ياغروري الي من شافها ذاب ونسى كل العالم - الفصل السابع عشر - بقلم مرام محمود | روايتك

اسم الرواية: ياغروري الي من شافها ذاب ونسى كل العالم
المؤلف / الكاتب: مرام محمود
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السابع عشر

الفصل السابع عشر

سحبت نفسي خطوة لـ وراء بـ لا وعي، وصوتي كان يرجف بـ قهر مكتوم لما قلت: "تتزوجني؟ ذياب.. أنت وش قاعد تقول؟! طالع فيني زين.. أنا مو بنت القصور الفخمة هذي ولا أشبه البنات اللي تحلم فيهم.. أنا فارس! أنا اللي عشت بـ القذارة والتراب طول ٢٠ سنة، أنا اللي انحرمت من أبسط حقوقي وربيت بـ العنف! كيف تطلب يد وحدة ناسية حتى كيف تتنفس كـ بنت؟! ومن متى ذياب عساف الشيخ المغرور يلتفت لـ وحدة بـ ملامحي وشعري البوي المكسور؟!". ​ذياب ما تحرك من مكانه، ملامحه جمدت تماماً وعيونه الحادة صارت أعمق وهي تدرس كل نبرة تحدي بـ صوتي. خطوة بـ خطوة، قرب مني بـ طوله الفارع وهيبته لين صار بيني وبينه مسافة قصيرة جداً، لـ درجة أنفاسه لافحت وجهي، وحط يدينه بـ جيوبه وقال بـ صوته الرجولي البارد اللي يجمد الدم بـ العروق: "مرام.. أنا ما سألتكِ عن ماضيكِ، ولا سألتكِ عن لبسك وشعرك، ولا جيت أطلبك عشان سواد عيونك. العايلة كلها من أربع أيام وهي ما عندها سيرة بـ مجالسها غير وجودك بـ القصر، وعن وضعك الغريب وكيف عشتِ كـ ولد بـ ديرة قطاع طرق ومخدرات". ​بلعت ريقي بـ غصة، وهو كمل بـ نبرة جافة وخالية من أي عاطفة: "زواجي منك هو القرار الأصح عشان نسكت الألسنة، وأحمي اسم العايلة من القيل والقال، وأضمن إن محد بـ المجلس بـ يتجرأ يمسكِ بـ كلمة لأنك بـ تصيرين بـ حمايتي وبـ اسمي.. يعني ارتاحي، هذا مو عرض رومانسي، هذا واجب وعقل لـ مصلحة الكل". ​كلماته كانت مثل الكف القوي اللي صحاني من أوهامي. يعني مو حب؟ مو إعجاب بـ شجاعتي؟ هو بس "ستر" و"واجب" و"حماية لـ اسم العايلة" عشان ما أفشلهم قدام عربان الرياض بـ ماضي أبوي! أحسست بـ كرامتي تنجرح بـ قهر أعمى هز كياني، وكأني بضاعة رخيصة يبون يغطونها بـ اسم ذياب عشان ما توسخ سمعة الـ ٦ قصور! ​طالعته بـ عيوني الباردة والدموع تحرقني من داخل، وقلت بـ صمود وقوة: "وأنا أرفض يا ذياب عساف! أرفض أكون مجرد خانة تسكرها بـ جدول واجباتك وقراراتك. عشت ٢٠ سنة عبدة لـ قسوة وبخل أبوي سيف، ومستحيل أعيش بقية عمري عبدة لـ برودك وتملكك وتحت رحمتك عشان تحمي سموعكم! قصر جدك هذا، لو بـ يعاملني كأني وصمة عار تبون تسترونها، تراني بـ بشتي وفراشي بـ الشارع أكرم لي بـ مية مرة من فضلكم!". ​لمعة غضب مرعبة ظهرت بـ عيونه السوداء لـ ثوانٍ، وشد على فكه بـ قوة لين عروق رقبته برزت من جراء كلامي وتحدي له. وقبل لا ينطق بـ حرف واحد، سمعنا صوت ضحكات عالية ومستفزة جاية من جهة الممر الطويل حق الحديقة.. ​التفتنا بـ سرعة، وشفت خلود واقفة وبـ جنبها أمها فوزية، الحقد والشماتة يقطر من عيونهم. خلود مشت بـ تدلع وهي تصفق بـ يدينها بـ نبرة سخرية: "ياساتر يا ذياب! وش جالس يصير هنا بـ الحديقة؟ ذياب عساف الشيخ والهيبة يترجى ويطلب يد البنت اللي كانت تعيش بـ الخرابة مع المجرمين بـ الديرة؟ معقولة ذوقك نزل لـ ه المستوى يا ابن عمي؟". ​فوزية تقدمت وعيونها الطماعة تقلبني من فوق لـ تحت بـ قرف، وطالعت بـ ذياب وقالت بـ خبث: "يا وليدي يا ذياب، العايلة ما ترضى بـ ه اللخبطة. مرام بنت ملاذ على عينا ورأسنا، بس شوف شكلها.. شعر بوي، وسمار باهت، ونحف، وعيشة عيال مضاربات بـ الليل! الناس برا وش بـ يقولون عن عيال عساف لو تزوجت وحدة أمها هربت وتبرت منها عشان ما تذكرها بـ سيف، وأبوها سجين مخدرات ممسوك بـ الإجرام؟ هذي مالها بـ الذرابة والسنع ولا هي من ثوبنا!". ​كلامهم كان يتقاطر سم، طعنات موجهة لـ شكلي ونحفي وظروفي اللي مالي ذنب فيها. طالع بـ نفسي بـ قهر.. صح وجهي الحين شاحب وسماري باهت بسب التعب والهم، وشعري مقصص كأني ولد، بس القسوة هذي خلتني أحترق بـ صمت. ​ذياب ما رد على فوزية وخلود بـ ولا كلمة، التفت لهم بـ نظرة واحدة مرعبة وخالية من الرحمة خلت خلود تبلع ريقها وترجع لـ وراء من الخوف وتتمسك بـ أمها. وعاد ذياب بـ نظراته الحادة لي، وقال بـ نبرة واطية وجافة هزت أركان قلبي: "بكرة بـ الليل.. الجد بيجتمع بـ الكل بـ المجلس الكبير، والقرار بـ يعلن هناك قدام الأعمام. وبغض النظر عن رأيك ورأي أي أحد ثاني يا مرام.. بـ قصر عساف، الكلمة الأولى والأخيرة لـ ذياب". ​تركني ومشى بـ خطواته الواثقة والرزينة، وخلود ركضت وراه تحاول تناديه بـ مياعة وتعتذر، بينما فوزية عطتني نظرة احتقار أخيرة ومشت. ​وقفت بـ الحديقة بـ مفردي، والظلام بدأ ينزل على الرياض. دموعي نزلت بـ صمت وقهر على خدي، أحس إن الجدران الفخمة والـ ٦ قصور هذي، قاعدة تضيق على أنفاسي وتظلمني بـ كلماتهم ونظراتهم المستحقرة، وهذا ألعن بـ مية مرة من ضرب زوجة أبوي غالية. :........................................................... ​(ليلة اجتماع الجد) ​مرّ اليوم الثاني بـ ثقل لا يطاق. كنت محبوسة بـ جناحي، ما خرجت ولا أكلت شيء. أمي ملاذ جاتني أكثر من مرة تطق الباب وتبكي وتقول: "افتحي يا يمه.. افتحي يا مرام، خليني أضمك، ذياب بـ يحميكِ من كلامهم"، لكني كنت أحط المخدة على أذني ومابي أسمع صوتها.. هي اللي رمتني وتبرت مني ٢٠ سنة عشان تنقذ نفسها، كيف الحين جاية بـ كل سهولة تمثل دور الأم الخايفة وتجبرني على ذياب؟! ​الساعة صارت تسع بـ الليل.. وهو موعد الاجتماع الحاسم بـ قصر الجد عساف الكبير. ​لبست عبايتي السوداء، وجمعت بـ داخلي كل قوتي وبرودي، ولفيت الشال والتلثمت كـ العادة عشان أداري ملامحي المكسورة وشعري البوي. خرجت من الجناح ومشيت بـ خطوات ثابتة كأني "فارس" المستعد للهجوم، ودخلت الصالة الكبيرة المؤدية لـ مجلس الرجال والمجلس المشترك حق العايلة. ​الأنظار كلها التفتت صوبي أول ما دخلت، وعمّ السكون. الأعمام كلهم كانوا جالسين بـ هيبتهم: عماد بن عساف، ومالك، والوليد. وعيالهم متجمعين بـ جهة؛ حمد المغزلجي كان قاعد ومنزل رأسه بـ إحراج وفشلة لما شافني بـ سبب ماضيه معي، وصقر يطالع فيني بـ نظرة غموض وهدوء، ومهاب لابس كشخته ويطالع بـ ضيق. بـ الجهة الثانية كانوا الحريم والبنات: شذى تطالعني بـ عيونها الوسيعة وبـ ملامحها الجميلة اللي كأنها عارضة أزياء وبـ نبرة خوف علي، ولمار ولذة يتهامسون بـ قلق، والتوام لارا ولارين يراقبون الموقف بـ فضول. وخلود وأمل وفوزية جالسين بـ غرور وابتسامة شماتة، منتظرين انكساري. ​وفي صدر المجلس.. كان قاعد الجد عساف بـ بشته وعصاته وهيبته اللي تزلزل المكان، وبـ جنبه زوجته الجدة ورود وعيونها مليانة حنان وخوف، وعلى يده