الجن العاشق - الفصل الرابع: ​رسائل الفضة والرماد - بقلم أيمن عبدالنور بوغابة | روايتك

اسم الرواية: الجن العاشق
المؤلف / الكاتب: أيمن عبدالنور بوغابة
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع: ​رسائل الفضة والرماد

الفصل الرابع: ​رسائل الفضة والرماد

مرت ثلاثة أيام على تلك الليلة العاصفة التي انشق فيها حجاب الواقع أمام عيني ليان. ثلاثة أيام لم تكن فيها حية ولا ميتة؛ كانت تتحرك في منزلها كجسد بلا روح، تعيد شريط الذكريات المرة تلو الأخرى في مخيلتها المجهدة. تارة تكذب عقلها وتقول إنها أصيبت بمس من الجنون أو بهلوسة مؤقتة ناتجة عن صدمة الفراق، وتارة أخرى تنظر إلى الدفتر الأزرق القابع على مكتبها، فترى الحروف الفضية تشع بنور خافت يكذب كل إنكارها ويؤكد لها أن ما عاشته كان حقيقة ملموسة. أغلقت ليان باب غرفتها بإحكام، ومسحت قطرات المطر العالقة على أطراف ثوبها، ثم ألقت بجسدها المنهك فوق الفراش. كانت الغرفة مظلمة تماماً إلا من خيوط قمر باهت يتسلل بصعوبة من بين شقوق الستائر المنسدلة. تنفست الصعداء وهي تحاول طرد النسمات الباردة التي باتت تزور غرفتها فجأة دون أي مبرر مناخي. تذكرت كلام آدم الأخير: "بقائي هنا بدأ يسحب من طاقتكِ وحياتكِ دون أن تشعري". نظرت إلى كفيها الشاحبتين تحت ضوء القمر، وشعرت برعب حقيقي؛ لقد بدأت تذبل كزهرة قطعت عن جذورها، وكأن غيابه أخذ معه نضارة أيامها. استجمعت شتات قواها، وجلست على كرسي مكتبها الخشبي القديم. سحبت الدفتر الأزرق بيدين ترتجفان، وفتحت صفحته الأولى. تلك العبارة المحفورة بخط يده المتألق بالفضة كانت تبث في روحها رعباً ممتزجاً بعشق جارف لا تفسير له. أخذت قلماً أسود، وقررت لأول مرة أن تخوض التجربة التي ظنتها مستحيلة. وضعت سن القلم على الورقة البيضاء الناصعة، وبدأت تكتب وعبراتها تنساب بصمت فوق السطور: "آدم... إن كنت تسمعني حقاً كما وعدت، وإن لم يكن كل هذا كابوساً سأستيقظ منه قريباً... فأنا أكاد أموت من الخوف والشوق. العالم بعدك أصبح مظلماً وباهتاً، والمقعد الخشبي في الحديقة بات بارداً ومهجوراً لا يطيق أحد الجلوس عليه. كيف تركتني بعد أن علمتني كيف أحب؟ كيف تكون كائناً من وراء جدار الغيب، بينما نبضك في صدري ملموس وموجع إلى هذا الحد؟ أرجوك أجبني إن كنت تستطيع..." وضعت القلم جانباً، ومسحت دموعها بكفيها وهي تتأمل ما كتبت بسخرية وألم. انتظرت لدقائق طويلة، لكن لم يحدث شيء سوى صوت ركض عقارب الساعة المعلقة على الحائط. تنهدت بخيبة أمل عميقة، وشعرت بسخافة الموقف؛ كيف تظن أن كائناً نُفي إلى عالم آخر سيرد على رسالة ورقية يدوية؟ ولكن، وفي اللحظة التي همت فيها بإغلاق الدفتر والاستسلام للنوم، حدث أمر جمد الدم في عروقها! بدأ الحبر الأسود الذي كتبت به يهتز بعنف على الورقة، وكأنه كائن حي يتموج! تراجعت ليان إلى الوراء وهي تكتم صرختها بيدها، بينما كانت الكلمات السوداء تذوب ببطء وتختفي، وتتحول تدريجياً إلى اللون الفضي المشع. وفجأة، وتحت لغة أسطرها مباشرة، بدأ حبر فضي جديد ينبت من العدم، ويرسم حروفاً منسقة بخط يد آدم المألوف والجميل! انحبست أنفاسها وهي تقرأ ما يُكتب أمام عينيها في نفس اللحظة: "ليان... أنا