بعد مرور اسبوع
بعد مرور أسبوع…
كان المنزل مقلوباً رأساً على عقب.
— "إلينااا! أين نظارتي الشمسية؟!"
دوّى صوت إيفا في أنحاء البيت وهي تنثر الملابس فوق الأريكة بعشوائية واضحة، بينما كانت حقيبة السفر مفتوحة بالكامل على الأرض.
خرجت إلينا من الغرفة بهدوء، تمسح يديها ببعض الكريم وكأن الفوضى لا تعنيها بشيء.
رفعت نظرها نحو والدتها ثم ابتسمت ابتسامتها المقلوبة المعتادة.
— "إنها فوق رأسكِ… أهههم."
تجمدت إيفا لثانية.
ثم رفعت كلتا يديها نحو شعرها لتلمس النظارة المعلقة هناك بالفعل.
فتحت فمها بصدمة:
— "أنا حقاً بدأت أفقد عقلي."
همهمت إلينا وهي تجر عربة الملابس الصغيرة باتجاه الباب:
— "أساساً سيحلّ الظلام بعد دقائق، لماذا النظارة أصلاً؟"
في تلك اللحظة خرجت كلارا من المطبخ تتبعها فيكي وهي تحمل بعض الأغراض.
قالت كلارا:
— "أختي، هل أساعدكِ بشيء؟"
لكن إيفا اكتفت بتحريك رأسها بسرعة وهي تبحث بعينيها في كل الاتجاهات.
ثم صرخت مجدداً:
— "إلينا! أقسم لكِ أننا سنتأخر! بالكاد سنستأجر سيارة للمطار ونصل في الوقت المناسب!"
— "ولِمَ العجلة أساساً؟"
ثم توقفت فجأة تنظر حولها.
— "أوووه… أين الفردة الثانية من جواربي؟"
— "لا أعلم."
وفي اللحظة التالية، رفعت فيكي الجورب للأعلى وهي تصرخ:
— "ها هي!"
مدّت إيفا يدها بسرعة:
— "أعطني إياها فوراً!"
أما إلينا…
فكانت ترتدي معطفاً أسود داكناً من النوع الرفيع، جعلها تبدو أكثر أناقة وحدّة في الوقت نفسه.
شعرها الأسود الطويل انسدل بهدوء فوق كتفيها، بينما بقيت ملامحها هادئة بشكل مستفز وسط كل ذلك التوتر.
تقدمت كلارا وفيكي نحوهما عند الباب.
عانقت كلارا أختها أولاً، ثم التفتت إلى إيفا قائلة بابتسامة خفيفة:
— "زورينا مرة أخرى يا اختي"
أما فيكي فقالت بسرعة:
— "وانتبهي لنفسكِ في الطريق يا ابنة خالتي ههه!"
لوّحت لهما إلينا بخفة وهي تخرج مع والدتها.
وبعد ثوانٍ…
أُغلق باب المنزل خلفهما.
®®®
في الخارج…
داعبت نسمة باردة وجهيهما فور وصولهما إلى الشارع.
كانت المباني المحيطة مطلية بألوان هادئة؛ زهري فاتح جداً يمتزج مع أزرق باهت تحت سماء صافية خالية من الغيوم.
رفعت إلينا يدها وأوقفت سيارة أجرة إسبانية بيضاء تتوسطها الخطوط الحمراء القطرية.
وضعت الحقائب في الخلف ثم دخلت إلى السيارة.
— "إلى المطار."
انطلقت السيارة وسط شوارع إشبيلية المزدحمة.
ألقت إلينا رأسها على زجاج النافذة بهدوء، تراقب الأزقة القديمة والمحلات الصغيرة وكأنها تودّع المدينة بعينيها.
كانت تستمع إلى أغنيتها المفضلة عبر سماعات سلكية، بينما استقر هاتفها البنفسجي الفاتح فوق ركبتها.
ثم فجأة—
"كششششش…!"
توقفت السيارة بعنف خفيف وسط الطريق.
رفعت إلينا رأسها بسرعة ونزعت إحدى السماعتين.
— "يا إلهي… ماذا يحدث؟"
تنهد السائق بانزعاج وهو يضغط على المقود.
— "زحام."
نظرت إلينا عبر الزجاج الأمامي.
الشارع كان ممتلئاً تماماً بالسيارات.
أبواق.
ازدحام.
وأصوات متداخلة.
آخر أيام العطلة… والجميع يعود إلى مدنه.
رفعت إلينا هاتفها بسرعة.
الساعة كانت تشير إلى الثامنة تماماً.
