الفصل21
أصوات التكسير برا بالصالة كانت قوية وصداها يزلزل الجدران.. ذياب عساف اللي كلمته ما تثنى قدام شيوخ الرياض، تكسر كلمته بنت عمه وعاشت عمرها كله كـ ولد بـ حارة سيف! كان يفرغ غضبه المكبوت بـ أثاث الصالة، وأنا كنت حاطة ظهري على الباب المسكر.. دموعي نزلت بـ صمت وقهر، جسمي كله كان يرجف من الخوف اللي أحاول أداريه بـ قناع القوة.
طالعت بـ المراية الكبيرة.. الفستان الزيتي تمزق طرفه من جراء السحبة القوية حقت ذياب، ومعصم يدي صار لونه أزرق. تنهدت بـ راحة مكسورة، وفصخت الفستان بـ قرف ولبست بجامة واسعة من الملابس اللي جابوها، ورميت نفسي على السرير الواسع بـ التعب. نمت من كثر الهم والدموع بـ عيوني..
بـ اليوم الثاني.. بـ قصر الجد عساف الكبير.
الكل كان متجمع على سفيرة الفطور، وعمّ السكون المشحون بـ التوتر. شذى كانت قاعدة وبـ يدها رباط طبي بـ سبب لية يدي لها البارح، وعيونها حمراء من كثر البكاء، وفوزية جالسة وبـ جنبها خلود يتهامسون بـ غيظ.
الجد عساف طالع بـ شذى وقال بـ صوته الشايب الحازم: "شذى.. علام يدك؟ وش صاير بـ قصر ذياب البارح؟ فوزية تقول إن بنت سيف تطاولت عليكم؟".
شذى انفجرت بـ البكاء وقالت بـ قهر: "إي يا جدي! مرام هذي مجرمة ومسترجلة! جاية بـ وسط قصر ذياب وتطردنا، ولما جيت أكلمها بـ الذرابة لوت يدي بـ قسوة وبغت تكسرها! هذي ما تصلح تكون بـ قصورنا يا جدي، ذياب لازم يطلقها ويرجعها لـ المكان اللي جت منه!".
الجدة ورود هزت رأسها بـ حنان وضيق: "اهدي يا بنيتي.. البنت لسه ما تعودت على عيشتنا، وسيف ظلم طفولتها.. لازم نتحملها".
أمي ملاذ كانت قاعدة ومنزلة رأسها بـ انكسار وتبكي بـ صمت، ما تقدر تدافع عني لأنها خايفة من الجد والأعمام وطمعها بـ القصر مخليها ساكتة.
بـ ه اللحظة دخل ذياب بـ هيبته المعتادة.. لابس ثوبه الأبيض وعيونه السوداء الحادة تراقب الكل بـ برود متكبر. جلس بـ مكان المقابل لـ الجد وعقد حواجبه.
الجد عساف طالع بـ ذياب وقال بـ حزم: "ذياب.. زوجتك مرام وش علمها؟ السنع والتربية بـ يدك يا وليدي، وما نبي فضايح بـ القصر قدام الحريم وعيال العم".
ذياب أخذ نفس عميق، وعدل شماغه بـ ثقة عمياء وقال بـ صوته الرجولي الجاف: "يا جدي.. موضوع مرام عندي، ومحد من الحريم له دخل بـ قصرها أو بـ عيشتها. شذى وخلود مالهم عمل بـ قصر الثالث بـ أمري.. ومرام بـ تقعد بـ جناحي وتحت حكمي، ورأسها العاصي هذا أنا بـ لينه بـ معرفتي.. ارتاح يا جدي، كلمتي ما تنكسر".
شذى طالعت بـ ذياب بـ نظرة مليانة قهر وغيرة تحرق قلبها.. ذياب الحين جالس يحمي مرام ويمنعهم من دخول القصر؟! زاد الكره بـ داخلها لـ مرام بـ شكل أعمى ومستعدة تسوي أي شي عشان تخرب ه الزواج.الظهر بـ حديقة القصر الكبيرة عند النافورة..