أسمعكِ. في كل ثانية تنطقين فيها باسمي في خيالكِ، يتردد صداكِ في سلاسل النفي التي تكبلني في عتمة عالمي. لا تبكي يا نوري، فدموعكِ تحرق روحي الأثيرية أشد من نار العشيرة الحارقة. أنا هنا... لستُ بعيداً عنكِ كما تظنين، فالأرواح العازمة لا تفصلها الحجب." شهقت ليان، واقتربت من الدفتر مجدداً دون خوف، ولمست بأطراف أصابعها الحروف الفضية المكتوبة للتو، فامتدت إلى جسدها حرارة دافئة غير مألوفة، حرارة طمأنينة افتقدتها منذ لحظة وداعه. مسكت القلم وكتبت بسرعة وجنون: "أين أنت الآن؟ كيف يمكنني رؤيتك مجدداً؟ هل أنت في خطر بسببي؟" انتظرت ثوانٍ معدودة، لتظهر الإجابة الفضية تترقرق على الورق من جديد: "أنا في محاكمة ملوك العشيرة الضوئية العليا، يعاقبونني لأنني خربت القوانين الأزلية وأحببت إنسية، ولأنني تركت في عالمكِ أثراً سحرياً متمثلاً في هذا الدفتر. لكنهم لا يعلمون أنني وضعت فيه جزءاً من هالتي لحمايتكِ من أي مكروه. احذري يا ليان... غيابي عن عالمكِ فتح ثغرة في المكان، وهناك ظلال من العشائر المظلمة بدأت تلحظ طاقة عشقي الممتزجة بطاقتكِ البشرية. قد يحاولون الوصول إليكِ لإضعافي والنيل مني... لا تخرجي ليلاً أبدًا، وأبقي الدفتر قريباً من صدركِ دائماً." قبل أن تستوعب ليان معنى كلمة "العشائر المظلمة"، انطفأت شمعة صغيرة كانت تنير زاوية غرفتها فجأة دون وجود أي تيار هوائي. وساد المكان صمت ثقيل، مريب، ومخيف للغاية. تغيرت برودة الغرفة في لحظة واحدة؛ لم تعد البرودة الفضية الدافئة التي ترافق طيف آدم، بل أصبحت برودة عفنة وقاسية، برودة تحمل رائحة رماد واحتراق قديم. تراجعت ليان بجسدها حتى التصق ظهرها بحائط السرير، وعيناها معلقتان بزاوية الغرفة المظلمة برعب قاتل. هناك، بدأت الظلال تتلوى على الجدار كالأفاعي، تتجمع وتتكاثف لتشكل هيئة ضخمة ومرعبة، هيئة كائن بلا ملامح واضحة، لكن تنبثق من رأسه عينان تشعان بلون أحمر قاني كالجمر المشتعل في الجحيم! تسمرت ليان في مكانها، وعقد الخوف لسانها عن الصراخ أو الاستغاثة بعائلتها. تذكرت تحذير آدم الذي قرأته قبل ثوانٍ. كان الظل الأسود يتقدم نحو سريرها ببطء شديد، مسبباً اهتزازاً خفيفاً في أثاث الغرفة، وصوت فحيح مرعب يملأ الأركان، وكأن هناك من يهمس بلغة بابلية قديمة وغير مفهومة للبشر. وفي اللحظة الحاسمة التي امتدت فيها يد الظل الداكنة اللاملموسة نحو وجه ليان الشاحب لتسلبها أنفاسها، لمع الدفتر الأزرق المفتوح على المكتب بوميض فضي هائل وصاعق، وانفجرت منه موجة من النور الضوئي الخالص ضربت كل أرجاء الغرفة كالبرق! تردد صدى صرخة مكتومة وموجعة من الكائن الظلي الذي تراجع بسرعة البرق متحرقاً، متلاشياً في الهواء كالدخان الأسود. عادت الغرفة إلى سكونها الطبيعي، وعادت أضواء الشارع الخافتة لتنير النافذة، لكن ليان كانت تتنفس بسرعة وجنون، وصدرها يعلو ويهبط من الصدمة، وقد أدركت الآن، وبشكل قاطع لا رجعة فيه، أن حياتها الهادئة البسيطة قد انتهت تماماً، وأنها أصبحت رسمياً جزءاً من صراع مرعب وخفي بين عشائر الجن... صراع محورُه الوحيد هو عشق آدم لها. ارتمت على المكتب، وضمت الدفتر الأزرق بقوة إلى جسدها وهي ترتجف، مدركة أنه بات درعها الوحيد في هذا الكون.