والطائرة ستقلع عند الثامنة وأربعين دقيقة.
اتسعت عيناها قليلاً.
— "أمي… هذه مصيبة. ستفوتنا الطائرة."
قالت إيفا دون أن تنظر إليها:
— "كله بسببك."
استدارت إلينا ببطء، ثم أشارت إلى نفسها بسبابتها.
— "بسببي أنا؟"
— "نعم."
حدقت بها لثوانٍ.
ثم قالت بصدمة ساخرة:
— "عجباً…"
تنهدت بعدها بهدوء مفاجئ.
فتحت الباب ونزلت من السيارة.
— "هيا، انزلي."
خرجت إيفا بسرعة وهي تنظر للطريق بقلق.
— "إلى أين؟ الطريق ما زال مزدحماً!"
رفعت إلينا حاجبها.
— "إلى أين مثلاً؟ إلى المطار طبعاً."
ثم أضافت وهي تغلق الباب:
— "هيا."
ترددت إيفا للحظة.
— "وماذا عن مال سيارة الأجرة؟ هل سيضيع؟"
التفتت إلينا نحوها ببرود.
— "هباء؟ لا."
ثم انحنت قليلاً نحو نافذة السائق.
— "يا هذا… سنتوقف هنا."
نظر السائق إليها أخيراً بانزعاج.
— "وما شأني أنا؟ طريق السلامة."
ابتسمت إلينا ابتسامة صغيرة.
— "شكراً… والآن أعد المال لو سمحت."
تجمد الرجل.
— "ماذا؟"
ثم ضحك باستهزاء.
— "تحلمين يا عزيزتي."
اقتربت إلينا أكثر.
— "ستعيده رغماً عنك… فهمت؟"
— "مستحيل. اخرجي من هنا."
وفي اللحظة التي حاولت فيها إيفا النزول بالكامل…
دفعها السائق بعنف خفيف وهو يصرخ:
— "أسرعوا!"
وفي الثانية التالية—
انقضّت إلينا عليه فجأة.
أمسكت عنقه بيدها اليسرى وألصقته بعنف نحو الزجاج.
اهتزت السيارة بالكامل.
— "هذا الحقير… كيف تجرأت على لمس أمي؟!"
كان الرجل يحاول إبعادها بصعوبة بينما أكملت بغضب حاد:
— "أقسم أنني سأقتلك!"
— "ابتعدي عني!"
اقترب وجهها أكثر، وعيناها السوداوان تشتعلان غضباً.
— "الشخص الذي يلمس أمي وأنا على قيد الحياة… لم يولد بعد."
ترجلت إيفا أخيراً بسرعة وهي تمسك بذراع إلينا.
— "اتركيه! هيا!"
سحبتها بعيداً وأغلقت باب السيارة بقوة.
أما السائق…
فبقي متكئاً على المقود يلهث بصدمة.
وفجأة…
أخرجت إلينا سكيناً صغيرة من حقيبتها.
شهقت إيفا:
— "ماذا تفعلين؟!"
ابتسمت إلينا بخفة.
— "سترين."
انحنت بسرعة نحو العجلات.
"شششششش…!"
غرست السكين في إطارات السيارة واحداً تلو الآخر.
وتركت عجلة واحدة فقط.
ثم ركضت مبتعدة مع والدتها.
وفي منتصف الطريق تقريباً، أخرجت مجموعة نقود من جيبها ومدّتها لإيفا.
— "ضعيها في حقيبتكِ."
توقفت إيفا بصدمة.
— "ك… كيف سرقتها؟!"
رفعت إلينا يدها اليمنى في الهواء وهي تشرح بفخر طفولي:
— "حين كنت أخنقه بيدي اليسرى… سرقت كل المال الذي جمعه اليوم."
ثم أبعدت يدها بحركة خفيفة.
— "هكذا… وانتهى الأمر."
في تلك اللحظة…
كان السائق ما يزال داخل السيارة يحدق بذهول.
ثم فجأة لمس جيبه.
تجمد.
— "النقود… نقودي؟!"
فتح الباب بسرعة، وما إن نزل حتى سمع صوت الهواء يخرج من العجلات.
نظر إليها بصدمة مطلقة.
الإطارات كلها ممزقة.
فتح فمه بذهول:
— "تلك المجنونة… ماذا فعلت؟! لقد اشتريتها اليوم فقط!"
أمسك رأسه بكفيه بعصبية.
— "يا إلهي… لو أنني فقط أعطيتها المال!"
ثم صرخ بغضب وسط الزحام:
— "سحــقاً!"
(...)