شذى كانت تمشي بـ خطوات سريعة وهي تشاهق من القهر والدموع بـ عيونها.. حاسة إن الدنيا صكت بـ وجهها، ذياب صار لـ مرام بـ الرسم وبـ الأوراق، والجد مأيده.
وفجأة.. صقر كان واقف بـ الممر، لابس كشخته وعيونه الحزينة تراقب خطوتها المكسورة بـ ألم. تقدم ووقف قدامها ومسك كتفها بـ هدوء وحنان: "شذى.. وقفي يرحم والديكِ، لـ متى ه الدموع؟".
شذى دَفّت يده بـ عصبية وصرخت بـ وجهه: "ا تركني بـ حالي يا صقر! أنت وش تبي مني؟! كل ما خرجت بـ مكان ألقاك بـ وجهي! قلت لك البارح لا عاد تعيد ه الكلام.. أنا ما أحبك! أنا أحب ذياب وسأظل أحبه، ومرام هذي بـ أطلعها من حياته بـ الغصب!".
صقر جمدت ملامحه بـ الكامل، والوجع بـ عيونه كان يقطع القلب.. شد على قبضة يده بـ قهر، وقال بـ صوته الدافئ اللي انكسر بـ ه اللحظة: "تحبين واحد بايعكِ يا شذى؟! ذياب صديق عمري والروح بـ الروح، وأدري بـ تفكيره زين.. ذياب عمره ما فكر بـ شذى كـ زوجة، والحين مرام صارت بـ اسمه وعقد عليها بـ الشيخ والورق! أنتِ لـ متى بـ تظلين عمية وتجرحين بـ قلبي اللي شاريكِ بـ ه السهولة؟!".
شذى صرخت بـ غل: "أنا حرة! وذياب بـ يطلقها بـ سببي، بـ تشوف يا صقر!".
تركت صقر واقف بـ مكانه والظلام نزل على عيونه من جراء جفاها وقسوتها معه.. صقر تنهد بـ غصة حارة، والدموع تجمعت بـ عيونه بـ صمت، ولأول مرة يحس بـ الكره لـ تصرفات شذى الأنانية اللي بدأت تغير صورته الجميلة عنها بـ قلبه.
بـ نفس الوقت.. بـ القصر الثالث بـ جناح مرام.
كنت جالسة عند النافذة الكبيرة، لافة الشال حول كتوفي وأتأمل هدوء الرياض الخادع. الباب انفتح بـ قوة ودخل ذياب بـ خطواته الثقيلة وهيبته.. كان باين عليه التعب والضيق بـ سبب كلام الجد بـ المجلس.
تقدم ووقف قدامي وحط يدينه بـ جيوبه وقال بـ نبرة صوت رجولية جافة وخالية من العاطفة: "اسمعيني زين يا بنت عمتي.. اليوم بـ الليل الأعمام وعيالهم متجمعين بـ القصر الكبير، والجد أمر إنك تحضرين وتجلسين مع البنات بـ لبس كامل وبـ السنع اللي يليق بـ عايلة عساف.. ممنوع اللثام بـ مجلس الحريم، وممنوع أي مدة لسان أو حركة مسترجلة قدام عمتي فوزية وأم غازي.. مفهوم؟".
وقفت بـ احترام وعزة نفس، وطالعته بـ عيوني الباردة وقلت بـ صوت هادي ومبحوح: "أنا بـ أحضر عشان الجد عساف وعشان كرامتي بـ القصر.. مو عشان أوامرك يا شيخ ذياب. والي بـ يغلط علي بـ كلمة، بـ يسمع رد يزلزل كبريائه.. ارتاح".
ذياب قرب مني بـ خطوة سريعة وعيونه الحادة صغرت بـ غضب متملك: "مرام.. لا تختبرين صبري بـ ه اليوم.. الليلة بـ تمشي بـ هدوء ورأسك بـ الأرض، وإلا والله لـ تشوفين وجه لـ ذياب ما تمنين تشوفينه بـ حياتك كلها!".
تركني ومشى بـ كبرياء وخرج من الجناح، وأنا أخذت نفس عميق واستعديت لـ ليلة جديدة من صراع الكرامة والظلم بـ قصر عساف الكبير.. وبدت خيوط اللعبة تتشابك بـ قوة!