اليمين.. كان واقف ذياب! ​ذياب كان لابس الثوب الأسود والشماغ، طالع بـ قمة الكشخة والوسامة التيك تذوب الصخر، وعيونه الحادة مثل الصقر تراقب دخولي بـ برود متكبر وثقة عمياء كأنه ضامن موافقتي. ​الجد عساف طق عصاته بـ الأرض، وطالع فيني وقال بـ صوته الشايب الحازم: "اقربي يا مرام.. اقربي يا بنت ملاذ". ​تقدمت بـ خطوات جامدة، ووقفت بـ نص المجلس بـ كبرياء. الجد عساف التفت لـ الأعمام وذياب، وقال بـ وضوح: "يا جماعة، ذياب طلب مني ومن عمتكم ملاذ يد بنت عمتكم مرام، وأنا الحين جمعتكم كلكم عشان نثبت هذا الأمر بـ ملكة رسمية بكرة، وننهي القيل والقال اللي يدور بـ سبب عيشة البنت السابقة بـ الديرة مع سيف.. الزواج هذا بـ يربطها بـ ذياب وبـ يكون هو المسؤول عنها وعن حمايتها وتأديبها كـ بنت من بنات عساف". ​خلود فزت من مكانها بـ غيرة وحقد وقالت بـ قلة حياء: "يا جدي! تكفى لا ترضى! ذياب شيخنا وتاج رأسنا، كيف يتزوج وحدة مسترجلة؟! هذي كانت تسمي نفسها فارس وتضارب العيال بالليل بـ الديرة وتخالطهم! هذي تفشلنا قدام القبايل لو دروا عنها!". ​فوزية أيدتها بـ سرعة: "إي والله يا عمي، البنت مالها بـ الذرابة والسنع، وعاشت بـ الفقر والمخدرات، كيف تقعد بـ قصر ذياب وتصير زوجته؟ ذياب يستاهل ست البنات مو وحدة بـ ه المواصفات!". ​المجلس بدأ يتهامس بـ أصوات واطية، وأنا كنت واقفة بـ نصهم، حاسة بـ الظلم والإهانة التامة، وعيوني من ورا اللثام كانت معلقة بـ عيون ذياب الباردة.. كنت أنتظر منه كلمة، أي كلمة يثبت فيها إنسانيتي ويرد على إهاناتهم لي. ​لكن ذياب أخذ نفس عميق، وعدل شماغه بـ ثقة، وقال بـ صوته الرجولي الجاف الخالي من أي عاطفة قدام الكل: "عمتي فوزية.. خلود.. أنا لما أخذ قرار، ما أنتظر تقييم أو إذن من أحد. مرام بنت عمتي، وبـ تتوثق بـ اسمي بـ بكرة بـ أمر الجد.. والزواج هذا ماله علاقة بـ السنع أو الذوق أو الاختيار.. هذا واجب لـ حماية اسم الجد عساف ولمّ شتات العايلة، ومرام بـ تقعد بـ جناحي وتحت أمري ورعايتي، وحركاتها القديمة وعيشتها كـ ولد بـ تنتهي بـ القوة وبـ السنع اللي بـ تتعلمه عندي.. والكل بـ يسكت غصب عنه". ​أنا هنا.. انكسر بـ قلبي كل شيء! ذياب جالس يهينني قدامهم ويقول "واجب، وتحت أمري، وبـ القوة، وماله علاقة بـ الاختيار"! يشوفني مجرد حمل ثقيل ومشوه ولازم يربيه! ​اشتعلت بـ داخلي نار القهر والتحدي، وفجأة بـ دون شعور، فكيت لثامي بـ حركت سريعة وطاح الشال عن رأسي وبان وجهي الشاحب الأسمر وعيوني اللي تقدح نار قدام العايلة كلها بـ الكامل لأول مرة بـ ه الشكل، وصحت بـ صوتي المبحوح المقهور اللي هز أركان المجلس: "أنا مانيييييي موافقة!! لو تموتون كلكم يا عيال عساف، ما أخذ واحد يشوفني وااااجب وإهانة ووصمة عار يستر عليها بـ اسم وفلوس وقصور!! أنا فارس اللي حميت نفسي بـ الخلا والتراب لما كلكم تركتوني لـ جهنم سيف، ومستحيل أبيع كرامتي لـ واحد مغرور ومتكبر مثلك يا ذياب!". ​المجلس كله شهق بـ صدمة قوية من جراء كلامي وجرأتي وتحديي لـ كلمة الجد وذياب.. أمي ملاذ غطت وجهها وتبكي، وشذى وقمر طالعوا فيني بـ ذهول وخوف علي. أما ذياب.. فـ جمدت ملامحه بـ الكامل، وعيونه صارت حمراء مثل الجمر، وعروق يدينه برزت وهو يشد على قبضة يده والشرار يطير من نظراته المرعبة اللي تصوبت علي بـ غضب يهز جبال..