وعي
بدأتُ أمشي مرة أخرى.. ولكن، هناك شيءٌ اهتزَّ بعنف. شيءٌ لم أشعر به من قبل.
ثقلٌ في قلبي مختلفٌ تماماً عن ثقل السلسلة. لم يكن حديداً يقضم اللحم، بل كان وعياً يقضم الروح. شيءٌ ما تغير في جينات وجودي.. بدأتُ أفكر، وهذا شيءٌ لم يحدث من قبل!
التفكير في هذا المستنقع جريمة لو تُرجمت إلى ملامح لوقعتُ ميتاً في الحال. في كل خطوة أخطوها في الطين، كان عقلي يطرح سؤالاً يتبعه سؤال، كأنني أفر غامراً من غيبوبة دامت عقوداً. تساءلتُ: من الذي وضع الحجر الأول في تلك المصطبة؟ من الذي صهر هذا الحديد؟ ولماذا نمشي إذا كنا لا نصل؟
ومع كل سؤال كان يولد في رأسي، كان الثقل في قلبي يزداد، والسلسلة حول عنقي تصبح أكثر دقة في أذني. صرتُ أسمع حشرجتها المقيتة مع كل حركة. التفكير جعلني هشاً أمام الألم، لكنه جعلني ضخماً من الداخل، أضخم من الطوق الحديدي نفسه.
نظرتُ خلسةً إلى اليمين.. رأيت ذلك الجسد الذي كان يوماً عزيزاً قبل أن يمسخه الطوق كان يجر سلسلة ممتدة إلى ذات المسرح الحجري، ويسير بآلية مفرطة كأن رأسه مجرد تجويف فارغ. رغبتُ في أن أصرخ فيه، أن أهز كتفيه، أن أنقل له هذا الثقل الذي يملأ قلبي.
لكن النظرات من الأعلى كانت تشتد، وأحذيتهم اللامعة بدأت تعكس ضوءاً غريباً، كأنهم استشعروا أن هناك ذبذبة غير منتظمة بدأت تخرج من صفوف القطيع.
مع كل سؤال كان يطرق جدران رأسي، كانت السلسلة تضيق، وكأن للمنظومة مجساتٍ سرية تقرأ النوايا. التفكير في عالم العبيد ليس مجرد ترف، إنه "خلل فني" في الآلة، والآلات لا بد أن تعمل بانتظام.
التفتُّ خلسةً إلى أجسادٍ بجواري لم أعد أعرف أسماءها؛ أرى الأطواق الحديدية تلتف حول أعناقهم، لكن الجحيم الأكبر الذي أبصرتُه الآن بوعيي الجديد هو أن عقولهم أيضاً كانت مطوقة بسلاسل غير مرئية. إنهم لا يمشون لأن السلسلة تشدهم، بل يمشون لأنهم يظنون أن هذا هو الهدف الوحيد من وجود أقدامهم.
أردتُ أن أتوقف، لكن القطيع يندفع بقوة السيل.
إن توقفتُ، ستطأني آلاف الأقدام المنكسة قبل أن تلمحني أحذية السادة. كان عليّ أن أمارس أخطر أنواع الخداع: أن أمشي بجسد عبد، وأفكر بعقل حر.
بدأتُ ألاحظ الصرير.. صرير السلاسل وهي تحتك بالمنصة الحجرية في الأعلى. لفتَ انتباهي صوتٌ مختلف، نقرة منتظمة غير نقرة الحديد. ركزتُ السمع وسط همهمات الحشد الرمادي، واكتشفتُ المصدر: الرجل الذي يتقدم بضع خطوات على يساري، كان طوقه الحديدي يرتطم بشيءٍ مخبأ تحت قميصه الرث مع كل خطوة.
لم يكن يرفع رأسه، لكنه كان يمشى بإيقاعٍ غريب، يبطئ كأنه يقيس المسافات، ثم يسرع ليتفادى شدّة السلسلة. لم يكن قطرة في القطيع، كان يبدو وكأنه يملك "خريطة" ما في خياله.
قررتُ أن أهبهُ إيقاعي. سأنسلخُ من نبضِ القطيع لأدخلَ في مدارِهِ الخاص.
حين أبطأَ خطواتِه لتفادي شدّة السلسلة، كبحتُ اندفاعي وأبطأتُ معهُ، وحين أسرعَ ليقيس مسافةً خفية، دفعتُ بجسدي في الطين خلفَهُ مباشرة. صرتُ ظلَّه، وتوأمَهُ في هذا الممشى المفخخ بالظلال؛ أضعُ قدمي حيث وضعَ قدمه، وأنحني بالزاويةِ نفسِها التي ينحني بها.
مع كل خطوةٍ كنا نخطوها معاً بهذا التناغم السري، كنتُ أشعر بقعقعة الحديد حول عنقينا تتآلف، كأن سلاسلنا بدأت تعزفُ لحناً غريباً خارجاً عن نوتةِ الاستعبادِ الجماعي.