ياغروري الي من شافها ذاب ونسى كل العالم - الفصل التاسع عشر - بقلم مرام محمود | روايتك

اسم الرواية: ياغروري الي من شافها ذاب ونسى كل العالم
المؤلف / الكاتب: مرام محمود
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل التاسع عشر

الفصل التاسع عشر

ذياب جمد في مكانه من كلمتي الأخيرة، وعيونه الحادة صغرت بوعيد مرعب.. قرب مني خطوتين زيادة لين صار ما يفصلني عنه شيء، ومسك فكي بيده الثقيلة وضغط عليه بقوة رفعت راسي له، وقال بنبرة رجولية واطية وبكل برود: "فارس مات ودفنّاه بـ ديرتك يا مرام.. الحين أنتِ في قصر ذياب عساف، وكلمة فارس هذي لو سمعتها تطلع من لسانك مرة ثانية، والله لـ تشوفين شي ما شفتيه بحياتك.. الحين اعدلي شيلتك وامشي قدامي، الجناح بـ يكون سجنك لين تتعلمين السنع وتعرفين كيف تتكلمين مع الشيخ ذياب". ​دف يدي عن فكي بـ قسوة، وأنا تراجعت ودموع القهر تجمعت بـ عيوني لكني رفضت أنزلها قدامه.. سحبت الشال وعدلته بـ غرور وعزة نفس، ومشيت بـ خطوات ثابتة ودخلت الغرفة الكبيرة حقت الجناح وسكرت الباب وراي بـ قوة. ​رميت نفسي على الكنبة وأنا أتنفس بـ صعوبة.. طالعت الغرفة، كانت فخمة جداً، ألوانها رمادي وأسود، وتوسّع الصدر بس بـ نظري كانت أشبه بـ زنزانة ذهبية.. تذكرت كلام شذى بالخارج ونظرات الكره اللي بـ عيونها.. أنا وش ذنبي بكل ه الكره؟ عشان عشت بـ ظلم أبوي يجي ذياب ويكمل علي؟ ​مرت الساعات بـ ثقل.. وبـ حدود الساعة ثنتين بـ الليل، انفتح باب الجناح ودخل ذياب بـ هيبته.. كان فاصخ البشت وعاقد حواجبه بـ تعب، رمى شماغه على الطاولة وطالع فيني وأنا لسه بـ فستاني الأسود وجالسة بـ مكاني. ​تقدم ووقف قدامي وحط يدينه بـ جيوبه وقال بـ جفاء: "بكرة من الصبح بـ يجي لـ هنا مصممين وأخصائيات بـ أمر الجد.. بـ يغيرون كل شي بـ مظهرك هذا.. حركات البويات والملابس الواسعة تنتهي، وبـ تلبسين مثل بنات القصر، وممنوع تخرجين من القصر الثالث بدون إذن مني.. مفهوم؟". ​طالعته بـ برود ووقفت بـ طول النحيف، وقلت بـ صوت هادي: "خلصت أوامرك يا شيخ ذياب؟ تراني تعبانة وأبي أنام.. والسرير هذا لك، أنا بـ أنام على الكنبة، لأن وجودي بـ غرفتك مجرد واجب لـ حماية اسمك مثل ما قلت". ​ذياب جمدت ملامحه وعيونه صارت حمراء من برودي وتحديي له، مشى خطوة وسحبني من يدي بـ قوة لـ درجة وعّتني، وقال بـ غضب مكتوم: "الظاهر سيف ما عرف يربيكِ زين، وأنا اللي بـ أعيد تربيتك من أول وجديد.. السرير بـ تنامين عليه وغصب عنك، وأنا بـ أطلع لـ غرفتي الثانية بـ القصر.. لكن عنادك هذا يا مرام بـ تندمين عليه". ​دَف يدي وبـ خطوتينه الواثقة خرج من الجناح وضَرَب الباب وراه بكل قوة هزت الغرفة.. ​ ​بـ اليوم الثاني.. الصباح بـ قصر عماد (القصر الأول). ​شذى كانت جالسة بـ الصالة الكبيرة، وعيونها منفوخة من البكاء والقهر.. مو مستوعبة إن ذياب صار لـ مرام، كرهها لـ مرام زاد لـ درجة العمى. دخلت أمها وبـ جنبها لمار اللي كانت عايشة بـ عالمها ولا تتدخل بـ أحد. ​أم غازي طالعت بـ بنتها بـ حنان: "شذى يمه.. علامك من البارح وأنتِ بـ ه الحال؟ خلاص البنت تزوجت ابن عمها بـ أمر الجد، وذياب أخذها لـ قصرة.. اهدئي يا بنيتي". ​شذى وقفت بـ صراخ وقهر: "ما بـ أهدأ يا يمه! مرام هذي بوية ومسترجلة وجاية من الفقر والمخدرات، كيف تاخذ ذياب؟! أنا أولى فيه منها.. والله العظيم ما بـ أخليها تتهنى بـ قصر ذياب، وبـ أراويها أيام سوداء بـ ه القصر!". ​لمار طالعت بـ أختها بـ برود وقالت: "شذى.. ذياب عمره ما حبك، وتصرفاتك هذه بـ تصغرك بـ عينه.. ريحي نفسك بس". شذى عطتها نظرة حقد وخرجت من الصالة وهي ناوية على شر. ​بـ نفس الوقت.. بـ حديقة القصر المشتركة، كان صقر قاعد بـ الكشك ومعه حمد.. حمد كان يطالع بـ الأرض بـ ضيق ويقول: "والله يا صقر إني بـ أموت من الفشلة.. مرام طلعت بنت عمتي، وأنا اللي كنت أضاربها بـ الدير وأتحداها بـ الدباب.. كيف بـ أطالع بـ وجهها الحين؟". ​صقر تنهد بـ ضيق وقال وعيونه تراقب قصر عماد: "مسموح يا حمد، أنت ما كنت تدري.. البنت انظلمت من الكل، وذياب أخذها بـ واجب وحماية بس قلبه بارد وما يرحم.. الله يعينها عليه". ​وفجأة.. شاف صقر شذى وهي خارجة من القصر وتمشي بـ سرعة وعيونها مليانة دموع.. قام صقر بـ سرعة وبـ دون شعور ولحقها، ووقف قدامها بـ الممر بـ طوله وجماله، وقال بـ نبرة دافية مليانة حنان: "شذى.. وقفي". ​شذى طالعت فيه بـ عصبية: "وش تبي يا صقر؟! اتركني بـ حالي!". ​صقر شد على يده والوجع بـ قلبه زاد، طالع بـ عيونها الوسيعة وقال بـ غصة أول مرة تخرج من صدره: "إلى متى وأنتِ تركضين ورا سراب يا شذى؟! إلى متى تبكين على واحد عمره ما شافك ولا بـ يشوفك؟! ذياب تزوج وخلاص.. طالعي حولك يا شذى، طالعي بـ اللي شاريكِ ومستعد يبيع الدنيا لـ أجل ابتسامة منكِ.. أنا أحبك يا شذى! أحبك من سنين وأنتِ عمية ما تشوفين غير ذياب!". ​شذى جمدت بـ مكانها وصدمتها كانت قوية.. طالعت بـ صقر بـ ذهول، ومو مستوعبة الكلام اللي قاله.. صقر صديق ذياب الروح بـ الروح يحبها؟ ​سحبت نفسها بـ ارتباك وقالت بـ نبرة حادة تحاول تخفي توترها: "أنت وش قاعد تقول يا صقر؟! أنت مثل أخوي.. ولا عاد تعيد ه الكلام مرة ثانية!". لفت وجهها وركضت بـ اتجاه القصر، وصقر ظل واقف بـ مكانه وعيونه تتابعها بـ انكسار وحزن، ودمعة دافية نزلت من عيونه بـ صمت.. ​ ​بـ القصر الثالث.. بـ جناح مرام. ​الساعة كانت ١١ الظهر.. الباب انفتح ودخلت المصممة ومعها ثلاث عاملات بـ أمر ذياب والجد.. كانوا