مزارع بشرية - لقد حذرتك من البداية - بقلم تهاني البراوي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: مزارع بشرية
المؤلف / الكاتب: تهاني البراوي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: لقد حذرتك من البداية

لقد حذرتك من البداية

هنا.......... أدركتُ أن لا سبيل للتخلص من السلسلة سوى الموت. عندما توقفتْ سلسلتُه.. ومن هول الصدمة، توقفتُ. ولأول مرة في حياتي، رفعتُ رأسي واستقام جسدي بالكامل. في تلك اللحظة الجسورة، رأيتُ المشهد بأكمله؛ رأيتُ ذلك الرجل.. كان عجوزاً أشيب، ملامحه الغارقة في الطين قد بَلتْ وعُجنت بالتراب والشقاء. نقشتُ تفاصيل وجهه في أعمق بقعة بداخلي، وللحظةٍ مرعبة، تصوّرتُ نفسي مكانه.. لابد أن هذه هي ملامحي أنا أيضاً، ولابد أن هذا هو غدي المنتظر. لكن.. هناك، وللحظةٍ خاطفة، لم أرَها!.......... السلسلةُ اختفت! لم تنكسر، ولم تُقطع، بل تلاشت كأنها لم تكن، بمجرد أن غادرتْه الروح. وكأن هذا القيد الحديدي لم يكن سوى طفيليٍّ يتغذى على دمائنا وأنفاسنا وخوفنا، ولا يموت إلا بموتنا. لم أكد أستوعب هذه الحقيقة المرعبة، ولم أكد أصدق عينيّ، حتى أيقظتني دفعةٌ قوية وقاسية من الرجل الذي خلفي.. دفعةٌ كدتُ على إثرها أن أقع في الوحل. تأرجحتُ، لكن كان عليّ أن أتماسك.. كان عليّ ألا أسقط بأي ثمن. ففي هذا المسير الأعمى، إن وقعتَ هنا.. ستدهسُكَ أقدام العبيد حتى الموت، قبل أن يلحظ غيابَكَ الأسيادُ في الأعلى. .............................................. وقفتُ وقد فار دمي ولأول مرة في حياتي اشعُر بالغضب ... تتردد في ذهني جملة واحده " لا خلاص سوى الموت " تصيبني تلك الكلمات بالجنون من ناحية .... والرجل من خلفي الذي يدفعني بشدة لأتحرك من ناحية أخرى.......... حينها تحركت و لكنني تحركت للخلف فقمت بدفعه كما دفعني فهتز هو ومن خلفه واضطربت حركة السلاسل بشدة ... وصارت اثقل بكثير وضاقت أكثر حول عنقي كتحذير لي ....... حينها قررت إن كان لا سبيل للخلاص سوى الموت .........." سأموت بيديّ" لن أموت دهساً تحت اقدامهم امسكت السلسلة بكل قوتي سأقتلعها من قلبي وإقتلعه معها ...... سحبت السلسلة شعرت بأن روحي تسحب معها ......... ولكن ما المشكلة روحي تسحب مني كل يوم الدماء تخرج وتقطر على الأرض ... ومن يهتم كل يوم يصفى دمي صرخت بكل قوتي صرخةٌ اهتزت لها اجساد العبيد حولي وسَلطت َ على أنظار السادة فوقي .... ومع كل ذلك اقتلعتها ......وانا انتظر الموت بلهفه .................................................. عندما سحبتُ السلسلة بجنون،و انتزعتُها من أعمق بقعة في قلبي، سقطت وسقط معها كل شئ كقطع الدومينو وتلاشت في يدي كأنها لم تكن...... . السلسلة كانت وهماً انهار في عينيّ وقفتُ مستقيماً بكامل طولي، وبدأتُ أتنقل بحريةٍ بين صفوف العبيد اللاهثين. أبتعدت عن ذلك الصف الذي أفنيت عمراً طويلاً فيه... ألقيت نظرة على الرجل الذي كان يدفعني فوجدته قد دهس تحت أقدام من خلفه...... كنتُ أصرخ فيهم، ألوّح بيدي، لكن أحداً منهم لم يرفع وجهه الغارق في الوحل. وفي تلك اللحظة المرعبة، أدركتُ الحقيقة الجارحة: إنهم لا يرونني.. أو لا يرغبون برؤيتي وطالما أن عيونهم مثبتة في الأرض بطبيعة المنظومة، فإن الشيء الوحيد الذي يبصرونه مني..... هو حذائي! صحيحٌ أنه ليس لامعاً كأحذية السادة في الأعلى، لكني صرتُ في عيونهم مجرد "حذاءٍ آخر" لكن كان علي حينها أن أقرر بعد كل شئ ماذا سأفعل ؟ الأن من أكون؟ لكني لم أرد أن أتوقف . لم يكن الخلاص الفردي غايتي. بدأتُ أفتش وسطهم بإصرارٍ محموم؛ لابد من وجودِ من هم مثلي ومثل ذلك العجوز الأشيب.. لابد أن هناك من تجرأ على اختلاس نظرة، أو من حاول رفع رأسه، أو من التقطت أذناه صراخي وسط هذا الضجيج الرمادي. سأظلُّ مستمراً في السير والتنقل بين خطوطهم حتى أصل إليهم، حتى وإن عنى ذلك أن أمارس الخدعة الأكبر؛ إن كان الالتفات يقتضي أن أكون كالأسياد، فسأجعل حذائي لامعاً وبراقاً تلتفت له الأبصار رغماً عنها.. سأصير سيداً في عيونهم، فقط لينتبهوا لي، وليسمعوا مني حقيقة أن السلاسل مجرد وهم كبير "وهكذا وصلت قصتي إليك وتقرأها الآن بين يديك.. هل أدركت الآن لماذا حذرتك؟" لا تفكر بعمق طالما لن تتحمل الحقيقة إياك أن تفكر إن كنت حر أم مجرد بهيمة من بهائم السادة . تمت.