الفصل 23
الصالة انشلت حركتها بـ الكامل وسادها سكون مرعب بعد صرخة نسمة اللي كشفت المستور وفجرت القنبلة بـ وسط قصر الجد الكبير.. طالعت بـ شذى اللي ركابها بدأت تطق بـ بعض من الخوف، ووجهها صار أبيض مثل القطن، وضاعت كل علامات الدلع والغرور من ملامحها بـ ثواني. أمل كانت واقفة بـ جنبها، بلعت ريقها بـ غصة وبدأت تتراجع خطوتين لـ وراء وتلتفت يمين ويسار تدور لها على مخرج يفكها من ه المصيبة.
ذياب كان واقف بـ نص الصالة مثل الجبل الشامخ، لابس ثوبه الأبيض وشماغه بـ كامل كشخته ورزانته، لكن عيونه الحادة السوداء كانت تقطر شرار وعروق رقبته وجبهته بارزة بـ شكل يرعب الصخر من كثر الغضب المكبوت بـ داخله.. مشى بـ اتجاه شذى بـ خطوات بطيئة، ثقيلة، ومخيفة زلزلت أركان المكان، وكل خطوة من خطواته كانت تنذر بـ عاصفة ما ترحم.
شذى نزلت رأسها والأرض ما عاد تشيلها من الفشلة والخوف، وبدأت تبكي بـ رعب وتشاهق بـ صوت راجف: "ذياب.. والله العظيم.. والله العظيم نسمة تكذب! أنا ما سويت شي.. كنا بس بـ المطبخ نبي..".
وقعتها الجدة ورود بـ حزم وقسوة لأول مرة، وطقت عصاتها بـ الأرض بـ قوة زلزلت المجلس كله، وصاحت بـ صوتها الحازم الشديد: "شذى!! اقصري حسكِ ولا عاد تحلفين كذب بـ وسط بيتي! لـ هين وصلت فيكِ الغيرة وقسوة القلب وعمى البصيرة؟! تتآمرين على بنت عمتك وزوجة ابن عمك بـ وسط قصر الجد وتخططين لـ الغدر بـ غيابها؟! نسمة ما تكذب، وأنا أدري بـ حقدكِ وغل قلبكِ من البارح بـ المجلس!".
أمي ملاذ كتمت شهقتها بـ يدها الثنتين، ونزلت رأسها بـ انكسار ودموعها جفت بـ عيونها من كثر الهم.. كانت تطالع فيني بـ نظرات مليانة خوف وألم، وهي تشوف كيف عايلة الأعمام وحريمهم يبون ينهشون فيني ويدمرون حياتي وأنا لسه بـ بداية طريقي بـ ه القصور الفخمة اللي ما شفت منها إلا الظلم والأسى.
عمتي فوزية فزت من مكانها بـ لسانها الطويل تبي تدافع عن أمل وتغطي على السالفة، وقالت بـ مياعة وحقد: "يا عمتي ورود.. اهدي بـ الله، البنات صغار وأكيد يمزحون! نسمة لسه بـ أولى متوسط ومطالعة لـ العايلة قرون بـ لغوتها وإزعاجها، ومستحيل ناخذ بـ كلامها ونكبر الموضوع قدام الرجال لـ أجل..".
ذياب التفت لـ فوزية بـ نظرة حادة وقاتلة خلتها تبلع باقي كلماتها وتجلس بـ مكانها بـ صمت وخوف.. كانت هيبته تجبر الكل على السكوت بـ القصر.
....................:
بـ نفس الوقت.. بـ مجلس الرجال بـ القصر الكبير.
عماد بن عساف (الابن الأكبر وعمره 58 سنة) كان قاعد بـ صدر المجلس بـ كشخته الفخمة ورزانته، وبـ جنبه إخوانه مالك والوليد، وكانوا يتناقشون بـ أمور الشركات الكثيرة. وفجأة.. وصل صدا الصراخ والضجة العالية اللي جاية من صالة الحريم، وعم السكون بـ المجلس وكلهم التفتوا صوب الباب بـ استغراب.
غازي (36 سنة) فز من مكانه بـ قلق كبير وهو يطالع بـ الباب ويشد على مشلحه، وطالع بـ أبوه وقال بـ ضيق: "يبه.. وش ه الصياح بـ صالة الحريم؟ الصوت واصل لـ هنا، وأخاف شذى أو البنات صاير لهم شي بـ الحديقة".