شايلين صناديق فخمة وملابس كثيرة. ​المصممة تقدمت بـ أدب: "أهلاً مدام مرام.. الشيخ ذياب أمرنا نجي عشان نجهز لك اللوك الجديد والملابس المناسبة لـ عايلة عساف.. تفضلي معنا". ​أنا وقفت بـ برود وقلت بـ نبرة جافة: "حطوا الأغراض واخرجوا.. أنا بـ ألبس بـ نفسي، ومابي أحد يلمسني". ​المصممة ارتبكت: "بس الشيخ ذياب قال..". قاطعتها بـ نظرة حادة من عيوني لـ درجة خافوا: "قلت اخرجوا برا!". ​خرجوا بـ سرعة وخوف.. طالعت بـ الصناديق بـ قهر.. فتحت واحد منهم وشفت فستان ناعم وطويل بـ اللون الزيتي الفخم.. تنهدت وأخذته ودخلت الحمام.. تروشت وبـ صعوبة لبست الفستان، ووقفت قدام المراية الكبيرة بـ الجناح لأول مرة.. ​طالعت بـ وجهي.. صح سماري كان باهت بسب التعب والهم والطق اللي عشته بـ الديرة، وشعري البوي القصير كان يبين ملامحي حادة وقاسية كأني ولد، ونحفي الشديد مغير جسمي.. بس عيوني الكبار وشفايفي الممتلئة الحلوة كانت بارزة.. ​ابتسمت بـ سخرية وقلت بـ نفسي: "يبون يغيروني بـ الملابس؟ لو البس الذهب كله، بـ نظرتهم بـ أظل بنت سيف المجرّد من السنع". ​خرجت بـ هدوء لـ صالة الجناح، وبـ ه اللحظة انفتح الباب ودخل ذياب بـ كشخته بـ الثوب الأبيض.. وقف بـ مكان أول ما شافني بـ الفستان الزيتي. ​عيونه الحادة صغرت وهو يقلبني من فوق لـ تحت بـ نظرة غامضة وبـ برود.. توقعت يقول شي، أو يتغير بـ نبرته.. بس ذياب عساف مغرور ومتكبر بـ شكل مو طبيعي، ومستحيل يظهر أي اهتمام بـ بنت بـ مواصفاتي الحالية. ​مشى وجلس على الكنبة بـ فخامة وحط رجل على رجل، وطالع فيني بـ نظرة باردة تذبح، وقال بـ صوته الرجولي الصارم: "زين.. الفستان غير شكلك شوي وصرتِ تبانين بنت.. الحين اسمعيني زين يا مرام.. اليوم بـ الليل عمتي فوزية وبنتها خلود وشذى بـ يجون لـ هنا بـ أمر الجدة ورود عشان يعلمونك كيف تقعدين وتتكلمين مع الحريم بـ القصور.. أبيكِ تكتمين نفسك وتسمعين كلامهم بـ دون أي لسان طويل، ما أبي أي فضيحة جديدة بـ اسمي بـ القصر.. مفهوم؟". ​أنا أحترقت من داخلي بـ قهر أعمى.. ذياب جايب لي خلود وشذى اللي يكرهوني عشان "يعلموني السنع"؟! يبون يذلوني بـ قصرة وبـ رضاه! ​تقدمت بـ خطوات ثابتة ووقفت قدامه بـ تحدي، وعيوني بـ عينه وقلت بـ صوت قوي هز الصالة: "إذا أنت بايع كرامة زوجتك لـ أشكال خلود وشذى عشان كلام الناس، تراني أنا ما أبيع كرامتي لـ أحد! والي بـ تدوس على طرفي بـ ه القصر، والله لـ أوريك فيها فارس وش بـ يسوي بـ لسانها الحركي.. وأنت أولهم يا ذياب!". ​ذياب فز من مكانه بـ غضب مرعب وعروق جبهته برزت، وشد على يدي بـ قوة لـ درجة حسيت عظامي بـ تنكسر.. وتصادمت عيوني الحادة بـ عيونه الحمراء التيك تشتعل نار.. وبدأت حرب الكرامة والظلم بـ القصر الثالث!