الجن العاشق - الفصل الاول :لقاء غير كل شيء - بقلم أيمن عبدالنور بوغابة | روايتك

اسم الرواية: الجن العاشق
المؤلف / الكاتب: أيمن عبدالنور بوغابة
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الاول :لقاء غير كل شيء

الفصل الاول :لقاء غير كل شيء

لم تكن ليان تؤمن بالصدف. كانت ترى أن لكل شيء سببًا خفيًا، وأن الأقدار تنسج خيوطها بصمت قبل أن تكشفها للناس. لذلك، عندما خرجت في ذلك الصباح البارد من منزلها الصغير، لم تكن تعلم أن يومًا عاديًا كهذا سيغيّر حياتها إلى الأبد. استقبلتها شوارع المدينة بهدوئها المعتاد. السماء ملبدة بالغيوم، والهواء يحمل برودة خفيفة تنذر بمطر قريب. سارت بخطوات متأنية وهي تضم كتابها إلى صدرها، كأنها تحتمي به من العالم كله. كانت في الثامنة عشرة من عمرها، فتاة هادئة تميل إلى العزلة أكثر من الاختلاط بالناس. لم تكن تملك الكثير من الأصدقاء، لكنها كانت تملك قلبًا كبيرًا يخفي من المشاعر ما لا يعرفه أحد. جلست على المقعد الخشبي المعتاد في الحديقة القريبة من الجامعة. فتحت كتابها، وحاولت التركيز على الكلمات، لكن عقلها كان شاردًا كعادته. كانت تفكر في المستقبل. في أحلامها الصغيرة. وفي تلك الحياة التي تتمنى أن تعيشها يومًا ما. وفجأة... سقطت قطرات المطر الأولى. أغلقت كتابها بسرعة، ونهضت تبحث عن مكان يحميها من المطر الذي بدأ يشتد شيئًا فشيئًا. وأثناء ركضها نحو المأوى القريب، اصطدمت بشخص لم تره أمامها. سقط الكتاب من يدها. وتناثرت الأوراق على الأرض المبتلة. رفعت رأسها بسرعة وهي تشعر بالإحراج. لكن الكلمات اختفت من شفتيها عندما التقت عيناها بعينيه. كان شابًا طويل القامة، يحمل مظلة سوداء، وتبدو على وجهه ملامح هدوء غريبة. انحنى فورًا يجمع الأوراق المبعثرة. وقال بصوت هادئ: "أعتذر... لم أقصد." ارتبكت ليان. "لا بأس..." ناولها الأوراق مبتسمًا. كانت ابتسامة بسيطة. لكنها تركت أثرًا عجيبًا في قلبها. قال: "أظن أن المطر أعلن انتصاره علينا." ضحكت بخفة لأول مرة منذ أيام. لا تعرف لماذا. لكن وجوده جعل الجو أقل كآبة. مد يده إليها. "أنا آدم." ترددت للحظة. ثم صافحته بخجل. "ليان." لم يكن أي منهما يعلم أن هذا الاسم سيبقى محفورًا في ذاكرة الآخر لسنوات طويلة. جلسا تحت المأوى بانتظار أن يهدأ المطر. في البداية كان الصمت يسيطر على المكان. لكن شيئًا فشيئًا بدأت الأحاديث الصغيرة تنمو بينهما. حديث عن الدراسة. عن الكتب. عن الأحلام. وعن الأشياء التي يحبها كل منهما. كانت ليان تتفاجأ من عدد الأمور المشتركة بينهما. وكأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن بعيد. أما آدم، فكان يراقبها بصمت أحيانًا. ويشعر أن خلف عينيها حزنًا لا تريد لأحد أن يراه. وعندما توقف المطر أخيرًا، وقف وهو ينظر إلى السماء. وقال مبتسمًا: "يبدو أن علينا العودة إلى الواقع." أومأت برأسها. لكنها شعرت بشيء من الخيبة. لم تكن تريد أن ينتهي الحديث. ولم تكن تعرف السبب. قبل أن يغادر، التفت إليها وقال: "أتمنى أن أراك مجددًا يا ليان." تسارع نبض قلبها. واكتفت بابتسامة صغيرة. راقبته وهو يبتعد. حتى اختفى بين الناس. عادت إلى منزلها