صقر بن مالك (27 سنة) وقف بـ سرعة بـ طوله الفخم، وعيونه الحزينة المليانة وجع تحولت لـ نظرات خوف وضيق شديد.. قلبه كان يدق بـ قوة لأنه عارف وعاجن طبع شذى، ويدري إنها بـ تجيب العيد بـ نفسها وبـ العايلة بـ سبب عنادها وركضها ورا سراب ذياب.
الجد عساف (75 سنة) وقف بـ هيبته وثقله اللي يهز الرجال، وطق عصاته بـ الأرض بـ حزم زلزل المجلس، وقال بـ صوته الشايب الصارم: "غازي.. صقر بن مالك.. قوموا معي نشوف وش ه اللغوة والصياح بـ مجلس الحريم! عيب ه الأصوات تطلع من قصورنا والناس والخدم يطالعون فينا!".
مشوا عيال العم والأعمام كلهم بـ خطوات سريعة ومشدودة بـ اتجاه الصالة الكبيرة، وبـ داخل صقر بن مالك غصة حارة تحرق صدره حرق.. كان يتمنى بـ قلبه ويطالب الله إن شذى ما تكون تورطت بـ مصيبة تخليه يقفل باب قلبه عنها لـ الأبد بـ ه الليلة، بعد كل الحب والذوبان اللي عاشه بـ هواها من صغره وهي جافية ومبتعدة.
....................:
بـ وسط صالة الحريم.. ومواجهة ذياب المرعبة وبداية الانكسار.
انفتح باب المجلس الخارجي ودخل الجد عساف وعماد والرجال بـ هيبتهم، وشافوا ذياب واقف مثل الأسد، وشذى غرقانة بـ دموعها وأمل ترجف بـ جنبها.. ذياب ما التفت لـ بكاء شذى ولا لـ نظرات الاستعطاف اللي تسويها خلود وأمها فوزية، مشى بـ خطوات ثابتة وتقدم من عمي عماد مباشرة.
عدل شماغه بـ ثقة وعمياء، وطالع بـ عمي بـ عيون سوداء حادة تقطر وعيد وجفاف، وقال بـ صوته الرجولي الصارم اللي زلزل المجلس وسمعه الصغير والكبير: "يا عم عماد.. شذى بنتك، والسنع والتربية والرد بـ يدك أنت وأخوي غازي بـ القصر الأول.. لكن اسمعني واسمعوا كلكم زين! قصر الثالث وزوجتي مرام خط أحمر بـ ه الدنيا! لو أشوف شذى، أو أمل، أو خلود بنت فوزية، يعتبون باب قصر الثالث بـ غيابي، أو يمدون لسانهم بـ كلمة سخرية على مرام وماضيها، والله وعزة جلال الله لـ يكون حسابهم معي أنا بـ شخصي وبـ يدي.. وما ظنتي بـ ه القصور أحد يبي يشوف زعل ذياب عساف أو يذوق مر تصرفه!".
عماد بن عساف وجهه تغير وصار أحمر من الفشلة والقهر قدام إخوانه والجد عساف، وحس بـ الإهانة بـ سبب تصرف بنته الطفولي.. التفت لـ شذى بـ عيون تشتعل غضب عارم وصاح فيها بـ قوة: "شذى!! اطلعي قدامي لـ القصر الأول الحين! اطلعي وسودي الله وجهكِ مثل ما فشلتيني قدام الأعمام بـ ه الليلة بـ سبب خرابيطكِ وعنادكِ! حسابكِ بـ يكون بـ البيت معي ومع أخوكِ غازي!".
شذى ركضت وهي تشاهق وتبكي من القهر والفشلة قدام البنات وعيال العم، وأمل لحقتها بـ سرعة وهي تتباكى بـ حضن أمها.. صقر بن مالك كان واقف عند الباب وطالع بـ أثر شذى وهي تركض بـ الممر بـ نظرة مكسورة، جافة، وخالية من أي عاطفة بـ الكامل.. شد على قبضة يده بـ جمود قاتل، وحس بـ غصة حارة تذبح الصدر.. ولأول مرة يحس بـ الكره لـ تصرفات شذى الأنانية، وقرر بـ داخله إن ه الليلة بـ تكون النهاية لـ حبه، وبـ يقفل باب قلبه عنها لـ الأبد وبـ تندم بـ وقت ما ينفع فيه الندم.
