجبهم من قوة قراره.
....................:
بـ نفس الوقت.. بـ قصر فوزية (القصر الثاني).
فوزية الكريهة كانت قاعدة بـ الصالة وتطحن بـ فكها من القهر، وبـ جنبها خلود اللي ميتة من الغيظ لأن ذياب هانهم البارح وحذرهم من دخول القصر الثالث بـ غيابه. خلود قالت بـ غل: "يمه.. شفتِ ذياب كيف يدافع عن ه البوية مرام؟! طردني الظهر بـ قصرها، والبارح بـ مجلس الجد هان عايلتنا لـ أجل خاطر عيونها! أنا مستحيل أسكت.. لازم نلقى طريقة نثبت لـ الجد عساف إن مرام هذي لسه على طبعها المسترجل بـ الحارة وما تصلح لـ النعمة!".
نزلت عليهم قمر (22 سنة، دكتورة المستقبل الطيبة الذكية) وهي شايلة سماعاتها الطبي وكتبها بـ عزة نفس.. طالعت بـ أمها وأختها بـ قرف وقالت بـ حزم: "أنتِ وياها لـ متى ه الحقد والطمع؟ ذياب لو درا إنكم تخططون لـ شي ثانٍ والله لـ يقطع عننا المخصصات ويطردنا من ه القصر اللي ورثناه من جدي! مرام بنت عمتي ملاذ، والبارح ذياب أثبت إنه رجال بـ هيبته وحمى بيته بـ السنع.. أنا رايحة لـ الجامعة وبـ مر على مرام بـ طريقي، وأنتوا اقعدوا بـ غلكم!". فوزية صرخت عليها بـ قهر وقمر تركتهم وخرجت بـ شموخها المعتاد.
....................:
بـ وقت متأخر من الليل.. الساعة 2 بـ الليل بـ القصر الثالث.
الهدوء كان قاتل بـ أرجاء القصر الفخم بعد ما سافر ذياب وصقر بن مالك لـ الشرقية بـ الموتر بـ مشوار الشغل والعصابة.. كنت قاعدة بـ جناحي بـ لوحدي، لابة بجامتي الواسعة وشعري البوي منسق بـ عفوية، وكنت جالسة على الكنبة بـ الصالة الداخلية لـ الجناح وبـ يدي كتاب أقرأ فيه بـ هدوء عشان أطرد الهم والنوم اللي جافى عيوني بـ سبب ذياب وتفكيره المتملك.
وفجأة.. سمعت أصوات خطوات غريبة بـ الممر الخارجي لـ الجناح! قمت بـ سرعة، وبـ داخلي "فارس" اللي تعود على حياة الشدة والمخاطر بـ الحارة ما يعرف الخوف.. تقدمت بـ خطوات رجولية خفيفة ووقفت وراء الباب، وأنفاسي متسارعة.. طالعت من العين السحرية بـ هدوء وجمد الدم بـ عروقي من الصدمة!
كانت شذى وأمل واقفين بـ الممر بـ عباياتهم، وبـ يد أمل مفتاح سبير (احتياطي) يبون يفتحون باب جناحي بـ غياب ذياب عشان ينفذون فكرتهم الخبيثة بـ تفتيش غرفتي وتخريب أثاثي لـ أجل يثبتون لـ الجد إني مجرمة ومسترجلة!
شذى كانت تهمس بـ رعب وغل: "أمل اخلصي افتحي الباب بـ سرعة! ذياب سافر الشرقية ومستحيل يرجع قبل ثلاثة أيام.. لازم ندخل الحين وناخذ أي شي يخص ماضيها بـ الحارة ونوريه لـ الجد بكرة بـ الفطور!".
أنا بـ داخلي اشتعلت نار الغضب والشموخ.. رجعت خطوتين لـ وراء، وبـ كل قوة وجبروت فتحت الباب بـ رجة قوية هزت الممر كله، ووقفت بـ طولي الفخم وبـ صوته المبحوح الرجولي القوي صرخت بـ وجههم بـ تحدي زلزل كيانهم: "شذى!! أمل!! قصور عساف ما علمتكم السنع والأدب بـ الليل؟! جاين بـ نص الليل تسرقون وتقتحمون جناح زوجة ذياب بـ غيابه؟! والله وعزة جلال الله يا شذى لو ما تراجعتِ أنتِ وبنت الوليد الحين، لـ ألويلكِ يدكِ الثانية وأخلي صراخكِ يسمعه الجد بـ ه القصر الكبير!".
شذى وأمل شهقوا بـ رعب وخوف وتراجعوا لـ وراء بـ صدمة، وعيون شذى الواسعة تملأت بـ رعب حقيقي من ملامح "فارس" القوية اللي تشتعل بـ عيوني بـ ه الظلام.. وبدت مواجهة ليلية مرعبة بـ غياب ذياب عساف!