جحيم من نوع آخر
كنت هناك ......واحد منهم لم أجرؤ على رفع رأسي أو اختلاس نظرة واحده للأعلى......
لكني كنت أشعر به جيداً....
الضغط الهائل القادم من الأعلى ظلال اجسادهم الطويلة المسلطة علينا ....
ضغط يحبس الأنفاس و ظلال تعدم النفوس......
كل ما استطعت أن أراه السلسلة العملاقة التي تحيط برقبتي ممتدة امامي حتى ظننت أن لا نهاية لها.......
لكن نهايتها شاهد حجري ليس كشواهد القبور فأمثالنا ليس لهم اسماء لتنقش على القبور فلا حاجه لأسماء للعبيد
شاهد حجري عملاق كمسرح ممتد بلا نهاية يقف فوقه الحكام ذو الأحذية اللامعة وذاك كل ما يمكنك رؤيته......
وان واتتك الشجاعه لترفع عينك لن ترى سوى كابوس مرعب فبعد أن ظننت أنهم ثلاثة أحذية فقط وجدت خلفهم غمامة سوداء من ألاف الأحذية التي تنتظر دورها لتخطو فوقك
لذا لا تتجرأ أن ترفع عينك ابقها في الاسفل .....
هناك حيث العبيد رؤوس منكسة وأظهر منحنية من حمل الاسياد
أعين نست شكل السماء
حتى صارت سمائهم الوحيدة هي أحذية السادة اللامعة.
يمشون في قطيعٍ منسق لا أحد ينظر في عين الآخر، ولا أحد يتساءل إلى أين نمضي؟
الجهد الهائل الذي يبذلونه، والدماء التي تلطخ قمصانهم الرثة، ليست لبناء أمجادهم بل لتثبيت المصطبة الحجرية التي يقف عليها من في الأعلى...
ربما تتساءل الأن كيف عرفت كل هذا ؟
وكيف لا أعرفه ... وقد تجرأت ورفعت رأسي..... كل جريمتي انني أردت أن أرى و افهم حاولت أن أرى اخر السلسلة واين يكمن مفتاحها ؟
كانت الحقيقة قاسيةو عواقبها وخيمة ......
حتى أني تمنيت يومًا لو بقيت في الاسفل ووجهي في الطين لكن الأوان قد فات...
حين رفعتُ رأسي، لم أجد قفلاً يحتاج إلى مفتاحٍ أملكه أو يملكه السجان. اكتشفتُ الجحيم الأكبر: السلسلة لم تكن مثبتةً في الطوق الحديدي حول عنقي، بل كانت تخرجُ من لحمي.. نمت من عظامي كجذر شجرة خبيثة غُذيت بالخوف منذ الطفولة.
في تلك اللحظة التي تلاقت فيها عيناي ببرود أحذيتهم، لم يضربني أحد، ولم يصرخ في وجهي حارس. كان العقابُ أعتى من ذلك بكثير.. العقاب كان "الرؤية".
أن ترفع رأسك في قطيعٍ منكس الرؤوس يعني أنك نفيتَ نفسك بنفسك من جنة الجهل المريحة. فجأة، لم أعد قادراً على المشي في هذا القطيع المنسق؛ صرتُ أتعثر بخطواتهم، تضربني سلاسلهم، وأسمع قعقعة الحديد التي يعجزون هم عن سماعها لأنهم ألِفوها كدقّات قلوبهم.
صرتُ منبوذاً؛ ليس لأن الأسياد عزلوني، بل لأن العبيد جاري وفوقي وتحتي خافوا من وهج عينيّ الشاخصتين للأعلى. خافوا أن يلتصق بهم وباء "الوعي".
الآن، أنا أمشي معهم، جسدي يغوص في الطين مثلهم، وقميصي يتلطخ بذات الدماء.. لكني متُّ بالنسبة لهم.
إنهم يظنون أن الخلاص في نهاية السلسلة، ويبحثون عن المفتاح في جيوب السادة. أما أنا، فبتُّ أعلم أن النجاة لا تبدأ بقطع الحديد.. بل تبدأ هنا، في العتمة بين أضلعي. يجب أن أقتلع جذر السلسلة من دمي أولاً، حتى لو كلفني ذلك أن أنزع عنقي معها.
لذا أحذركَ مجدداً.. إن لم تكن مستعداً لتموت حرّاً، فابقِ عينيك في الأسفل، واستمتع بنقاء أحذيتهم اللامعة.
.........................................