الكل تفرق بـ ضيق وتوتر، وأنا وقفت بـ مكاني بـ شموخ وكبرياء، طالعت بـ ذياب بـ نظرة باردة ومشيت بـ خطوات ثابتة لـ قصر الثالث بـ دون ما أقول كلمة وحدة.
....................:
بـ وقت متأخر من الليل.. بـ القصر الثالث وتحديداً بـ جناح مرام.
الهدوء الحذر والظلام كان يلف الجناح الفخم.. كنت قاعدة بـ غرفتي عند النافذة الكبيرة، لافة شالي حول كتوفي وأتأمل شوارع الرياض الخادعة بـ الظلام. فصخت الفستان الكحلي الفخم بـ ضيق ورميته، ولبست بجامتي الواسعة المريحة وشعري البوي منسق بـ هدوء.. كنت أحاول أداري الرشفة اللي بـ جسمي بـ قناع القوة والجمود.
وفجأة.. انفتح باب الجناح بـ قوة ورجة هزت الجدران، ودخل ذياب عساف بـ هيبته وثوبه الأبيض وعضلاته البارزة.. فصخ شماغه الحرير بـ عصبية ورماه على الكنبة، وتقدم بـ خطوات ثقيلة ومخيفة لين وقف قدامي مباشرة.. عيونه السوداء الحادة كانت حمراء مثل الجمر وتشتعل نار وغضب متملك أعمى من كثر القهر والفضيحة اللي صارت بـ مجلس الجد.
نزل لـ مستوى وجهي بـ سرعة، ومسك معصم يدي بـ قوة وجبروت لـ درجة خلاني أشد على أسناني بـ ألم ووجع، ونطق بـ نبرة صوت واطية، حادة، وتخوف الصخر: "ارتحتِ الحين يا بنت سيف؟! ارتحتِ والفضايل واللغوة بـ وسط قصر جدي وبـ مجلس الحريم بـ سبتكِ وبـ سبب لسانكِ؟! تحسبين نفسكِ انتصرتِ بـ ه الليلة لأن شذى انكشفت قدام الرجال والأعمام؟! وعزة جلال الله يا مرام.. رأسكِ العاصي القوي هذا أنا بـ لينه بـ ه الجناح وعلى يدي.. وبـ تشوفين وجه لـ ذياب ما تمنين تشوفينه بـ حياتك كلها لو عاندتِ معي أو كسرتِ كلمتي ثانية!".
أنا طالعت بـ عيونه الحمراء المشتعلة بـ كل برود وجفاف وجلمود، وفكيت يدي من مسكته الثقيلة بـ كل قوة وعزة نفس هزت كيانه وغروره المتكبر، ووقفت بـ طول وشامخة قدامه وقلت بـ صوتي المبحوح القوي الواثق: "أنا ما طلبت من أحد يدافع عني يا شيخ ذياب! ولا ركضت ورا الفزعة من نسمة أو من غيرها! شذى وأمل جاؤوا بـ نية الغدر والشر لـ جناحي بـ غيابي وأنت شفت وسمعت بـ عيونك وآذانك بـ المجلس.. وأنا فارس، عشت بـ الخلا والتراب وتحت تهديد السلاح بـ حارة سيف، وأموت ولا أحد يدوس على طرف كرامتي أو يلمس شي يخصني بـ الغدر لـ أجل أرضي غرورك وأوامرك بـ ه القصور! إذا تحسب إن فلوسك وقصورك بـ تخليني بنت ذليلة ومنكسرة تستر عليها بـ زواجك، تراني ماني بـ ه البنت.. وبـ أظل أوقف بـ وجهك وبـ وجه كل من يغلط علي بـ ه التحدي!".
ذياب جمدت ملامحه بـ الكامل، وعروق جبهته برزت بـ شكل مرعب من جراء جرأتي وقوتي بـ الكلام والتحدي معه.. قرب مني لـ درجة أنفاسه الحارة والحارقة لفت وجهي، وشد على فكه بـ قوة والغموض بـ عيونه زاد بـ شكل يخوف.. وبدأت جولة جديدة وقوية من صراع الكرامة والظلم بـ القصر الثالث!