في ذلك المساء. لكنها لم تستطع قراءة صفحة واحدة من كتابها. كانت تفكر في آدم فقط. في صوته. وفي ابتسامته. وفي تلك الصدفة التي بدت وكأنها بداية حكاية لم تكتب فصولها بعد. وفي مكان آخر من المدينة... كان آدم يجلس قرب نافذته. ينظر إلى المطر الذي عاد من جديد. ويفكر بالفتاة التي التقاها صدفة. دون أن يعلم أن القدر كان يخط لأول مرة أول سطر من قصة حب ستصبح لاحقًا مليئة بالشوق والدموع والفراق الأدبي في تلك الليلة، لم تستطع ليان النوم. كانت تتقلب فوق فراشها بينما تتردد في ذهنها تفاصيل ذلك اللقاء القصير. كل شيء بدا غريبًا. كيف يمكن لشخص لم تعرفه إلا لساعات قليلة أن يشغل كل هذا الحيز من التفكير؟ حاولت إقناع نفسها أن الأمر مجرد إعجاب عابر. مجرد صدفة جميلة. لكن قلبها كان يخبرها بشيء آخر. نهضت من فراشها واتجهت نحو النافذة. كان المطر لا يزال يهطل بهدوء. أغمضت عينيها. وتذكرت ابتسامته. صوته. ونظرته الدافئة. ابتسمت دون أن تشعر. وفي الجهة الأخرى من المدينة... كان آدم مستيقظًا هو الآخر. يجلس أمام مكتبه محاولًا إنهاء بعض الأعمال. لكن تركيزه كان مشتتًا. كلما حاول العودة إلى ما كان يفعله، ظهرت صورة ليان أمامه. تساءل بصمت: "هل سأراها مجددًا؟" وفي صباح اليوم التالي... استيقظت ليان مبكرًا على غير عادتها. ارتدت ملابسها بسرعة. وتوجهت إلى الجامعة. كانت تحاول إقناع نفسها بأنها ذاهبة من أجل الدراسة فقط. لكن جزءًا من قلبها كان يبحث عن شخص آخر. شخص يحمل مظلة سوداء. وشعرًا داكنًا. وابتسامة هادئة. وصلت إلى الحديقة. نظرت حولها. لم يكن هناك. شعرت بخيبة صغيرة. جلست على المقعد نفسه. فتحت كتابها. لكنها لم تستطع قراءة سطر واحد. وفجأة... سمعت صوتًا مألوفًا خلفها. "يبدو أن هذا المقعد المفضل لديك." تجمدت في مكانها. ثم التفتت بسرعة. كان آدم. يقف مبتسمًا. شعرت أن قلبها كاد يقفز من مكانه. ابتسمت بخجل. وقالـت: "وأنت؟" ضحك. "ربما أصبح المفضل لدي أيضًا." جلس بقربها. وبدأ حديث جديد. حديث أطول من سابقه. وأكثر دفئًا. مرت الدقائق سريعًا. ثم تحولت إلى ساعات. حتى شعرت ليان وكأنها تعرفه منذ سنوات. أخبرها عن طفولته. وعن أحلامه. وعن رغبته في السفر يومًا ما لرؤية العالم. أما هي... فحدثته عن حبها للكتب. وعن خوفها من الفقدان. وعن الوحدة التي ترافقها أحيانًا. استمع إليها باهتمام. وكأن كل كلمة تقولها مهمة. ولأول مرة منذ زمن طويل... شعرت ليان أن هناك من يفهمها حقًا. ومع مرور الأيام... بدأ لقاؤهما يتكرر. مرة في الحديقة. ومرة في المكتبة. ومرة في المقهى القريب من الجامعة. وكانت مشاعرهما تنمو بهدوء. مثل زهرة صغيرة تتفتح تحت أشعة الشمس. دون أن يلاحظها أحد. لكن الحياة... لم تكن تعد لهما طريقًا سهلًا. ففي مكان بعيد... كانت عائلة آدم تواجه أزمة كبيرة. أزمة ستغير مصير الجميع. وستجعل الحب الذي بدأ للتو... يدخل أول اختبار حقيقي له. ولم يكن أي منهما يعلم... أن الأيام القادمة تحمل دموعًا أكثر مما تحمل من الفرح مرت الأسابيع بسرعة. وأصبح وجود آدم جزءًا من تفاصيل حياة ليان اليومية. كانت تستيقظ وهي تتساءل إن كانت ستراه اليوم. وتنام وهي تسترجع كل كلمة قالها لها.