لعنة الأمل
لم يكن يلتفت، ولم أكن أجرؤ على اختلاس نظرةٍ لوجههِ، فالعيونُ المرفوعة في هذا الجحيمِ تهمة، لكنّي كنتُ أعلم أنّه استشعرَ وجودي.. استشعرَ أن هناك جسداً خلفَهُ توقفَ عن الدورانِ الأعمى، وبدأَ يتحركُ بـ "وعي".
فجأة، وبلا أي مقدمات، تعمدَ أن يبطئَ خطوتَهُ و يميل قليلا ناحيتي ليرتطمَ ظهرهُ المنحني بصدرِي.
كانت صدمةً خفيفة، لكنها كافية لتهتزَّ السلسلتان معاً وتُصدرا رنيناً حاداً. وفي تلك الأجزاء من الثانية، وسط دويّ الأقدامِ الرمادية التي تملأ المكان، سمعتُ صوتَهُ.. همسةً مبحوحة، قادمةً من أعمقِ بقعةٍ في حنجرتِهِ المخنوقة، نطقَ بها دون أن يحركَ رأسهُ أنملة:
— "لا تنظر إلى أحذيتِهم.. انظرْ إلى الطوبِ الذي تحتَها. المنصةُ حجرٌ، والحجرُ يملكُ عيباً واحداً.. إنّه يتشققُ إذا ما اهتزّت الجذور."
سكنتِ العبارةُ في قلبي، وامتزجت بذاك الثقلِ الجديدِ الذي ينمو في صدري منذ أن بدأتُ أفكر. لقد كان يملكُ المفتاحَ إذن، لكنه ليس مفتاحاً حديدياً يفتحُ طوقَ العنق، بل مفتاحاً من الكلمات يهدمُ المسرحَ بأكمله!
في تلك اللحظة، وسط الدخان والضباب والظلال الثقيلة المسلطة من الأعلى، أدركتُ أنني ربما لا أكون المصاب الوحيد بـ "وباء الوعي". هناك آخرون يخفون خلف ظهورهم المنحنية جروحاً نازفة لـجذورٍ يحاولون اقتلاعها سراً.
لقد مرَّتِ الأيام.. أجل، لا تستغرب! فعندما تصبحُ واعياً تزدادُ حواسكَ حِدّة، ويصبحُ شعورك أقوى، وتهتمُّ بأشياء غريبة.. مثل عدِّ الأيام وحساب الوقت......
في غيبوبة الجهلِ الطويلة، كنا نعيشُ في زمنٍ دائمِ الركود؛ لا ليلَ يعقبه فجر، ولا غدَ يختلف عن الأمس، مجرد مسيرٍ لا ينتهي في الطين. أما الآن، فقد صار لكل نبضةٍ ثمن، ولكل قعقعة حديدٍ تاريخ. صرتُ أعدُّ الأيامَ بخدوشٍ سريةٍ أحفرها في الطوق الحديدي حول عنقي، خدشٌ لكل ليلةٍ قضيتُها أراقب فيها ذلك الرجل، وأحفظُ تضاريس المنصة الحجرية في الأعلى.
لكنَّ حسابَ الوقتِ في دار الخوف يُشبه عدَّ الأنفاسِ في غرفةٍ يقلُّ أكسجينها مع كل دقيقة.
الكلمات التي ألقاها في مسمعي عن "تشقق الحجر" أنبتت في عقلي ألف فكرة وفكرة. صرتُ أنظر إلى تلك المصطبة الحجرية الشاهقة، لا بوصفها قدراً محتوماً، بل بوصفها بناءً قابلاً للتهاوي. لم تعد الأحذية اللامعة تُرعبني كما كانت؛ فالذي يخشى الجذور التي تحت قدميه، ليس إلهاً، بل هو مرعوبٌ يختبئ خلف جدارٍ من الوهم.
لكنَّ المشكلةَ في حساب الأيام.. أنها تمنحك أملاً، والأمل في هذا الحشد هو السّم الأكثر بطئاً وفتكاً.
بينما كنتُ مستغرقاً في حساب يومي الأربعين بعد المئة، تلمّستُ ظهرهُ المنحني أمامي كالعادة لأضبط إيقاعي عليه. لكن شيئاً ما في خطوته تلك الليلة كان مضطرباً.. السلسلة لم تكن ترنُّ بنغمتها المعتادة، بل كانت تُجرُّ بثقلٍ غريب، ثقلِ جسدٍ أوشكت طاقته على النفاد.
..........................................................
عندها.. ظهرت في خاطري فكرةٌ كادت تنهيني. فكرةٌ أزالت كل أملٍ لديّ حينها:
هي أننا سنموت قبل أن نُحدث صدعاً واحداً في تلك المنصة.. نحن وحدنا لا نكفي.
كانت هذه الحقيقة أثقل من الحجر نفسه. تطلعتُ إلى الرؤوس المنكسة من حولي، إلى الآلاف الذين يغوصون في الوحل ببلادة، وعرفتُ أن معركتنا خاسرة قبل أن تبدأ. ما فائدة أن يستيقظ اثنان أو ثلاثة في قطيعٍ يغط في نومٍ سرمدي؟ إن خطوتنا الواعية، مهما بلغت جسارتها، ستذوب في لجة المسير الأعمى للآخرين.
أنا وهذا الرجل لسنا سوى قطرتين في محيطٍ من الاستسلام؛ نموت، وتتحلل عظامنا، وتنبتُ سلاسلنا في أعناقِ عبيدٍ آخرين يأتون بعدنا، وتظلُّ المصطبةُ قائمة، وتظلُّ الأحذيةُ لامعة.
تلك الليلة، كدتُ أخفض عيني مجدداً. كدتُ أرجو الطين أن يبتلع وعيي لأرتاح.
وما زاد جحيمي جحِيماً.. هو أنه في اليوم التالي، توقفتْ حركةُ سلسلته تماماً.
لم أسمع رنينها المعتاد، ولم أشعر بتموج حديدها أمام صدري. نظرتُ بوعيي الحاد المحموم إلى يساري، فرأيتُ طوقَهُ قد استقر في وحل الطين.. لقد انهار. انهار الجسد الذي كان يحمل الخريطة، وانهار معه كل أملٍ كنتُ أتشبثُ به.
تجاوزتْهُ أقدام القطيع ببلادةٍ معهودة؛ لم يتوقف أحد، ولم ينظر إليه أحد، فالآلة لا تملك وقتاً للرثاء. سُحب جسده أو دُفن تحت أقدامنا المنكسة، وبقيت سلسلته ملقاة كأفعى ميتة، شاهدةً على أن "الوعي" في هذا المكان عقيم، وأن "الجذور" التي تحدث عنها لم تكن قادرة على هزّ المصطبة، بل كانت أول ما تكسّر.
أنا الآن أمشي وحيداً تماماً، بلا ظلٍ أقتفي أثره، وبلا همسةٍ تُخفف عني برودة الطوق.
سقط الدليل، وبقيتُ أنا هنا.. أحملُ لعنة الرؤية وحدي، وأمشي في طريقٍ أعلم يقيناً أنه ينتهي بذات السقوط، في ذات الطين، وتحت ذات الأحذية اللامعة التي لم تزل تبرق من الأعلى بكبرياءٍ لا يرحم.